0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

موضوعات عامة

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة

علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

موضوعات عامة

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الأئمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

شرح الأبيات (153 ــ 160)

المؤلف:  شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي

المصدر:  فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث للعراقي

الجزء والصفحة:  ج1، ص 221 ــ 243

2025-11-19

580

+

-

20

[التَّدْلِيسُ]

[تَدْلِيسُ الْإِسْنَادِ وَأَنْوَاعُهُ]

التَّدْلِيسُ.

153 - تَدْلِيسُ الْإِسْنَادِ كَمَنْ يُسْقِطُ مَنْ ... حَدَّثَهُ وَيَرْتَقِي بِـ " عَنْ " وَ " أَنْ " 154 - وَ " قَالَ " يُوهِمُ اتِّصَالًا وَاخْتُلِفْ ... فِي أَهْلِهِ فَالرَّدُّ مُطْلَقًا ثُقِفْ

155 - وَالْأَكْثَرُونَ قَبِلُوا مَا صَرَّحَا ... ثِقَاتُهُمْ بِوَصْلِهِ وَصُحِّحَا

156 - وَفِي الصَّحِيحِ عِدَّةٌ كَالْأَعْمَشِ ... وَكَهُشَيْمٍ بَعْدَهُ وَفَتِّشِ

157 - وَذَمَّهُ شُعْبَةُ ذُو الرُّسُوخِ ... وَدُونَهُ التَّدْلِيسُ لِلشُّيُوخِ

158 - أَنْ يَصِفَ الشَّيْخَ بِمَا لَا يُعْرَفُ ... بِهِ وَذَا بِمَقْصِدٍ يَخْتَلِفُ

159 - فَشَرُّهُ لِلضَّعْفِ وَاسْتِصْغَارَا ... وَكَالْخَطِيبِ يُوهِمُ اسْتِكْثَارَا

160 - وَالشَّافِعِيُّ أَثْبَتَهُ بِمَرَّهْ ... قُلْتُ وَشَرُّهَا أَخُو التَّسْوِيَهْ

لَمَّا تَمَّ مَا جَرَّ الْكَلَامُ إِلَيْهِ، رَجَعَ لِبَيَانِ التَّدْلِيسِ الْمُفْتَقِرِ حُكْمُ الْعَنْعَنَةِ لَهُ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الدَّلَسِ بِالتَّحْرِيكِ، وَهُوَ اخْتِلَاطُ الظَّلَامِ، كَأَنَّهُ لِتَغْطِيَتِهِ عَلَى الْوَاقِفِ عَلَيْهِ أَظْلَمَ أَمْرُهُ.

[تَدْلِيسُ الْإِسْنَادِ وَأَنْوَاعُهُ]: (تَدْلِيسُ الْإِسْنَادِ) وَهُوَ قِسْمَانِ: أَوَّلُهُمَا أَنْوَاعٌ (كَمَنْ يُسْقِطُ مَنْ حَدَّثَهُ) مِنَ الثِّقَاتِ لِصِغَرِهِ، أَوِ الضُّعَفَاءِ إِمَّا مُطْلَقًا، أَوْ عِنْدَ مَنْ عَدَاهُ، أَيْ: غَيْرِهِ. (وَيَرْتَقِي) لِشَيْخِ شَيْخِهِ فَمَنْ فَوْقَهُ مِمَّنْ عُرِفَ لَهُ مِنْهُ سَمَاعٌ، (بِعَنْ وَأَنْ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ الْمُسَكَّنَةِ لِلضَّرُورَةِ، (وَقَالَ) وَغَيْرِهَا مِنَ الصِّيَغِ الْمُحْتَمِلَةِ لِئَلَّا يَكُونَ كَذِبًا (يُوهِمُ) بِذَلِكَ (اتِّصَالًا)، فَخَرَجَ الْمُرْسَلُ الْخَفِيُّ، فَهُمَا وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي الِانْقِطَاعِ.

فَالْمُرْسَلُ يَخْتَصُّ بِمَنْ رَوَى عَمَّنْ عَاصَرَهُ وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ لَقِيَهُ، كَمَا حَقَّقَهُ شَيْخُنَا تَبَعًا لِغَيْرِهِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ، قَالَ: وَهُوَ الصَّوَابُ ؛ لِإِطْبَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ الْمُخَضْرَمِينَ كَأَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، وَقَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ - مِنْ قَبِيلِ الْإِرْسَالِ لَا مِنْ قَبِيلِ التَّدْلِيسِ، فَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ الْمُعَاصَرَةِ يُكْتَفَى بِهِ فِي التَّدْلِيسِ، لَكَانَ هَؤُلَاءِ مُدَلِّسِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ عَاصَرُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ - قَطْعًا.

وَلَكِنْ لَمْ يُعْرَفْ هَلْ لَقُوهُ أَمْ لَا، وَكَنَّى شَيْخُنَا بِاللِّقَاءِ عَنِ السَّمَاعِ لِتَصْرِيحِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي تَعْرِيفِهِ بِالسَّمَاعِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّاظِمُ فِي تَقْيِيدِهِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ: إِنَّهُ رِوَايَةُ الرَّاوِي عَمَّنْ لَقِيَهُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ مُوهِمًا أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ، أَوْ عَمَّنْ عَاصَرَهُ وَلَمْ يَلْقَهُ مُوهِمًا أَنَّهُ قَدْ لَقِيَهُ وَسَمِعَهُ -: قَدْ حَدَّهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ.

مِنْهُمُ الْبَزَّارُ بِمَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ هَذَا، فَقَالَ فِي جُزْءٍ لَهُ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يُتْرَكُ حَدِيثُهُ أَوْ يُقْبَلُ -: هُوَ أَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ.

[الْفَرْقُ بَيْنَ التَّدْلِيسِ وَالْإِرْسَالِ]

[الْفَرْقُ بَيْنَ التَّدْلِيسِ وَالْإِرْسَالِ] وَكَذَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي بَيَانِ الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ لَهُ.

قَالَ: " وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِرْسَالِ هُوَ أَنَّ الْإِرْسَالَ رِوَايَتُهُ عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَلَمَّا كَانَ فِي هَذَا أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ، كَانَتْ رِوَايَتُهُ عَنْهُ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ كَأَنَّهَا إِيهَامُ سَمَاعِهِ ذَلِكَ الشَّيْءَ؛ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ تَدْلِيسًا ". وَارْتَضَاهُ شَيْخُنَا لِتَضَمُّنِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ.

وَخَالَفَ شَيْخَهُ فِي ارْتِضَائِهِ هُنَا مِنْ شَرْحِهِ حَدَّ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَفِي قَوْلِهِ فِي التَّقْيِيدِ: إِنَّهُ هُوَ الْمَشْهُورُ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ: إِنَّ كَلَامَ الْخَطِيبِ فِي كِفَايَتِهِ يُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ. قُلْتُ: وَعِبَارَتُهُ فِيهَا: " هُوَ تَدْلِيسُ الْحَدِيثِ الَّذِي لَمْ يَسْمَعْهُ الرَّاوِي مِمَّنْ دَلَّسَهُ عَنْهُ بِرِوَايَتِهِ إِيَّاهُ عَلَى وَجْهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ، وَيَعْدِلُ عَنِ الْبَيَانِ لِذَلِكَ ".

قَالَ: " وَلَوْ بَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ الشَّيْخِ الَّذِي دَلَّسَهُ عَنْهُ وَكَشَفَ ذَلِكَ، لَصَارَ بِبَيَانِهِ مُرْسِلًا لِلْحَدِيثِ غَيْرَ مُدَلِّسٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ لِلْحَدِيثِ لَيْسَ بِإِيهَامٍ مِنَ الْمُرْسِلِ كَوْنَهُ سَامِعًا مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَمُلْاقِيًا لِمَنْ لَمْ يَلْقَهُ، إِلَّا أَنَّ التَّدْلِيسَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مُتَضَمِّنٌ الْإِرْسَالَ لَا مَحَالَةَ؛ لِإِمْسَاكِ الْمُدَلِّسِ عَنْ ذِكْرِ الْوَاسِطَةِ ".

