0

بمختلف الألوان
لقد فاضلَ الله سبحانه وتعالى بحسب حكمته في التشريع بين الشهور كما فاضلَ بين الأيّام، وكما فاضل بين السّاعات لأجل أن تكون هذه الفضيلة منبّهات للإنسان على مزيدٍ من الجد والتبصّر والاستعداد للحياة الأخرى. فلو كان الإنسان مدعوّاً إلى عمل الخير في جميع الأوقات على وجهٍ واحدٍ لم يكن له حافز على استثمار... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
المختار الثقفي بين وثائق التاريخ وأكاذيب الخصوم

منذ 1 اسبوع
في 2026/10/06م
عدد المشاهدات :38
تحت ظلال السيوف الدامية التي أعقبت فاجعة كربلاء، وفي حقبة تقاطعت فيها أهواء الحكم وتنازعت ولاءات الأمة، يبرز اسم المختار بن أبي عبيد الثقفي بوصفه لغزاً تاريخياً شائكاً, تحيط به هالة من الجدل والغموض؛ إذ لم تكن الكوفة وحدها مسرحاً لأحداثه، بل كانت العواطف الجريحة والضمائر المكلومة هي الأرض الرخوة التي بُنيت فوقها صراعات تلك المرحلة الحرجة من تاريخ الإسلام.
تُعتبر شخصية المختار محطة بالغة التعقيد والدلالة في تاريخ الإسلام المبكر، لاسيما عند مقاربة رؤية علماء ومفكري الإمامية (الشيعة) لحركته وثورته التي رفعت شعار "يا لثارات الحسين", كراية جامعَة استقطبت الساخطين والمظلومين، وحولت الدمعة إلى ثورة مسلحة هزت عروش الأمويين, وأقضّت مضاجع الزبيريين في آنٍ واحد.
وقد تباينت الآراء الفقهية والتاريخية بين التوثيق والتجريح؛ فبين محققين رأوا فيه مخلصاً أثلج قلوب آل البيت بالقصاص الحاسم من قتلة الحسين، وآخرين حذروا من طموحاته السياسية، نشأت هوة واسعة ملأتها الروايات المتعارضة، فضلاً عن إشكالية الارتباط المعقد بما يسمى بـ "الفرقة الكيسانية", وما رافقها من تهم وشبهات حول طبيعة دعوته وعقيدته التي استغلها خصومه لتشويه إرثه. لتتجسد أمامنا في النهاية شخصية استثنائية تقاذفتها أمواج السياسة وروايات الخصوم بين مدح غامض وذم متعمد، وتستحق منا اليوم قراءة متأنية ومحايدة تفكك عُرى الأسطورة، وتستجلي ملامح الحقيقة التاريخية, وسط ركام الاتهامات الصاخبة وبطولات تلك الحقبة الدامية.


· التحقيق عند السيد أبو القاسم الخوئي (قده):
عند خوض غمار البحث الرجالي والحديثي لتفكيك طلاسم شخصية المختار الثقفي، يقف المحقق الكبير السيد أبو القاسم الخوئي (قدّس سرّه) في طليعة العلماء الذين أعملوا معول البحث الدقيق في كتابه العمدة (معجم رجال الحديث)، متجاوزاً الانطباعات العاطفية والاتهامات السياسية, ليمسك بميزان الجرح والتعديل بصرامة علمية فائقة. لقد غاص السيد الخوئي في بحار الروايات المتضاربة, التي تقاذفت المختار بين مدح صارخ وذم متعمد، ليخضع كل سند ورواية لمجهر النقد التاريخي والحديثي.
وقد أسفر هذا التحقيق العميق عن نتيجة حاسمة تمثلت في سقوط الروايات القادحة بالمختار بأكملها أمام اختبار السند، إذ خلص السيد الخوئي إلى ضعف أسانيدها وخلوها من الاعتبار، مما يجعلها عاجزة عن إثبات تهمة أو إسقاط شخصية. وفي المقابل، وجد نفسه أمام منظومة متضافرة ومتماسكة من الروايات المادحة التي ترسم صورة مختلفة تماماً؛ روايات تنطق بالرضا والبهجة العميقة من قِبل أئمة أهل البيت (ع), حين تلقوا رؤوس قتلة الإمام الحسين (ع) مبعوثة من الكوفة على يد المختار.
ولعل الوثيقة الأبرز التي استند إليها وأضاءت منهجيته هي قول الإمام محمد الباقر (ع) الصريح والجامع: "لا تسبّوا المختار فإنّه قتل قتلتنا، وطلب بثأرنا"، ليكون هذا النص الناصع بمثابة الخاتمة العلمية التي أسست لتوثيق هذا الزعيم المثير للجدل في مدرسة النجف الأشرف، معيداً رسم مكانته بوصفه طالباً لثأر آل البيت لا طامعاً في سلطانهم.


