0

بمختلف الألوان
لقد عاش السواد الأعظم من الأجيال السابقة بمهارات محدودة-تبعاً لمحدودية أدواتهم-لكنها مكنتهم من الوصول الى خط النهاية بسلام وأمان. أما الألفية الثالثة فقد فرضت على جيلها ضرورة امتلاك سلة (كاملة) من المهارات. كمهارة التعلم والابتكار، ومهارة الثقافة المعلوماتية والإعلامية والتكنلوجية، ومن أبرزها... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
ألأب الفذّ والولد الفقيه

منذ 1 سنة
في 2025/07/21م
عدد المشاهدات :1951
ألأب الفذّ والولد الفقيه

ما أكثر ما يُقال عن التربية، وما أقلّ ما يُعمل بها كما أرادها الله تعالى، فليست التربية صناعة ثقافيّة تُملى من رغبات البيئة، ولا نزعة وقتيّة تُملى من مؤثرات العولمة، ولا تقليدا أعمى لجهاتٍ اجتماعية أو مزاجات شخصيّة؛ بل هي تسليمٌ لأمر الله سبحانه في منهجه، والتزامٌ بأدبه، واتباعٌ لهدي نبيّه وآله الأطهار (عليهم السلام). وإنّ من تأمّل كلمات المرجعية العليا في لحظات العزاء، وأخذ منها الدروس، لعلِم أن النجاح التربويّ له خطّة لا تتبدّل، وقد ورد في الكافي: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ (عليه السلام) ، قَالَ : إِنَّ اللّهَ لَيَرْحَمُ الْعَبْدَ ؛ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِوَلَدِهِ.

التربية الصالحة تبدأ من الصغر، حيث القلب رقّ، والعقل خالٍ من شوائب التجربة الفاسدة. فلا يستبطئَنّ الأب صلاح ابنه، ولا يعجلنّ عليه، بل يصبر كما صبر ألآباء الصالحون على اهلهم، ويرعاه كما تُرعى البذور في أرضٍ تنتظر المطر. ومتى ما أراد الوالد أن يُثمر ولده ثمرة طيبة، فعليه أن يُعنى بجوهره لا مظهره، وأن يُهذّب خُلُقه لا صورته، وأن يُحسن الظنّ به كما يُحسن الظنّ بربّه، فإنّ هذا الحسن من الظنّ هو أصل النجاح ووقوده.

وليس الأدب المطلوب في تربية الأولاد ما تمليه الموضات أو ما تفرضه المجتمعات، بل الأدب الذي أراده الله تعالى، وهو ما دلّت عليه النبوّة، وعبّرت عنه وصايا الأئمّة (عليهم السّلام)، وهتفت به خطبهم ورسائلهم، فهذا هو الأدب الذي يُخرج إنسانا صالحا، كما في الكافي: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ (عليه السلام) ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللّهِ (صلى الله عليه و آله) : مَنْ قَبَّلَ وَلَدَهُ ، كَتَبَ اللّهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ لَهُ حَسَنَةً ؛ وَمَنْ فَرَّحَهُ ، فَرَّحَهُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ وَمَنْ عَلَّمَهُ الْقُرْآنَ ، دُعِيَ بِالْأَبَوَيْنِ ، فَيُكْسَيَانِ حُلَّتَيْنِ يُضِيءُ مِنْ نُورِهِمَا وُجُوهُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فما بالك بمن اخرج فقيه أهل البيت (عليهم السلام).

وخطة الأب الواعي لا تقف عند التعليم فقط، بل تشتمل على الرعاية، والمتابعة، وإشعار الولد بالحبّ المسؤول، وعناية الموجّهة، مع حدّة مشربة برحمة، وحزم مصلح نافع، وتعليمه التسليم لما أراد الله تعالى، والرضا بحكمه، فإنّهما عماد وسند في مشروع بناء نفس الولد العارف للنعمة.

فحينما تطالع كلمات المرجع الديني الكبير السيد محمد سعيد الحكيم ( رضوان الله عليه) الملقّب فقيه أهل البيت (عليهم السلام) وهو ينعى والده للعالم، تجده يسكب من قلبه مراثي حزينة، ويشهد بفقدِه رجلاً قلّ نظيره، فالعالِم إذا نعى أباه فكأنّه يرثي مدرسةً زرعت فيه الخير والبرّ، وغرست بذور الفقاهة.

وانت تطالع كلمات التعزية المرفقة، تسمع صوتاً:يا أبي ما تركتَ خلفك إلاّ عطر العلم وحُسن البرّ، وويخطر في ذهنك المبارك جمال التديّن وتتذكر كأنّه يشرح قوله تعالى: .. وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ... وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ... [البقرة: 83]

إنّ الأب الناجح الذي ينهض بتربية ولده بروحٍ من التسليم لله، وتوجيهٍ من وحي أهل البيت (عليهم السلام)، هو الذي يُقيم صرحًا من النور في قلب ولده، ويغرس فيه معاني النبوّة والولاية، فينشأ إبنا خادما في سبيل الله تعالى، وبذرةً طيّبةً تُثمر في الدنيا والآخرة، كما ورد في احقاق الحقّ ج١٨: عنه (صلى الله عليه وآله): "أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب أهل بيته، وقراءة القرآن، فإن حملة القرآن في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله مع أنبيائه وأصفيائه".
فكيف بمن يربّي ولداً محامياً عن القرآن الكريم والعترة الهادية

ونحن في ظلال هذه الكلمات نقول: إنّ من أعظم النِّعَم في الدنيا أن يُرزق الإنسان أبًا مربّيًا، لا يُعلّمه الكلام فقط، بل يهديه إلى مكارم الأخلاق، ويزرع فيه محبّة الله والعترة الطاهرة. فكلُّ ولدٍ ترعرع في حضن أبٍ صالحٍ، إنّما ترعرع في مدرسة نبوية خفيّة. ولولا المربّون الصادقون، لما عرف الناس طريقهم إلى الله.

أيّها الآباء الكرام : أدّوا دوركم لأولادكم، فإنّهم أمانة عندكم، أيّها الأبناء الأعزّاء: لا تغفلوا عن نعمة الأب المربّي، فبركته لا تُقدّر، ودعوته مفتاح وطريق إلى الجنة.
 
السيد رياض الفاضلي

لمتابعة المنشورات

https://t.me/droossreiadh

اعضاء معجبون بهذا

حيدر السلامي في ذكراه الأولى (عام على الرحيل... وذاكرة لا تغيب)
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم /الكفل تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى على فقدان كنز عراقي غادرنا حيدر السلامي يوم 2 سبتمبر 2025 بعد معاناة طويلة مع المرض تاركا خلفه سيرة حافلة بالأبداع والعطاء. كان رحيله موجعا لأصدقائه ومحبيه وكل من عرفه، استعادوا في ذكراه الأولى ملامح شخصيته وقد كتب الأديب حيدر عاشور في رثائه: «عام مر... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ يومين
2026/09/22
عندما نسمع كلمة القسطرة قد نعتقد أن الأمر يقتصر على فتح شريان مغلق، لكن الحقيقة أن...
منذ 4 ايام
2026/09/20
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وسبعة عشر: الهندسة غير الإقليدية: من سطح...
منذ 4 ايام
2026/09/20
مع حلول الثالث من الشهر الجاري (آب 2026)، يتجدد قلق الشارع العراقي وشريحة الموظفين...