" وَإِنَّمَا يُفَارِقُ حَالَ الْمُرْسِلِ بِإِيهَامِهِ السَّمَاعَ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْهُ فَقَطْ، وَهُوَ الْمُوهِنُ لِأَمْرِهِ، فَوَجَبَ كَوْنُ التَّدْلِيسِ مُتَضَمِّنًا لِلْإِرْسَالِ، وَالْإِرْسَالُ لَا يَتَضَمَّنُ التَّدْلِيسَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي إِيهَامَ السَّمَاعِ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَذُمَّ الْعُلَمَاءُ مَنْ أَرْسَلَ - يَعْنِي لِظُهُورِ السَّقْطِ - وَذَمُّوا مَنْ دَلَّسَ ".

وَأَصْرَحُ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: " التَّدْلِيسُ عِنْدَ جَمَاعَتِهِمُ اتِّفَاقًا هُوَ أَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ لَقِيَهُ وَسَمِعَ مِنْهُ وَحَدَّثَ عَنْهُ مِمَّا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ عَنْهُ مِمَّنْ تُرْضَى حَالُهُ أَوْ لَا تُرْضَى، عَلَى أَنَّ الْأَغْلَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ حَالُهُ مَرَضِيَّةً لَذَكَرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ لِأَنَّهُ اسْتَصْغَرَهُ ".

قَالَ: " وَأَمَّا حَدِيثُ الرَّجُلِ عَمَّنْ لَمْ يَلْقَهُ - كَمَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالثَّوْرِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ - فَاخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: إِنَّهُ تَدْلِيسٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ شَاءَا لَسَمَّيَا مَنْ حَدَّثَهُمَا، كَمَا فَعَلَا فِي الْكَثِيرِ مِمَّا بَلَغَهُمَا عَنْهُمَا، قَالُوا: وَسُكُوتُ الْمُحَدِّثُ عَنْ ذِكْرِ مَنْ حَدَّثَهُ مَعَ عِلَّةٍ بِهِ دُلْسَةٌ.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ: إِنَّمَا هُوَ إِرْسَالٌ، قَالُوا: فَكَمَا جَازَ أَنْ يُرْسِلَ سَعِيدٌ عَنِ النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلّم ـ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَهُوَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمَا، وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ذَلِكَ تَدْلِيسًا، كَذَلِكَ مَالِكٌ عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: وَلَئِنْ كَانَ هَذَا تَدْلِيسًا، فَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا سَلِمَ مِنْهُ إِلَّا شُعْبَةَ وَالْقَطَّانَ ؛ فَإِنَّهُمَا لَيْسَا يُوجَدُ لَهُمَا شَيْءٌ مِنْ هَذَا لَا سِيَّمَا شُعْبَةُ ". انْتَهَى.

وَكَلَامُهُ بِالنَّظَرِ لِمَا اعْتَمَدَهُ يُشِيرُ أَيْضًا إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ التَّدْلِيسِ وَالْإِرْسَالِ الْخَفِيِّ وَالْجَلِيِّ؛ لِإِدْرَاكِ مَالِكٍ لِسَعِيدٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَعَدَمِ إِدْرَاكِ الثَّوْرِيِّ لِلنَّخَعِيِّ أَصْلًا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَخْصِيصِهِ بِالثِّقَةِ، فَتَخْصِيصُهُ بِهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ تَمْهِيدِهِ اقْتِصَارٌ عَلَى الْجَائِزِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي مَكَانٍ آخَرَ مِنْهُ بِذَمِّهِ فِي غَيْرِ الثِّقَةِ.

فَقَالَ: " وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ، فَإِنْ دَلَّسَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ فَهُوَ تَدْلِيسٌ مَذْمُومٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَكَذَلِكَ إِنْ حَدَّثَ عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، فَقَدْ جَاوَزَ حَدَّ التَّدْلِيسَ الَّذِي رَخَّصَ فِيهِ مَنْ رَخَّصَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى مَا يُنْكِرُونَهُ وَيَذُمُّونَهُ وَلَا يَحْمَدُونَهُ ".

وَسَبَقَهُ لِذَلِكَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ كَمَا حَكَاهُ الْخَطِيبُ عَنْهُ، وَهُوَ مَعَ قَوْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: " إِنَّهُ إِذَا وَقَعَ فِيمَنْ لَمْ يَلْقَهُ أَقْبَحُ وَأَسْمَجُ " - يَقْتَضِي أَنَّ الْإِرْسَالَ أَشَدُّ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، فَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ أَخَفُّ، فَكَأَنَّهُ هُنَا عَنَى الْخَفِيَّ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيهَامِ اللُّقِيِّ وَالسَّمَاعِ مَعًا، وَهُنَاكَ عَنَى الْجَلِيَّ لِعَدَمِ الِالْتِبَاسِ فِيهِ.

لَا سِيَّمَا وَقَدْ ذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ الْإِرْسَالَ قَدْ يَبْعَثُ عَلَيْهِ أُمُورٌ لَا تُضِيرُهُ، كَأَنْ يَكُونَ سَمِعَ الْخَبَرَ مِنْ جَمَاعَةٍ عَنِ الْمُرْسَلِ عَنْهُ ؛ بِحَيْثُ صَحَّ عِنْدَهُ وَوَقَرَ فِي نَفْسِهِ، أَوْ نَسِيَ شَيْخَهُ فِيهِ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ عَنِ الْمُرْسَلِ عَنْهُ، أَوْ كَأَنْ أَخَذَهُ لَهُ مُذَاكَرَةً، فَيَنْتَقِلُ الْإِسْنَادُ لِذَلِكَ دُونَ الْإِرْسَالِ، أَوْ لِمَعْرِفَةِ الْمُتَخَاطِبِينَ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ وَاشْتِهَارِهِ بَيْنَهُمْ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا فِي الْجَلِيِّ.

إِذَا عُلِمَ هَذَا، فَقَدْ أَدْرَجَ الْخَطِيبُ ثُمَّ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا الْقِسْمِ تَدْلِيسَ التَّسْوِيَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَوَصَفَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِالتَّدْلِيسِ مَنْ رَوَى عَمَّنْ رَآهُ وَلَمْ يُجَالِسْهُ، بِالصِّيغَةِ الْمُوهِمَةِ، بَلْ وُصِفَ بِهِ مَنْ صَرَّحَ بِالْإِخْبَارِ فِي الْإِجَازَةِ كَأَبِي نُعَيْمٍ، أَوْ بِالتَّحْدِيثِ فِي الْوِجَادَةِ كَإِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ الْجَزَرِيِّ، وَكَذَا فِيمَا لَمْ يَسْمَعْهُ كَفِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ أَحَدِ مَنْ رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ مَقْرُونًا.

وَلِذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: قُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ: يُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِ فِطْرٍ ثَنَا، وَيَكُونُ مَوْصُولًا؟ فَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: أَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ سَجِيَّةً؟ قَالَ: نَعَمْ.

وَكَذَا قَالَ الْفَلَّاسُ: إِنَّ الْقَطَّانَ قَالَ لَهُ: وَمَا يُنْتَفَعُ بِقَوْلِ فِطْرٍ " ثَنَا " عَطَاءٌ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ عَمَّارٍ عَنِ الْقَطَّانِ: كَانَ فِطْرٌ صَاحِبَ ذِي سَمِعْتُ سَمِعْتُ، يَعْنِي أَنَّهُ يُدَلِّسُ فِيمَا عَدَاهَا، وَلَعَلَّهُ تَجَوَّزَ فِي صِيغَةِ الْجَمْعِ فَأَوْهَمَ دُخُولَهُ.

كَقَوْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: " خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ " وَ " خَطَبَنَا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ " وَأَرَادَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ بَلَدِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهَا حِينَ خُطْبَتِهِمَا، وَنَحْوُهُ فِي قَوْلِهِ: " حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ " وَقَوْلِ طَاوُسٍ: " قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاذٌ الْيَمَنَ ".