· الشهادة بالتأييد عند العلامة المجلسي (قده):
لم تقتصر حركة المختار الثقفي على مجرد كونها صراعاً سياسياً عابراً، بل تعدتها لتصبح محكّاً عقائدياً وتاريخياً التصقت به الكثير من الروايات المتباينة، وهنا يتجلى الموقف الصارم والعميق للعلامة المجلسي (قدّس سرّه) في موسوعته الخالدة (بحار الأنوار)، حيث تبنى رؤية دفاعية محكمة ومطلقة عن المختار، معتبراً إياه من الرعيل الأول من المجاهدين الصادقين الذين نصروا آل البيت (ع).
ولم يكن هذا الدفاع وليد صدفة أو انفعال، بل استند المجلسي بحرص بالغ إلى ما دونه السيد ابن نما الحلي في سفره القيم (ذوب النضار)، متخذًا منه قاعدة صلبة لتبرئة ساحة المختار من تهم التزييف والانحراف.
لقد رأى المجلسي أن الإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع) قد حسم الجدل التاريخي برمته حين خص المختار بالدعاء بالخير والثناء العاطر على جهوده الجبارة، ليكون هذا الموقف العلوي السامي دليلاً قاطعاً وساطعاً على أن المختار كان يخطو بثبات على جادة الحق والصراط المستقيم.
ومن خلال هذا التحليل، أدرك المجلسي أن جبل الأكاذيب والتشويهات والمثالب الذي أحاط بالمختار, لم يكن سوى نتاج حتمي للعداء المستحكم والخصومة التاريخية المريرة التي شنها الأمويون والزبيريون ضده, طمساً لفضائله وتشويهًا لثورته المباركة, التي شفيت بها صدور المؤمنين.


· الرؤية التحليلية المعاصرة عند الشيخ آقا بزرگ الطهراني:
في خضم العواصف التاريخية التي أحاطت بشخصية المختار بن أبي عبيد الثقفي، برزت بصيرة العلامة المحقق الشيخ آقا بزرگ الطهراني واضحة جلية في موسوعاته الرجالية والتاريخية القيّمة، حيث عمل مبضع النقد والتحليل ليؤسس لقاعدة منهجية صارمة تقوم على ضرورة عزل الحركة السياسية الحقيقية للمختار, عن ذلك الكم الهائل من الروايات الموضوعة والدسائس المغرضة, والتي نسجها خصومه السياسيون من الأمويين والزبيريين للنيل من سيرته وإسقاط مشروعيته.
لقد أدرك الطهراني بعمق أن تقييم هذه الشخصية لا يتم إلا بتجريدها من روايات التشويه الأموية والزبيرية, والتي أرادت إطفاء نور ثورته، ليخلص إلى أن المختار قدّم خدمة جليلة وعظيمة للتشيع وأتباعه، تمثلت في إصراره المبدئي على التشنيع على قتلة الإمام الحسين (ع) وإراقة دمائهم النجسة قصاصاً وعدلاً، وهو إنجاز تاريخي فريد لم يقتصر أثره على الجانب العسكري فحسب، بل نجح في كسر حاجز الخوف وإعادة الاعتبار المعنوي والسياسي والنفسي لأنصار أهل البيت في العراق, بعد سنوات طويلة من القهر والاستئصال والتهميش الممنهج.


