أبو
علي. قدم بغداد وكان جيد المعرفة بفنون الأدب، حسن القيام بالقياس، موفقا في كلامه،
وكان إماما في النحو واللغة، وكان في طبقة أبي حنيفة الدينوري مشايخهما سواء، وكان
بينهما مناقضات.
قال حمزة بن حسن الأصبهاني في كتاب أصبهان: وقدم
على ابن رستم الديميري من سامرا إبراهيم بن غيث البغدادي وكان أصبهانيا فخرج في
صغره إلى العراق فبرع في علم النحو واللغة وهو جد عبد الله بن يعقوب الفقيه. وروى
عن أبي عبيدة وأبي زيد. وقدم الخصيب بن أسلم الباهلي صاحب الأصمعي وروى عن أبي
إسحاق إبراهيم بن غيث وأبي عمر الخرقي وهو أول من قدم أصبهان من أهل الأدب واللغة.
وعن الباهلي صاحب الأصمعي وعن الكرماني صاحب الأخفش أخذ أبو علي لغدة علم اللغة. وكان
أبو علي يحضر مجلس أبي إسحاق ويكتب عنه ثم خالفه وقعد عنه وجعل ينقض عليه ما يمليه.
قال حمزة: وقد تقدم من أهل اللغة في أصبهان وصار
فيها رئيسا يؤخذ عنه جماعة منهم أبو علي لغدة وكان رأسا في اللغة والعلم والشعر والنحو. حفظ في صغره كتب أبي زيد وأبي عبيدة والأصمعي ثم تتبع ما
فيها فامتحن بها الأعراب الوافدين أصبهان وكانوا يفدون على محمد بن يحيى بن أبان
فيضربون خيمهم بفناء داره في باح سلم بن عود ويقصدهم أبو علي كل يوم فيلقي عليهم
مسائل شكوكه من كتب اللغة وثبت تلك الأوصاف عن ألفاظهم في الكتاب الذي سماه كتاب
النوادر. ثم لم يكن له في اخر أيامه نظير بالعراق.
قال وكتاب النوادر هذا كتاب كبير يقوم بإزاء كل
ما خرج إلى الناس من كتب أبي زيد في النوادر. وله من الكتب الصغار: كتاب الصفات، كتاب خلق
الإنسان، كتاب خلق الفرس، وكتب أخر كثيرة من صغار الكتب وله ردود على علماء اللغة
وعلى رواة الشعر والشعراء قد جمعناها نحن في كتاب وأنفذناه إلى أبي إسحاق الزجاج
رحمه الله.
قال محمد بن إسحاق النديم: وله من التصانيف كتاب
الرد على الشعراء نقضه عليه أبو حنيفة الدينوري، كتاب النطق، كتاب الرد على أبي
عبيد في غريب الحديث، كتاب علل النحو، كتاب مختصر في النحو، كتاب الهشاشة والبشاشة،
كتاب التسمية، كتاب شرح معاني الباهلي، كتاب نقض علل النحو، كتاب الرد على ابن
قتيبة في غريب الحديث.
وأفرد حمزة الأصبهاني في كتاب أصبهان أشعارا
للغدة منها: [الكامل]
(ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل
أمر منكر)
(وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضا ليستر معور
عن معور)
(ما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدر وأبعدها
إذا لم تقدر)
(الجد
أنهض بالفتى من كده ... فانهض بجد في الحوادث أو ذر)
(وإذا تعسرت الأمور فأرجها ... وعليك بالأمر
الذي لم يعسر)
ومن شعره أيضا: [الخفيف]
(خير إخوانك المشارك في المر ... وأين الشريك في
المر أينا)
(الذي إن شهدت سرك في القوم ... وإن غبت كان
أذنا وعينا)
(مثل تبر العقيان إن مسه النار ... جلاه الجلاء
فازداد زينا)
(وأخو السوء إن يغب عنك يسبعك ... وإن يحضر يكن
ذاك شينا)
(جيبه غير ناصح ومناه ... أن يعيب الخليل إفكا ومينا)
(فاصرمنه ولا تلهف عليه ... إن صرما له كنقدك دينا)
ومن
شعره أيضا: [الوافر]
(بذلت لك الصفاء بكل جهدي ... وكنت كما هويت
فصرت وخزا)
(جرحت بمدية فحززت أنفي ... وحبل مودتي بيديك حزا)
(فلم تترك إلى صلح مجازا ... ولا فيه لمطلبه مهزا)
(ستمكث نادما في العيش مني ... وتعلم أن رأيك
كان عجزا)
(وتذكرني إذا جربت غيري ... وتعلم أنني لك كنت كنزا)