وَأَرَادَ أَهْلَ بَلَدِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ، كَمَا سَيَأْتِي الْإِشَارَةُ لِذَلِكَ فِي أَوَّلِ أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ، وَلَكِنَّ صَنِيعَ فِطْرٍ فِيهِ غَبَاوَةٌ شَدِيدَةٌ يَسْتَلْزِمُ تَدْلِيسًا صَعْبًا، كَمَا قَالَ شَيْخُنَا، وَسَبَقَهُ عُثْمَانُ بْنُ خُرَّذَاذَ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: إِنَّ أَبَا هِشَامٍ الرِّفَاعِيَّ يَسْرِقُ حَدِيثَ غَيْرِهِ وَيَرْوِيهِ، وَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: أَعَلَى وَجْهِ التَّدْلِيسِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْكَذِبِ؟ قَالَ: كَيْفَ يَكُونُ تَدْلِيسًا وَهُوَ يَقُولُ: ثَنَا؟! وَكَذَا مَنْ أَسْقَطَ أَدَاةَ الرِّوَايَةِ أَصْلَا مُقْتَصِرًا عَلَى اسْمِ شَيْخِهِ، وَيَفْعَلُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ كَثِيرًا، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ - وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي التَّمْثِيلِ لِتَدْلِيسِ الْإِسْنَادِ - مَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ: الزُّهْرِيُّ، فَقِيلَ لَهُ: حَدَّثَكَ الزُّهْرِيُّ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: الزُّهْرِيُّ، فَقِيلَ لَهُ: أَسَمِعْتَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ؟ فَقَالَ: لَا، لَمْ أَسْمَعْهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَلَا مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ.

وَنَحْوُهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ الطَّائِفِيِّ: حَدِّثْنَا بِحَدِيثِ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، دَخَلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ» فَقَالَ: عُقْبَةُ، فَقِيلَ: سَمِعْتَهُ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا، حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، فَقِيلَ: لِسَعْدٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ مِخْرَاقٍ، فَقِيلَ: لِزِيَادٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، يَعْنِي عَنْ عُقْبَةَ.

وَسَمَّاهُ شَيْخُنَا فِي تَصْنِيفِهِ فِي الْمُدَلِّسِينَ تَدْلِيسَ الْقَطْعِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ مُثِّلَ لَهُ فِي نُكَتِهِ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ بِمَا فِي الْكَامِلِ لِابْنِ عَدِيٍّ وَغَيْرِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدٍ الطُّنَافِسِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ثَنَا ثُمَّ يَسْكُتُ وَيَنْوِي الْقَطْعَ، ثُمَّ يَقُولُ: هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ نَوْعَانِ، وَنَحْوُهُ تَدْلِيسُ الْعَطْفِ، وَهُوَ أَنْ يُصَرِّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي شَيْخٍ لَهُ، وَيَعْطِفَ عَلَيْهِ شَيْخًا آخَرَ لَهُ، وَلَا يَكُونُ سَمِعَ ذَلِكَ الْمَرْوِيَّ مِنْهُ، سَوَاءٌ اشْتَرَكَا فِي الرِّوَايَةِ عَنْ شَيْخٍ وَاحِدٍ - كَمَا قَيَّدَهُ بِهِ شَيْخُنَا لِأَجْلِ الْمِثَالِ الَّذِي وَقَعَ لَهُ وَهُوَ أَخَفُّ - أَمْ لَا.

فَرَوَى الْحَاكِمُ فِي عُلُومِهِ قَالَ: اجْتَمَعَ أَصْحَابُ هُشَيْمٍ، فَقَالُوا: لَا نَكْتُبُ عَنْهُ الْيَوْمَ شَيْئًا مِمَّا يُدَلِّسُهُ، فَفَطِنَ لِذَلِكَ، فَلَمَّا جَلَسَ قَالَ: ثَنَا حُصَيْنٌ وَمُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَسَاقَ عِدَّةَ أَحَادِيثَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: هَلْ دَلَّسْتُ لَكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، فَقَالَ: بَلَى، كُلُّ مَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ حُصَيْنٍ فَهُوَ سَمَاعِي، وَلَمْ أَسْمَعْ عَنْ مُغِيرَةَ شَيْئًا.

وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ نَوَى الْقَطْعَ. ثُمَّ قَالَ: وَفُلَانٌ، أَيْ: وَحَدَّثَ فُلَانٌ، [وَقَرِيبٌ مِنْهُ - وَسَمَّاهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ خَفِيَّ التَّدْلِيسِ - قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ذَكَرَهُ - يَعْنِي: لِي عَنْ أَبِيهِ - وَلَكِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيَّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، كَأَنَّهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيهَامِ سَمَاعِ أَبِي عُبَيْدَةَ لَهُ مِنْ أَبِيهِ، لَا سِيَّمَا مَعَ إِدْرَاكِهِ لَهُ مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ سَمَاعِهِ مِنْهُ] .

وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ أَنْوَاعٌ لِهَذَا الْقِسْمِ، (وَاخْتُلِفْ فِي أَهْلِهِ) أَيْ: أَهْلِ هَذَا الْقِسْمِ الْمَعْرُوفِينَ بِهِ أَيُرَدُّ حَدِيثُهُمْ أَمْ لَا؟ (فَالرَّدُّ) لَهُمْ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ أَبَيَّنُوا السَّمَاعَ أَمْ لَا، دَلَّسُوا عَنِ الثِّقَاتِ أَمْ لَا (ثُقِفْ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَهَا قَافٌ ثُمَّ فَاءٌ، أَيْ: وُجِدَ.

كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ تَبَعًا لِلْخَطِيبِ وَغَيْرِهِ عَنْ فَرِيقٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ، حَتَّى بَعْضَ مَنِ احْتَجَّ بِالْمُرْسَلِ، مُحْتَجِّينَ لِذَلِكَ بِأَنَّ التَّدْلِيسَ نَفْسَهُ جَرْحٌ ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التُّهْمَةِ وَالْغِشِّ، حَيْثُ عَدَلَ عَنِ الْكَشْفِ إِلَى الِاحْتِمَالِ، وَكَذَا التَّشَبُّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ حَيْثُ يُوهِمُ السَّمَاعَ لِمَا لَمْ يَسْمَعْهُ، وَالْعُلُوُّ وَهُوَ عِنْدَهُ بِنُزُولٍ، الَّذِي قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إِنَّهُ أَكْثَرُ قَصْدِ الْمُتَأَخِّرِينَ بِهِ.

وَمِمَّنْ حَكَى هَذَا الْقَوْلَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي التَّلْخِيصِ فَقَالَ: التَّدْلِيسُ جَرْحٌ، فَمَنْ ثَبَتَ تَدْلِيسُهُ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ مُطْلَقًا.

قَالَ: وَهُوَ الظَّاهِرُ عَلَى أُصُولِ مَالِكٍ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ بِمَا إِذَا اسْتُكْشِفَ فَلَمْ يُخْبِرْ بِاسْمِ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ.

قَالَ: لِأَنَّ التَّدْلِيسَ تَزْوِيرٌ وَإِيهَامٌ لِمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي صِدْقِهِ، أَمَّا إِنْ أَخْبَرَ فَلَا.

وَالثَّانِي: الْقَبُولُ مُطْلَقًا صَرَّحُوا أَمْ لَا، حَكَاهُ الْخَطِيبُ فِي كِفَايَتِهِ عَنْ خَلْقٍ كَثِيرِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: وَزَعَمُوا أَنَّ نِهَايَةَ أَمْرِهِ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا.

وَالثَّالِثُ - وَعَزَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ -: التَّفْصِيلُ، فَمَنْ كَانَ لَا يُدَلِّسُ إِلَّا عَنِ الثِّقَاتِ، كَانَ تَدْلِيسُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَقْبُولًا وَإِلَّا فَلَا، قَالَهُ الْبَزَّارُ، وَبِهِ أَشْعَرَ قَوْلُ ابْنِ الصَّبَّاغِ فِي مُدَلَّسِ الضَّعِيفِ: " يَجِبُ أَلَّا يُقْبَلَ خَبَرُهُ "، وَبِالتَّفْصِيلِ صَرَّحَ أَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ.

وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمَا فِي حَقِّ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَبَالَغَ ابْنُ حِبَّانَ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: " إِنَّهُ لَا يُوجَدُ لَهُ تَدْلِيسٌ قَطُّ، إِلَّا وُجِدَ بِعَيْنِهِ قَدْ بَيَّنَ سَمَاعَهُ فِيهِ مِنْ ثِقَةٍ "؛ يَعْنِي كَمَا قِيلَ فِي سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَلَى مَا مَضَى فِي الْمُرْسَلِ.