· تفكيك شبهة "الكيسانية"
لم تسلم شخصية المختار الثقفي من تعقيدات الصراع الفكري والعقائدي الذي رافق ولادة الحركات السياسية في صدر الإسلام، ولعل أبرز الإشكاليات التي أثيرت حوله هي شبهة ارتباطه بالفرقة "الكيسانية" التي قالت بإمامة محمد بن الحنفية بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام). غير أن التمحيص التاريخي الدقيق يكشف لنا أن هذا الارتباط المزعوم لم يكن سوى نسيج معقد تشابكت فيه عوامل سياسية ودعائية وتاريخية متعدّدة.
فعلى الصعيد السياسي، وجد المختار نفسه في بيئة كوفية ملتهبة تضج بالمطالبة بالثأر، فرفع شعار الدعوة لمحمد بن الحنفية بوصفه رمزاً بارزاً من رموز آل البيت الكبار في ذلك الوقت، مستغلاً هذا الاسم الجامع لكسب الشرعية وحشد الالتفاف الجماهيري الواسع، لا سيما أن الإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع) كان يعيش في تلك المرحلة الدقيقة ظروف تقية تامة, وتحفظ سياسي بالغ, فرضته وطأة الفاجعة الكربلائية والقبضة الأمنية الأموية والزبيرية الحارقة.
أما فيما يتعلق بتسمية "الكيسانية" بحد ذاتها، فقد اختلف المؤرخون وعلماء الملل والنحل في أصلها ومبعثها؛ فقيل إنها تعود نسبة إلى "كيسان" صاحب شرطة المختار أو مولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقيل في المقابل إن المختار نفسه كان يُقبّب ويُلقب بهذا اللقب إشادة بفرط دهائه وحنكته العسكرية والسياسية.
وعلى الرغم من هذه التسميات والدعايات المعاصرة لتلك الأحداث، يقطع المحققون والباحثون ببراءة المختار التامة من أي عقيدة باطلة، مستندين إلى حقيقة تاريخية ساطعة مفادها أن المختار توفي في حياة محمد بن الحنفية نفسه, ولم تثبت عنه قطّ تبنيه لأي انحراف عقائدي. بل إن فرقة "الكيسانية" كتيار غلاة عقائدي لم تنشأ وتتبلور إلا في مرحلة لاحقة لتاريخ وفاة كل من المختار ومحمد بن الحنفية، حيث عمد الخصوم السياسيون من الأمويين والعباسيين لاحقاً إلى إيقاظ اسم المختار وإلصاقه تعسفاً بهذه الفرقة المنحرفة, لأغراض التسقيط والتشويه فقط، ومحاوله منهم لإسقاط مشروعيته الدينية وطمس الإرث العظيم لثورته المباركة.


· الخاتمة: الميزان التاريخي وعدالة الإنصاف
ختاماً، يتجلى لنا أن المختار بن أبي عبيد الثقفي لم يكن شخصية عابرة في زحام التاريخ الإسلامي، بل كان رقماً صعباً ومعادلة معقدة تقاطعت عندها أهوائي السياسية وعواطف الأمة المكلومة. وإن الناظر في آراء كبار محققي وعلماء الإمامية يلمس بوضوح كيف تحولت الشخصية من هدف مستباح لروايات التشوية الأموية والزبيرية، إلى محط إجلال وتقدير لمن أنصفوا تاريخ الرجل وأدركوا عظم إنجازه في إراقة دماء قتلة الإمام الحسين (ع) وإدخال السرور على قلوب أهل البيت الأطهار.
لقد أثبت التمحيص العلمي الرصين (سندياً وتاريخياً وعقائديًا) أن ما علق بساحة المختار من تهم وافتراءات وشبهات كالكيسانية لم تكن سوى أدوات دعاية صاغها الخصوم لطمس معالم ثورته المباركة.
وبذلك، يخرج الباحث بخلاصة راسخة مفادها أن المختار يبقى ذلك الثائر الشجاع, الذي استطاع بحنكته وشجاعته أن يحول الدمعة إلى ثورة، ليحفر اسمه بحروف من حديد في ذاكرة المظلومين، مستحقاً بذلك قراءة منصفة تعيد الاعتبار لصفحته التي لطالما تقاذفتها أمواج الأساطير وروايات الخصوم.

اعضاء معجبون بهذا

آخر الرجال المتفائلين
بقلم الكاتب : المهندس زيد شحاثة
أخر الرجال.. المتفائلين من المنطقي إعتبار الحديث عن سياسي أو زعيم عراقي، نوعا من التسويق أو التمجيد الشخصي له وربما لحزبه السياسي، ومع الأخذ بنظر الإعتبار حملة التسقيط الممنهج لكل العملية السياسية، وما رافقها من تخوين وتسقيط كامل لكل الزعماء والساسة، في حملة شاركو بها ضد بعضهم، تحت شعار " كلهم... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان... المزيد
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق... المزيد
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا... المزيد
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على ألفِ ذراعٍ...
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا يستقر فوق كل...
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة روايات كثيرة...
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...


منذ 1 اسبوع
2026/10/06
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وتسعة عشر: السقوط الحر ومقياس التسارع: لماذا...
منذ 1 اسبوع
2026/10/06
التكييف الجنائي لبيع لحوم الخنازير والحوم الغير قابله للاستهلاك البشري كألحوم...
منذ 1 اسبوع
2026/10/06
يُعد خزن مياه الأمطار من الأساليب المهمة في استثمار الموارد المائية، لأنه يسمح...