عين السلطان محمد، بعد وفاة الأتابك مودود ممثله في دار الخلافة آق سنقر البرسقي أميراً على الموصل وأعمالها، وأمره بقتال الصليبيين وسير معه ابنه مسعود، وكتب إلى أمراء الأطراف بمساعدته وطاعته فانضمت إليه عساكر الموصل وفيهم عماد الدين زنكي بن آق سُنقر الحاجب وتميرك صاحب سنجار وتخلف الأراتقة (1). وضع البرسقي خطة عسكرية تقضي بمهاجمة الرها لكنه كان بحاجة إلى تضافر القوى الإسلامية في المنطقة، ويبدو أن الأرائقة في ماردين قد دخلوا في مرحلة جديدة في علاقاتهم السياسية بعد مقتل مودود فتقرَّبوا من الصليبيين، ونازعوا الأمراء المسلمين، فاضطر البرسقي إلى إخضاعهم قبل أن يمضي إلى حصار الرها، ووافق إيلغازي تحت الضغط العسكري على إرسال ابنه أياز مع جماعة من الأجناد
التركمان للاشتراك في الحملة على الرها (2).
وغادر البرسقي ماردين إلى الرها على رأس جيش إسلامي مؤلف من خمسة عشر ألف فارس وحاصرها في ذي الحجة (508هـ / أيار (1115م). استمر الحصار مدة شهرين، إذ كان في المدينة حامية قوية وتوافرت فيها المؤن، في حين أن ما استولى عليه المسلمون من المؤن من ضواحيها لم يكد يكفي لسد حاجاتهم، فاضطر البرسقي إلى رفع الحصار عن المدينة واكتفى بتخريب القرى المجاورة، ما حمل بعض أمراء هذه المناطق على إعلان طاعتهم له وعلى رأسهم أرملة كوغ باسيل، الأرمني، صاحبة كبسوم ورعبان ومرعش، كما أعلن الأرمن عن رغبتهم في التحالف معه للتخلص من الضغط الصليبي (3).
توجه البرسقي بعد أن حقق انتصارات جزئية إلى منطقة شبختان في جنوبي دياربكر، فاعتقل أياز بن أيلغازي انتقاماً لعدم حضور والده، كما قام بنهب المناطق الزراعية المحيطة بماردين فالتمس إيلغازي المساعدة من ابن أخيه ركن الدولة داود بن سلمان فسار مع. عمه للقاء البرسقي، وجرى بين الطرفين قتال شديد انتهى بهزيمة البرسقي وتفرُّق قواته فانسحب إلى الموصل ونجا أياز من الاعتقال (4).
الاعتقال من نتيجة لفشل آق سنقر البرسقي في إخضاع إيلغازي عزله السلطان محمد عن ولاية الموصل في (عام 508هـ / 1114م) وأقطعها جيوش بك، وسير معه ولده الملك مسعود، وأقام البرسقي في إقطاعه بالرحبة إلى أن توفي السلطان محمد.
........................................................................
(1) ابن الأثير: المصدر نفسه: ص 601.
(2) ابن الأثير: جـ 8 ص 601.
(3) المصدر نفسه: ص 601، 603، 310 ,309 Grousset: IP 492. Elisséeff: II pp
(4) المصدر نفسه: ص 603.