وَفِي سُؤَالَاتِ الْحَاكِمِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَدْلِيسِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَقَالَ: يُجْتَنَبُ، وَأَمَّا ابْنُ عُيَيْنَةَ فَإِنَّهُ يُدَلِّسُ عَنِ الثِّقَاتِ.

وَلِذَا قِيلَ: أَمَّا الْإِمَامُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فَقَدَ اغْتَفَرُوا تَدْلِيسَهُ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ، وَمِمَّا وَقَعَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ رَوَى بِالْعَنْعَنَةِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، ثُمَّ بَيَّنَ حِينَ سُئِلَ أَنَّ بَيْنَهُمَا عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ، وَتَقَدَّمَ عَنْهُ التَّدْلِيسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِوَاسَطِتَيْنِ فَقَطْ، لَكِنْ مَعَ حَذْفِ الصِّيغَةِ أَصْلًا.

وَكَذَا قِيلَ فِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَنَسٍ إِلَّا الْيَسِيرَ، وَجُلُّ حَدِيثِهِ إِنَّمَا هُوَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْهُ، وَلَكِنَّهُ يُدَلِّسُهُ.

فَقَالَ الْعَلَائِيُّ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا يُحْتَجُّ مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدٍ إِلَّا بِمَا صَرَّحَ فِيهِ -: " قَدْ تَبَيَّنَ الْوَاسِطَةُ فِيهَا، وَهُوَ ثِقَةٌ مُحْتَجٌّ بِهِ ".

وَالرَّابِعُ: إِنْ كَانَ وُقُوعُ التَّدْلِيسِ مِنْهُ نَادِرًا، قُبِلَتْ عَنْعَنَتُهُ وَنَحْوُهَا، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ ظَاهِرُ جَوَابِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ؛ فَإِنَّ يَعْقُوبَ بْنَ شَيْبَةَ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُدَلِّسُ أَيَكُونُ حُجَّةً فِيمَا لَمْ يَقُلْ فِيهِ حَدَّثَنَا؟ فَقَالَ: إِذَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ التَّدْلِيسَ فَلَا.

(وَالْأَكْثَرُونَ) مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْأُصُولِ (قَبِلُوا) مِنْ حَدِيثِهِمْ (مَا صَرَّحَا ثِقَاتُهُمْ) خَاصَّةً (بِوَصْلِهِ) كَسَمِعْتُ، وَثَنَا، وَشِبْهِهِمَا [وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا التَّفْصِيلِ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ، بَلْ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ قَبُولُ عَنْعَنَتِهِمْ إِذَا كَانَ التَّدْلِيسُ نَادِرًا كَمَا حَكَيْتُهُ قَرِيبًا ؛ لِأَنَّ التَّدْلِيسَ لَيْسَ كَذِبًا، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْسِينٌ لِظَاهِرِ الْإِسْنَادِ، كَمَا قَالَ الْبَزَّارُ، وَضَرْبٌ مِنَ الْإِيهَامِ بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ، فَإِذَا صَرَّحَ قَبِلُوهُ وَاحْتَجُّوا بِهِ، وَرَدُّوا مَا أَتَى مِنْهُ بِاللَّفْظِ الْمُحْتَمِلِ، وَجَعَلُوا حُكْمَهُ حُكْمَ الْمُرْسَلِ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ خَامِسُ الْأَقْوَالِ فِيهِمْ.

(وَصُحِّحَا) بِبِنَائِهِ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ هَذَا الْقَوْلُ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْخَطِيبُ وَابْنُ الصَّلَاحِ، فَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ فَتْحُ أَوَّلِهِ أَيْ: صَحَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ هَذَا الْقَوْلَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِحِكَايَتِهِ عَنِ الْأَكْثَرِينَ.

وَمِمَّنْ حَكَاهُ الْعَلَائِيُّ، بَلْ نَفَى ابْنُ الْقَطَّانِ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَعِبَارَتُهُ: " إِذَا صَرَّحَ الْمُدَلِّسُ الثِّقَةُ بِالسَّمَاعِ قُبِلَ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ عَنْعَنَ فَفِيهِ الْخِلَافُ ".

وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: " الْمُدَلِّسُ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ حَتَّى يَقُولَ: ثَنَا أَوْ سَمِعْتُ، فَهَذَا مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ".

وَكَأَنَّهُ سَلَفَ النَّوَوِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي حِكَايَتِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْمُدَلِّسَ لَا يُحْتَجُّ بِخَبَرِهِ إِذَا عَنْعَنَ، وَلَكِنَّهُ مُتَعَقَّبٌ بِمَا تَقَدَّمَ، إِلَّا إِنْ قُيِّدَ بِمَنْ لَا يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ، وَكَذَا يُتَعَقَّبُ نَفْيُ ابْنِ الْقَطَّانِ الْخِلَافَ فِيمَا إِذَا صَرَّحَ بِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ وَافَقَ عَلَى حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي الْمُعَنْعَنِ.

وَ(فِي) كُتُبِ (الصَّحِيحِ) لِكُلٍّ مِنَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا (عِدَّةٌ) مِنَ الرُّوَاةِ الْمُدَلِّسِينَ مُخَرَّجٌ لِحَدِيثِهِمْ مِمَّا صَرَّحُوا فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ (كَالْأَعْمَشِ) مَعَ قَوْلِ مُهَنَّأٍ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ: لِمَ كَرِهْتَ مَرَاسِيلَهُ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُبَالِي عَمَّنْ حَدَّثَ (وَكَهُشَيْمٍ) - مُصَغَّرًا ابْنِ بَشِيرٍ - بِالتَّكْبِيرِ - الْوَاسِطِيِّ الْمُتَأَخِّرِ (بَعْدَهُ) وَأَحَدِ الْآخِذِينَ عَنْهُ.

فَقَدْ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: إِنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ كَثِيرًا، فَمَا قَالَ فِيهِ: أَنَا فَهُوَ حُجَّةٌ، وَإِلَّا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَسُئِلَ مَا يَحْمِلُكَ عَلَى التَّدْلِيسِ؟ قَالَ: إِنَّهُ أَشْهَى شَيْءٍ.

وَغَيْرِهِمَا كَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، فَإِنَّهُ - كَمَا قَالَ ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا -: ثِقَةٌ، كَثِيرُ الْحَدِيثِ، إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا دَلَّسَ عَلَى أَنَسٍ، وَكَقَتَادَةَ.

(وَفَتِّشِ) الصِّحَاحَ، فَإِنَّكَ تَجِدُ بِهَا التَّخْرِيجَ لِجَمَاعَةٍ كَثِيرِينَ مِمَّا صَرَّحُوا فِيهِ، بَلْ رُبَّمَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ مُعَنْعَنِهِمْ، وَلَكِنْ هُوَ - كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ - مَحْمُولٌ عَلَى ثُبُوتِ السَّمَاعِ عِنْدَهُمْ فِيهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، إِذَا كَانَ فِي أَحَادِيثِ الْأُصُولِ لَا الْمُتَابَعَاتِ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِمُصَنِّفِيهَا، يَعْنِي وَلَوْ لَمْ نَقِفْ نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ لَا فِي الْمُسْتَخْرَجَاتِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةٌ لِكَثِيرٍ مِنْهُ وَلَا فِي غَيْرِهَا.

وَأَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إِلَى التَّوَقُّفِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَالَ - بَعْدَ تَقْرِيرِ أَنَّ مُعَنْعَنَ الْمُدَلِّسِ كَالْمُنْقَطِعِ مَا نَصُّهُ: وَهَذَا جَارٍ عَلَى الْقِيَاسِ، إِلَّا أَنَّ الْجَرْيَ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفَاتِ الْمُحَدِّثِينَ وَتَخْرِيجَاتِهِمْ صَعْبٌ عَسِيرٌ، يُوجِبُ اطِّرَاحَ كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي صَحَّحُوهَا ؛ إِذْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْنَا إِثْبَاتُ سَمَاعِ الْمُدَلِّسِ فِيهَا مِنْ شَيْخِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّ الْأَوَّلِينَ اطَّلَعُوا عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ نَطَّلِعْ نَحْنُ عَلَيْهِ. وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ. انْتَهَى.

وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ قَوْلُ الْقُطْبِ الْحَلَبِيِّ فِي الْقَدَحِ الْمُعَلَّى: " أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُعَنْعَنَاتِ الَّتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ السَّمَاعِ "، يَعْنِي إِمَّا لِمَجِيئِهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِالتَّصْرِيحِ، أَوْ لِكَوْنِ الْمُعَنْعِنِ لَا يُدَلِّسُ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ أَوْ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ، أَوْ لِوُقُوعِهَا مِنْ جِهَةِ بَعْضِ النُّقَّادِ الْمُحَقِّقِينَ سَمَاعَ الْمُعَنْعِنِ لَهَا.

وَلِذَا اسْتُثْنِيَ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ الْأَعْمَشُ، وَأَبُو إِسْحَاقَ، وَقَتَادَةُ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ شُعْبَةَ خَاصَّةً عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ قَالَ: كَفَيْتُكُمْ تَدْلِيسَهُمْ، فَإِذَا جَاءَ حَدِيثُهُمْ مِنْ طَرِيقَةٍ بِالْعَنْعَنَةِ، حُمِلَ عَلَى السَّمَاعِ جَزْمًا.

وَأَبُو إِسْحَاقَ فَقَطْ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ الْقَطَّانِ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْهُ. وَأَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ اللَّيْثِ خَاصَّةً عَنْهُ، وَالثَّوْرِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ الْقَطَّانِ عَنْهُ، بَلْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُعْرَفُ لَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَلَا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، وَلَا عَنْ مَنْصُورٍ وَلَا عَنْ كَثِيرٍ مِنْ مَشَايِخِهِ تَدْلِيسٌ، مَا أَقَلَّ تَدْلِيسَهُ!

وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخُنَا مِنْ إِطْلَاقِ تَخْرِيجِ أَصْحَابِ الصَّحِيحِ لِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ، حَيْثُ جَعَلَ مِنْهُمْ قِسْمًا احْتَمَلَ الْأَئِمَّةُ تَدْلِيسَهُ، وَخَرَّجُوا لَهُ فِي الصَّحِيحِ لِإِمَامَتِهِ، وَقِلَّةِ تَدْلِيسِهِ فِي جَنْبِ مَا رَوَى كَالثَّوْرِيِّ، يَتَنَزَّلُ عَلَى هَذَا، لَا سِيَّمَا وَقَدْ جُعِلَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَنْ كَانَ لَا يُدَلِّسُ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ كَابْنِ عُيَيْنَةَ.

وَكَلَامُ الْحَاكِمِ يُسَاعِدُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: " وَمِنْهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مُخَرَّجٌ حَدِيثُهُمْ فِي الصَّحِيحِ، إِلَّا أَنَّ الْمُتَبَحِّرَ فِي هَذَا الْعِلْمِ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا سَمِعُوهُ وَبَيْنَ مَا دَلَّسُوهُ ".

[قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي مَنَاقِبِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ لِلْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ جَابِرٍ بِالْعَنْعَنَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِرِوَايَةِ الْأَعْمَشِ لَهُ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ جَابِرٍ؛ لِتَتَقَوَّى بِهَا الرِّوَايَةُ الْأُولَى].

وَكَذَا يُسْتَثْنَى مِنَ الْخِلَافِ مَنْ أَكْثَرَ التَّدْلِيسَ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَجَاهِيلِ؛ كَبَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ؛ لِاتِّفَاقِهِمْ - كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا - عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِشَيْءٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ إِلَّا بِمَا صَرَّحُوا بِالسَّمَاعِ فِيهِ، أَوْ مَنْ ضَعُفَ بِأَمْرٍ آخَرَ سِوَى التَّدْلِيسِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ حَدِيثُهُمْ مَرْدُودٌ جَزْمًا، وَلَوْ صَرَّحُوا بِالسَّمَاعِ إِلَّا إِنْ تُوبِعُوا، وَلَوْ كَانَ الضَّعْفُ يَسِيرًا كَابْنِ لَهِيعَةَ.

[حُكْمُ التَّدْلِيسِ]

[حُكْمُ التَّدْلِيسِ] : وَأَمَّا حُكْمُهُ: فَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ لَا يَرَوْنَ بِالتَّدْلِيسِ بَأْسًا، يَعْنِي وَهُمُ الْفَاعِلُونَ لَهُ أَوْ مُعْظَمُهُمْ، (وَذَمَّهُ) - أَيْ: أَصْلَ التَّدْلِيسِ لَا خُصُوصَ هَذَا الْقِسْمِ - (شُعْبَةُ) بْنُ الْحَجَّاجِ (ذُو الرُّسُوخِ) فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ ؛ بِحَيْثُ لُقِّبَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ، فَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: التَّدْلِيسُ أَخُو الْكَذِبِ، وَقَالَ غُنْدَرٌ عَنْهُ: إِنَّهُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا ؛ وَلَأَنْ أَسْقُطَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ.

وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ عَنْهُ: لَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ: زَعَمَ فُلَانٌ، وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ الْحَدِيثَ مِنْهُ.

وَلَمْ يَنْفَرِدْ شُعْبَةُ بِذَمِّهِ، بَلْ شَارَكَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ، وَزَادَ: أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ التَّدْلِيسَ.

وَمِمَّنْ أَطْلَقَ عَلَى فَاعِلِهِ الْكَذِبَ أَبُو أُسَامَةَ، وَكَذَا قَرَنَهُ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَقَرَنَهُ آخَرُ بِقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَنْقَرِيُّ: التَّدْلِيسُ وَالْغِشُّ وَالْغُرُورُ وَالْخِدَاعُ وَالْكَذِبُ تُحْشَرُ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ فِي نَفَاذٍ وَاحِدٍ بِالْمُعْجَمَةِ، أَيْ: طَرِيقٍ.

وَقَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ: إِنَّهُ ذُلٌّ، يَعْنِي لِسُؤَالِهِ أَسَمِعَ أَمْ لَا؟

وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: "إِنِّي لَأُزَيِّنُ الْحَدِيثَ بِالْكَلِمَةِ، فَأَعْرِفُ مَذَلَّةَ ذَلِكَ فِي وَجْهِي فَأَدَعُهُ".

وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: " هُوَ مُتَشَبِّعٌ بِمَا لَمْ يُعْطَ "، وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلُ: أَقَلُّ حَالَاتِهِ عِنْدِي أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي حَدِيثِ: " الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ ".

وَقَالَ وَكِيعٌ: الثَّوْبُ لَا يَحِلُّ تَدْلِيسُهُ فَكَيْفَ الْحَدِيثُ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَدْنَى مَا فِيهِ التَّزَيُّنُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ: وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَنَحْنُ نَكْرَهُهُ، زَادَ غَيْرُهُ وَتَشْتَدُّ الْكَرَاهَةُ إِذَا كَانَ الْمَتْرُوكُ ضَعِيفًا فَهُوَ حَرَامٌ، وَلَكِنِ اخْتَصَّ شُعْبَةُ مِنْهُ مَعَ تَقَدُّمِهِ بِالْمَزِيدِ كَمَا تَرَى، عَلَى أَنَّ شُعْبَةَ قَدْ عِيبَ بِقَوْلِهِ: لَأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ يَزِيدَ بْنَ أَبَانٍ الرَّقَاشِيِّ. فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ رَاوِي ذَلِكَ عَنْهُ: مَا كَانَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ الزِّنَا!

قَالَ الذَّهَبِيُّ: وَهُوَ - أَيِ: التَّدْلِيسُ - دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ السَّامِعِينَ أَنَّ حَدِيثَهُ مُتَّصِلٌ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، هَذَا إِنْ دَلَّسَ عَنْ ثِقَةٍ، فَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، بَلْ هُوَ - كَمَا قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ - حَرَامٌ إِجْمَاعًا.

وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَنِ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: التَّدْلِيسُ اسْمٌ ثَقِيلٌ شَنِيعُ الظَّاهِرِ، لَكِنَّهُ خَفِيفُ الْبَاطِنِ، سَهْلُ الْمَعْنَى، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمُحَرَّمِ مِنْهُ.

(وَدُونَهُ) أَيْ: دُونَ الْأَوَّلِ مِنْ قِسْمَيْ تَدْلِيسِ الْإِسْنَادِ، وَفُصِلَ عَنْهُ لِعَدَمِ الْحَذْفِ فِيهِ (التَّدْلِيسُ لِلشِّيُوخِ) ثَانِي قِسْمَيْهِ، لِتَصْرِيحِ ابْنِ الصَّلَاحِ بِأَنَّ أَمْرَهُ أَخَفُّ، وَهُوَ (أَنْ يَصِفَ) الْمُدَلِّسُ (الشَّيْخَ) الَّذِي سَمِعَ ذَاكَ مِنْهُ (بِمَا لَا يُعْرَفُ) أَيْ: يُشْتَهَرُ (بِهِ) مِنَ اسْمٍ أَوْ كُنْيَةٍ، أَوْ نِسْبَةٍ إِلَى قَبِيلَةٍ، أَوْ بَلْدَةٍ أَوْ صَنْعَةٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، كَيْ يُوعِرَ مَعْرِفَةَ الطَّرِيقِ عَلَى السَّامِعِ.

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ " أَنْ " وَمَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الْبَيَانِ لِقَوْلِهِ: "التَّدْلِيسُ".

وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ الْمُقْرِئِ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، يُرِيدُ بِهِ الْحَافِظَ أَبَا بَكْرِ ابْنَ صَاحِبِ السُّنَنِ الْحَافِظِ أَبِي دَاوُدَ.

وَقَوْلُهُ أَيْضًا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنَدٍ، يُرِيدُ بِهِ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّقَّاشَ، نِسْبَةً لِجَدٍّ لَهُ.

(وَذَا) الْفِعْلُ (بِـ) اخْتِلَافِ (مَقْصِدٍ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، حَامِلٌ لِفَاعِلِهِ عَلَيْهِ (يَخْتَلِفْ) فِي الْكَرَاهَةِ، (فَشَرُّهُ) مَا كَانَتْ تَغْطِيَتُهُ (لِلضَّعْفِ) فِي الرَّاوِي كَمَا فُعِلَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ الضَّعِيفِ ؛ حَيْثُ قِيلَ: فِيهِ حَمَّادٌ ؛ لِتَضَمُّنِهِ الْخِيَانَةَ وَالْغِشَّ وَالْغُرُورَ، وَذَلِكَ حَرَامٌ هُنَا وَفِي الَّذِي قَبْلَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ إِجْمَاعًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ثِقَةً عِنْدَ فَاعِلِهِ، فَهُوَ أَسْهَلُ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ انْفَرَدَ هُوَ بِتَوْثِيقِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِتَضْعِيفِ النَّاسِ لَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ أَسْهَلُ مِنَ الْأَوَّلِ أَيْضًا كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي الْمُرْسَلِ.

(وَ) يَكُونُ (اسْتِصْغَارًا) لِسِنِّ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ، إِمَّا بِأَنْ يَكُونَ أَصْغَرَ مِنْهُ أَوْ أَكْبَرَ، لَكِنْ بِيَسِيرٍ أَوْ بِكَثِيرٍ، لَكِنْ تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ حَتَّى شَارَكَهُ فِي الْأَخْذِ عَنْهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ.

وَقَدْ رَوَى الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا، الْحَافِظِ الشَّهِيرِ صَاحِبِ التَّصَانِيفِ، فَلِكَوْنِ الْحَارِثِ أَكْبَرَ مِنْهُ قَالَ فِيهِ مَرَّةً: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ، وَمَرَّةً: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ، وَمَرَّةً: أَبُو بَكْرِ بْنُ سُفْيَانَ، وَمَرَّةً: أَبُو بَكْرٍ الْأُمَوِيُّ، قَالَ الْخَطِيبُ: (وَذَلِكَ خِلَافُ مُوجِبِ الْعَدَالَةِ وَمُقْتَضَى الدِّيَانَةِ مِنَ التَّوَاضُعِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَتَرْكِ الْحَمِيَّةِ فِي الْأَخْبَارِ بِأَخْذِ الْعِلْمِ عَمَّنْ أَخَذَهُ) .

قُلْتُ: وَقَدْ يَكُونُ لِلْخَوْفِ مِنْ عَدَمِ أَخْذِهِ عَنْهُ، وَانْتِشَارِهِ مَعَ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ، أَوْ لِكَوْنِ الْمُدَلَّسِ عَنْهُ حَيًّا، وَعَدَمِ التَّصْرِيحِ بِهِ أَبْعَدَ عَنِ الْمَحْذُورِ الَّذِي نَهَى الشَّافِعِيُّ عَنْهُ لِأَجْلِهِ.

وَمِنْهُ قَوْلُ شَيْخِنَا: أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّحْرَاوِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِالصَّالِحِيَّةِ، وَعَنَى بِذَلِكَ الْوَلِيَّ أَبَا زُرْعَةَ ابْنَ شَيْخِهِ الزَّيْنِ أَبِي الْفَضْلِ الْعِرَاقِيِّ، وَلَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ إِلَّا أَفْرَادٌ، مَعَ تَحْدِيثِهِ بِذَلِكَ حَتَّى لِجَمَاعَةٍ مِنْ خَوَاصِّ الْوَلِيِّ وَمُلَازِمِيهِ، وَمَا عَلِمُوهُ.

(وَ) يَكُونُ (كَـ) فِعْلِ (الْخَطِيبِ) الْحَافِظِ الْمُكْثِرِ مِنَ الشُّيُوخِ وَالْمَسْمُوعِ فِي تَنْوِيعِ الشَّيْخِ الْوَاحِدِ؛ حَيْثُ قَالَ مَرَّةً: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ، وَمَرَّةً: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَمَرَّةً: أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ، وَالْجَمِيعُ وَاحِدٌ.

وَقَالَ مَرَّةً: عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيِّ، وَمَرَّةً: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ الْفَارِسِيِّ، وَمَرَّةً: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الصَّيْرَفِيِّ، وَالْجَمِيعُ وَاحِدٌ.

وَقَالَ مَرَّةً: أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ، وَمَرَّةً: أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، وَمَرَّةً: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ، وَمَرَّةً: أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، وَيَصِفُهُ مَرَّةً بِالْقَاضِي، وَمَرَّةً: بِالْمُعَدَّلِ إِلَى غَيْرِهَا.

وَمُرَادُهُ بِهَذَا كُلِّهِ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْمُحْسِنِ بْنِ عَلِيٍّ التُّنُوخِيُّ الْبَصْرِيُّ الْأَصْلِ الْقَاضِي، وَهُوَ مُكْثِرٌ فِي تَصَانِيفِهِ مِنْ ذَلِكَ جِدًّا، وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا يَقَعُ لِلْبُخَارِيِّ فِي شَيْخِهِ الذُّهَلِيِّ ؛ فَإِنَّهُ تَارَةً يَقُولُ: ثَنَا مُحَمَّدٌ وَلَا يَنْسِبُهُ، وَتَارَةً: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَيَنْسِبُهُ إِلَى جَدِّهِ، وَتَارَةً: مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، فَيَنْسِبُهُ إِلَى وَالِدِ جَدِّهِ، وَلَمْ يَقُلْ فِي مَوْضِعٍ: مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، فِي نَظَائِرَ لِذَلِكَ كَثِيرَةٍ سَتَأْتِي جُمْلَةٌ مِنْهَا فِيمَنْ ذُكِرَ بِنُعُوتٍ مُتَعَدِّدَةٍ.

(يُوهِمُ) الْفَاعِلُ بِذَلِكَ (اسْتِكْثَارًا) مِنَ الشُّيُوخِ؛ حَيْثُ يُظَنُّ الْوَاحِدُ بِبَادِيَ الرَّأْيِ جَمَاعَةً، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْخَطِيبُ بِقَوْلِهِ: (أَوْ تَكُونُ أَحَادِيثُهُ الَّتِي عِنْدَهُ عَنْهُ كَثِيرَةً، فَلَا يُحِبُّ تَكْرَارَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ، فَيُغَيِّرُ حَالَهُ لِذَلِكَ).

قُلْتُ: وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ النَّاظِرِ قَدْ يَتَوَهَّمُ الْإِكْثَارَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِفَاعِلِهِ، بَلِ الظَّنُّ بِالْأَئِمَّةِ - خُصُوصًا مَنِ اشْتُهِرَ إِكْثَارُهُ مَعَ وَرَعِهِ - خِلَافُهُ؛ لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنَ التَّشَبُّعِ وَالتَّزَيُّنِ الَّذِي يُرَاعِي تَجَنُّبَهُ أَرْبَابُ الصَّلَاحِ وَالْقُلُوبِ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ يَاقُوتَةُ الْعُلَمَاءِ الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ.

وَكَانَ مِنْ أَكَابِرَ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ قَصْدِهِمُ الِاخْتِبَارَ لِلْيَقَظَةِ، وَالْإِلْفَاتِ إِلَى حُسْنِ النَّظَرِ فِي الرُّوَاةِ وَأَحْوَالِهِمْ وَأَنْسَابِهِمْ إِلَى قَبَائِلِهِمْ وَبُلْدَانِهِمْ وَحِرَفِهِمْ وَأَلْقَابِهِمْ وَكُنَاهُمْ، وَكَذَا الْحَالُ فِي آبَائِهِمْ، فَتَدْلِيسُ الشُّيُوخِ دَائِرٌ بَيْنَ مَا وَصَفْنَا.

وَقَدْ ذَكَرَ الذَّهَبِيُّ فِي فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ أَنَّهُ لَمَّا اجْتَمَعَ بِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ سَأَلَهُ التَّقِيُّ: مَنْ أَبُو مُحَمَّدٍ الْهِلَالِيُّ؟ فَقَالَ: سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، فَأَعْجَبَهُ اسْتِحْضَارُهُ.

وَأَلْطَفُ مِنْهُ قَوْلُهُ لَهُ: مَنْ أَبُو الْعَبَّاسِ الذَّهَبِيُّ؟ فَقَالَ: أَبُو طَاهِرٍ الْمُخَلِّصُ.

وَكَذَا مَرَّ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ - وَأَنَا بَيْنَ يَدَيْ شَيْخِنَا - قَوْلُهُ: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الدِّمَشْقِيُّ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَبَادَرْتُهُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْنِي بِذَلِكَ، وَقُلْتُ: هُوَ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ جَوْصَاءَ، فَأَعْجَبَهُ الْجَوَابُ دُونَ الْمُبَادَرَةِ لِتَفْوِيتِهَا غَرَضًا لَهُ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إِنَّ فِي تَدْلِيسِ الشَّيْخِ الثِّقَةِ مَصْلَحَةً، وَهِيَ امْتِحَانُ الْأَذْهَانِ، وَاسْتِخْرَاجُ ذَلِكَ وَإِلْقَاؤُهُ إِلَى مَنْ يُرَادُ اخْتِبَارُ حِفْظِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالرِّجَالِ.

عَلَى أَنَّهُ قَدْ قِيلَ فِي فِعْلِ الْبُخَارِيِّ فِي الذُّهَلِيِّ: إِنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَهُمَا مَا عُرِفَ فِي مَحَلِّهِ ؛ بِحَيْثُ مَنَعَ الذُّهَلِيُّ أَصْحَابَهُ مِنَ الْحُضُورِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمَانِعٍ لِلْبُخَارِيِّ مِنَ التَّخْرِيجِ عَنْهُ ؛ لِوُفُورِ دِيَانَتِهِ وَأَمَانَتِهِ وَكَوْنِهِ عُذْرَهُ فِي نَفْسِهِ بِالتَّأْوِيلِ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ مِنَ التَّصْرِيحِ بِهِ، أَنْ يَكُونَ كَأَنَّهُ بِتَعْدِيلِهِ لَهُ صَدَّقَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَأَخْفَى اسْمَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.

وَالْأَكْثَرُ فِي هَذَا الْقِسْمِ وُقُوعُهُ مِنَ الرَّاوِي، وَقَدْ يَقَعُ مِنَ الطَّالِبِ بِقَصْدِ التَّغْطِيَةِ عَلَى شَيْخِهِ ؛ لِيَتَوَفَّرَ عَلَيْهِ مَا جَرَتْ عَادَتُهُ بِأَخْذِهِ فِي حَدِيثِ ذَاكَ الْمُدَلِّسِ ؛ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ مَعْرِفَةِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ، وَهُوَ أَخَفُّهَا وَأَظْرَفُهَا، وَيَجْمَعُ الْكُلَّ مَفْسَدَةُ تَضْيِيعِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ ؛ وَذَلِكَ حَيْثُ جُهِلَ إِلَّا أَنَّهُ نَادِرٌ فَالْحُذَّاقُ لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَنْهُمْ غَالِبًا، فَإِنْ جُهِلَ كَانَ مِنْ لَازِمِهِ تَضْيِيعُ الْمَرْوِيِّ أَيْضًا، بَلْ قَدْ يَتَّفِقُ أَنْ يُوَافِقَ مَا دَلَّسَ بِهِ شُهْرَةَ رَاوٍ ضَعِيفٍ مِنْ أَهْلِ طَبَقَتِهِ، وَيَكُونَ الْمُدَلِّسُ ثِقَةً، وَكَذَا بِالْعَكْسِ، وَهُوَ فِيهِ أَشَدُّ.

وَبِهَذَا وَكَذَا بِأَوَّلِ الْمَقَاصِدِ بِهَذَا الْقِسْمِ قَدْ يُنَازَعُ فِي كَوْنِهِ دُونَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّ هَذَا قَلَّ أَنْ يَخْفَى عَلَى النُّقَّادِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَيُعْرَفُ كُلٌّ مِنَ التَّدْلِيسِ وَاللِّقَاءِ بِإِخْبَارِهِ أَوْ بِجَزْمِ بَعْضِ النُّقَّادِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي خَفِيِّ الْإِرْسَالِ (وَالشَّافِعِيْ) بِالْإِسْكَانِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (أَثْبَتَهُ) أَيْ: أَصْلَ التَّدْلِيسِ لَا خُصُوصَ هَذَا الْقِسْمِ لِلرَّاوِي.

(بِمَرَّةٍ)، وَعِبَارَتُهُ: " وَمَنْ عَرَفْنَاهُ دَلَّسَ مَرَّةً، فَقَدْ أَبَانَ لَنَا عَوْرَتَهُ فِي رِوَايَتِهِ، وَلَيْسَتْ تِلْكَ الْعَوْرَةُ بِكَذِبٍ فَيُرَدُّ بِهَا حَدِيثُهُ " إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ.

وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا: فَقَالَ: " مَنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ مَرَّةً، لَا يُقْبِلُ مِنْهُ مَا يُقْبِلُ مِنْ أَهْلِ النَّصِيحَةِ فِي الصِّدْقِ، حَتَّى يَقُولَ: حَدَّثَنِي أَوْ سَمِعْتُ، كَذَلِكَ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ ". انْتَهَى.

وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ بِثُبُوتِ تَدْلِيسِهِ مَرَّةً، صَارَ ذَلِكَ هُوَ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ فِي مُعَنْعَنَاتِهِ، كَمَا أَنَّهُ بِثُبُوتِ اللِّقَاءِ مَرَّةً صَارَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ السَّمَاعَ.

وَكَذَا مَنْ عُرِفَ بِالْكَذِبِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ صَارَ الْكَذِبُ هُوَ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ، وَسَقَطَ الْعَمَلُ بِجَمِيعِ حَدِيثِهِ مَعَ جَوَازِ كَوْنِهِ صَادِقًا فِي بَعْضِهِ.

(قُلْتُ: وَشَرُّهَا) أَيْ: أَنْوَاعِ التَّدْلِيسِ، حَتَّى مَا ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّهُ شَرُّهُ (أَخُو) أَيْ: صَاحِبُ (التَّسْوِيَةِ) الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْخَطِيبُ بِقَوْلِهِ: "وَرُبَّمَا لَمْ يُسْقِطِ الْمُدَلِّسُ اسْمَ شَيْخِهِ الَّذِي حَدَّثَهُ، لَكِنَّهُ يُسْقِطُ مِمَّنْ بَعْدَهُ فِي الْإِسْنَادِ رَجُلًا يَكُونُ ضَعِيفًا فِي الرِّوَايَةِ أَوْ صَغِيرَ السِّنِّ، وَيَحْسُنُ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ " وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فِي ذَلِكَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ تَقْرِيبِهِ، وَجَمَاعَةٌ لَيْسَ فِيهِمُ ابْنُ الصَّلَاحِ، مِنْهُمُ الْعَلَائِيُّ وَتِلْمِيذُهُ النَّاظِمُ، لَكِنْ جَعَلَهُ قِسْمًا ثَالِثًا لِلتَّدْلِيسِ.

وَحَقَّقَ تِلْمِيذُهُ شَيْخُنَا أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْأَوَّلِ، وَصَنِيعُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَ (تَقْرِيبِهِ) يَقْتَضِيهِ. وَبِالتَّسْوِيَةِ سَمَّاهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَطَّانِ فَمَنْ بَعْدَهُ، فَقَالَ: سَوَّاهُ فُلَانٌ.

وَأَمَّا الْقُدَمَاءُ فَسَمَّوْهُ تَجْوِيدًا؛ حَيْثُ قَالُوا: جَوَّدَهُ فُلَانٌ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَرْوِيَ الْمُدَلِّسُ حَدِيثًا عَنْ شَيْخٍ ثِقَةٍ بِسَنَدٍ فِيهِ رَاوٍ ضَعِيفٌ، فَيَحْذِفَهُ الْمُدَلِّسُ مِنْ بَيْنِ الثِّقَتَيْنِ اللَّذَيْنِ لَقِيَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلُهُمَا بِالتَّدْلِيسِ، وَيَأْتِي بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ فَيَسْتَوِي الْإِسْنَادُ كُلُّهُ ثِقَاتٍ.

وَيُصَرِّحُ الْمُدَلِّسُ بِالِاتِّصَالِ عَنْ شَيْخِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ، فَلَا يَظْهَرُ فِي الْإِسْنَادِ مَا يَقْتَضِي رَدَّهُ إِلَّا لِأَهْلِ النَّقْدِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْعِلَلِ، وَيَصِيرُ الْإِسْنَادُ عَالِيًا، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ نَازِلٌ، وَهُوَ مَذْمُومٌ جِدًّا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مَزِيدِ الْغِشِّ وَالتَّغْطِيَةِ، وَرُبَّمَا يَلْحَقُ الثِّقَةَ الَّذِي هُوَ دُونَ الضَّعِيفِ الضَّرَرُ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ تَبَيُّنِ السَّاقِطِ بِإِلْصَاقِ ذَلِكَ بِهِ مَعَ بَرَاءَتِهِ.

قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: صَحَّ عَنْ قَوْمٍ إِسْقَاطُ الْمَجْرُوحِ وَضَمُّ الْقَوِيِّ إِلَى الْقَوِيِّ؛ تَلْبِيسًا عَلَى مَنْ يُحَدَّثُ، وَغُرُورًا لِمَنْ يَأْخُذُ عَنْهُ، فَهَذَا مَجْرُوحٌ وَفِسْقُهُ ظَاهِرٌ، وَخَبَرُهُ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ سَاقِطُ الْعَدَالَةِ. انْتَهَى.

وَمِمَّنْ كَانَ يَفْعَلُهُ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَبِالتَّقْيِيدِ بِاللِّقَاءِ خَرَجَ الْإِرْسَالُ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ أَنَّ مَالِكًا سَمِعَ مِنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ أَحَادِيثَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ حَدَّثَ بِهَا بِحَذْفِ عِكْرِمَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الرِّوَايَةَ عَنْهُ، وَلَا يَرَى الِاحْتِجَاجَ بِحَدِيثِهِ. انْتَهَى.

فِي أَمْثِلَةٍ لِذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ بِخُصُوصِهِ، فَلَوْ كَانَتِ التَّسْوِيَةُ بِالْإِرْسَالِ تَدْلِيسًا، لَعُدَّ مَالِكٌ فِي الْمُدَلِّسِينَ، وَقَدْ أَنْكَرُوا عَلَى مَنْ عَدَّهُ فِيهِمْ، فَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَلَقَدْ ظُنَّ بِمَالِكٍ عَلَى بُعْدِهِ عَنْهُ عَمَلُهُ.

وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إِنَّ مَالِكًا مِمَّنْ عَمِلَ بِهِ وَلَيْسَ عَيْبًا، عِنْدَهُمْ.

قُلْتُ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مَالِكًا ثَبَتَ عِنْدَهُ الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ الْخَطِيبُ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ هَذَا الصَّنِيعُ وَإِنِ احْتَجَّ بِالْمُرْسَلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْحَدِيثَ عَمَّنْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ وَكَذَا بِالتَّقْيِيدِ بِالضَّعِيفِ - كَانَ أَخَصَّ مِنَ الْمُنْقَطِعِ، عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ أَدْرَجَ فِي تَدْلِيسِ التَّسْوِيَةِ مَا كَانَ الْمَحْذُوفُ ثِقَةً.

وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ مَا رَوَاهُ هُشَيْمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِيهِ، هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ فِي تَحْرِيمِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ قَالُوا: وَيَحْيَى لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَإِنْ سَمِعَ مِنْهُ غَيْرَهُ إِنَّمَا أَخَذَهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْهُ، وَلَكِنْ هُشَيْمٌ قَدْ سَوَّى الْإِسْنَادَ، كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِ الْخَطِيبِ الَّذِي أَسْلَفْتُهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْقِسْمِ: " أَوْ صَغِيرُ السِّنِّ ".

وَيَلْتَحِقُ بِتَدْلِيسِ التَّسْوِيَةِ فِي مَزِيدِ الذَّمِّ مَا حَكَيْنَاهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ عَنْ فِطْرٍ.

تَتِمَّةٌ: الْمُدَلِّسُونَ مُطْلَقًا عَلَى خَمْسِ مَرَاتِبَ، بَيَّنَهَا شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي تَصْنِيفِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِمُ، الْمُسْتَمَدِّ فِيهِ مِنْ جَامِعِ التَّحْصِيلِ لِلْعَلَائِيِّ وَغَيْرِهِ: مَنْ لَمْ يُوصَفْ بِهِ إِلَّا نَادِرًا، كَالْقَطَّانِ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، مَنْ كَانَ تَدْلِيسُهُ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ لِمَا رَوَى مَعَ إِمَامَتِهِ، وَجَلَالَتِهِ، وَتَحَرِّيهِ كَالسُّفْيَانَيْنِ، مَنْ أَكْثَرَ مِنْهُ غَيْرَ مُتَقَيِّدٍ بِالثِّقَاتِ، مَنْ كَانَ أَكْثَرُ تَدْلِيسِهِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَجَاهِيلِ، مَنِ انْضَمَّ إِلَيْهِ ضَعْفٌ بِأَمْرٍ آخَرَ.

[تَدْلِيسُ الْمَتْنِ وَالْبِلَادِ]

[تَدْلِيسُ الْمَتْنِ وَالْبِلَادِ] ثُمَّ إِنَّ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ تَدْلِيسُ الْإِسْنَادِ، وَأَمَّا تَدْلِيسُ الْمَتْنِ فَلَمْ يَذْكُرُوهُ، وَهُوَ الْمُدْرَجُ، وَتَعَمُّدُهُ حَرَامٌ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ، بَلْ فَسَّرَهُ الرُّويَانِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ بِتَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، يَعْنِي بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ حَرَامٌ أَيْضًا.

وَلَهُمْ أَيْضًا تَدْلِيسُ الْبِلَادِ، كَأَنْ يَقُولَ الْمِصْرِيُّ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ بِالْعِرَاقِ، يُرِيدُ مَوْضِعًا بِأَخْمِيمَ، أَوْ بِزُبَيْدٍ، يُرِيدَ مَوْضِعًا بِقُوصَ، أَوْ بِزُقَاقِ حَلَبَ، يُرِيدُ مَوْضِعًا بِالْقَاهِرَةِ، أَوْ بِالْأَنْدَلُسِ، يُرِيدُ مَوْضِعًا بِالْقَرَافَةِ، أَوْ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، مُوهِمًا دِجْلَةَ، وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ غَيْرِهِ، لَكِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ كَرَاهَةٍ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ؛ لِإِيهَامِهِ الْكَذِبَ بِالرِّحْلَةِ، وَالتَّشَبُّعِ بِمَا لَمْ يُعْطَ.

 

 

 

 

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد