405 - وَالْحَاكِمُ اخْتَارَ الَّذِي قَدْ عَهِدَا ... عَلَيْهِ أَكْثَرَ الشُّيُوخِ فِي الأدا
406 - " حَدَّثَنِي " فِي اللَّفْظِ حَيْثُ انْفَرَدَا ... وَاجْمَعْ ضَمِيرَهُ إِذَا تَعَدَّدَا
407 - وَالْعَرْضُ إِنْ تَسْمَعْ فَقُلْ " أَخْبَرَنَا " ... أَوْ قَارِئًا " أَخْبَرَنِي " وَاسْتُحْسِنَا
408 - وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ رُوِيَا ... وَلَيْسَ بِالْوَاجِبِ لَكِنْ رُضِيَا
409 - وَالشَّكُّ فِي الْأَخْذِ أَكَانَ وَحْدَهْ ... أَوْ مَعْ سِوَاهُ فَاعْتِبَارُ الْوَحْدَهْ
410 - مُحْتَمَلٌ لَكِنْ رَأَى الْقَطَّانُ ... الْجَمْعَ فِيمَا أَوْهَمَ الْإِنْسَانُ
411 - فِي شَيْخِهِ مَا قَالَ وَالْوَحْدَةَ قَدْ ... اخْتَارَ فِي ذَا الْبَيْهَقِيُّ وَاعْتَمَدْ
الثَّالِثُ: فِي افْتِرَاقِ الْحَالِ فِي الصِّيغَةِ بَيْنَ الْمُنْفَرِدِ أَوْ مَنْ يَكُونُ فِي جَمَاعَةٍ (وَالْحَاكِمُ اخْتَارَ) الْأَمْرَ (الَّذِي قَدْ عَهِدَا عَلَيْهِ أَكْثَرَ الشُّيُوخِ) لَهُ، بَلْ وَأَئِمَّةِ عَصْرِهِ، (فِي) صِيَغِ (الأداء)، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: (حَدَّثَنِي) فُلَانٌ بِالْإِفْرَادِ (فِي) الَّذِي يَتَحَمَّلُهُ مِنْ شَيْخِهِ بِصَرِيحِ (اللَّفْظِ حَيْثُ انْفَرَدَا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَقْتَ السَّمَاعِ غَيْرُهُ (وَاجْمَعْ) أَيُّهَا الطَّالِبُ (ضَمِيرَهُ) أَيِ: التَّحْدِيثِ، فَقُلْ: ثَنَا (إِذَا تَعَدَّدَا) بِأَنْ كَانَ مَعَكَ وَقْتَ السَّمَاعِ غَيْرُكَ.
(وَ) كَذَا اخْتَارَ فِي الَّذِي تَتَحَمَّلُهُ عَنْ شَيْخِكَ فِي الْعَرْضِ أَنَّكَ (إِنْ تَسْمَعْ) بِقِرَاءَةِ غَيْرِكَ (فَقُلْ: أَخْبَرَنَا) بِالْجَمْعِ، أَوْ إِنْ تَكُنْ (قَارِئًا) فَقُلْ: (أَخْبَرَنِي) بِالْإِفْرَادِ (وَاسْتُحْسِنَا) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مِنْ فَاعِلِهِ، فَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهُوَ حَسَنٌ رَائِقٌ.
(وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ)، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ (رُوِيَا) كَمَا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فِي الْعِلَلِ، وَالْخَطِيبِ فِي الْكِفَايَةِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: مَا قُلْتُ: ثَنَا، فَهُوَ مَا سَمِعْتُ مَعَ النَّاسِ، وَمَا قُلْتُ: حَدَّثَنِي، فَهُوَ مَا سَمِعْتُ وَحْدِي، وَمَا قُلْتُ: أَنَا، فَهُوَ مَا قُرِئَ عَلَى الْعَالِمِ وَأَنَا شَاهِدٌ، وَمَا قُلْتُ: أَخْبَرَنِي، فَهُوَ مَا قَرَأْتُ عَلَى الْعَالِمِ. فَاتَّفَقَ ابْنُ وَهْبٍ وَمَنْ نَقَلَ عَنْهُمُ الْحَاكِمُ فِي كَوْنِ الْقَارِئِ - كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ حَسْبَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ فِي النُّكَتِ - يَقُولُ: أَخْبَرَنِي، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِأَنْ يَكُونَ فِي الْمُنْفَرِدِ، وَمُحْتَمِلٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
لَكِنْ قَدْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الِاقْتِرَاحِ: إِنَّ الْقَارِئَ إِذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ يَقُولُ: أَنَا، بِالْجَمْعِ، فَسَوَّى بَيْنَ مَسْأَلَتَيِ التَّحْدِيثِ وَالْإِخْبَارِ، يَعْنِي: فَإِنَّهُ إِذَا سَمِعَ جَمَاعَةٌ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ يَقُولُ كُلٌّ مِنْهُمْ: ثَنَا.
وَفِي التَّسْوِيَةِ نَظَرٌ، وَإِنْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إِنَّهُ قِيَاسٌ ظَاهِرٌ، عَلَى أَنَّ السِّلَفِيَّ قَدْ كَانَ يَأْتِي بِالْجَمْعِ فِيمَا يقرأهُ وَلَمْ يَسْمَعْهُ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَيَكْتُبُ أَوَّلَ الْجُزْءِ: أَنَا فُلَانٌ بِقِرَاءَتِي، ثُمَّ يَكْتُبُ الطَّبَقَةَ بِآخِرِهِ، وَلَا يُثْبِتُ مَعَهُ غَيْرَهُ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ أَحْمَدَ: إِذَا كُنْتَ وَحْدَكَ فَقُلْ: حَدَّثَنِي، أَوْ فِي مَلَأٍ فَقُلْ: ثَنَا، أَوْ قَرَأْتَ فَقُلْ: قَرَأْتُ عَلَيْهِ، أَوْ سَمِعْتَ فَقُلْ: قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ. وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الْحَاجِّ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّحَرِّي.
وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَقُولُ تَارَةً: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، وَتَارَةً: ثَنَا، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ هَذَا يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: أَكُونُ وَحْدِي فَأَقُولُ: حَدَّثَنِي، وَأَكُونُ مَعَ غَيْرِي فَأَقُولُ: ثَنَا. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ.
وَقَالَ شُعْبَةُ: أَخْبَرَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، أَوْ أَخْبَرَ الْقَوْمَ وَأَنَا فِيهِمْ، قَالَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ فَوَجَدْتُ سَوْطًا، وَذَكَرَ حَدِيثًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي اللُّقَطَةِ مِنْ صَحِيحِهِ. (وَلَيْسَ) مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّفْصِيلِ (بِالْوَاجِبِ) عِنْدَهُمْ، وَ (لَكِنْ رُضِيَا) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أَيِ: اسْتُحِبَّ عِنْدَ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَطِيبُ؛ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ أَحْوَالِ التَّحَمُّلِ.
وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، وَسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُحَدِّثُ الرَّجُلَ وَحْدَهُ: أَيَقُولُ: ثَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، جَائِزٌ هَذَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، " فَعَلْنَا " وَإِنَّمَا هُوَ وَحْدَهُ.
وَكَذَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: اصْطَلَحُوا لِلْمُنْفَرِدِ: حَدَّثَنِي بِالْإِفْرَادِ، وَإِنْ جَازَ فِيهِ لُغَةً: " ثَنَا " بِالْجَمْعِ.
وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: إِذَا كَانَ أَصْلُ الْحَدِيثِ عَلَى السَّمَاعِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي وَثَنَا وَسَمِعْتُ وَأَخْبَرَنِي وَأَنَا، فِي آخَرِينَ مُصَرِّحِينَ بِأَنَّهُ جَائِزٌ لِمَنْ سَمِعَ وَحْدَهُ أَنْ يَقُولَ: نَا وَثَنَا، وَلِمَنْ سَمِعَ مَعَ غَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ: أَخْبَرَنِي وَحَدَّثَنِي وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُحَدِّثَ حَدَّثَهُ وَحَدَّثَ غَيْرَهُ.
عَلَى أَنَّ نِسْبَةَ الْخَطِيبِ مَا تَقَدَّمَ لِكَافَّةِ الْعُلَمَاءِ وَهُمُ الْجَمِيعُ، يُنَازِعُ فِيهَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَارِسٍ مِنْ أَنَّ جَمَاعَةً ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ الْمُحَدِّثُ جَازَ أَنْ يُقَالَ: ثَنَا، وَإِنْ قُرِئَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: ثَنَا وَلَا أَنَا، وَإِنْ حَدَّثَ جَمَاعَةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: حَدَّثَنِي، أَوْ حَدَّثَ بِلَفْظٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَعَدَّاهُ، وَقَالَ: إِنَّهُ تَشْدِيدٌ لَا وَجْهَ لَهُ، وَكَأَنَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يَعْتَبِرْهُ الْخَطِيبُ خِلَافًا.
ثُمَّ إِنَّ الِاسْتِحْبَابَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُوَ فِيمَا إِذَا تَحَقَّقَ حِينَ التَّحَمُّلِ صُورَةُ الْحَالِ (وَ) أَمَّا إِنْ وَقَعَ (الشَّكُّ فِي الْأَخْذِ) وَالتَّحَمُّلِ ؛ أَيْ: مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ (أَكَانَ وَحْدَهْ) ، فَيَأْتِي بِحَدَّثَنِي بِالْإِفْرَادِ (أَوْ) كَانَ (مَعْ) بِالْإِسْكَانِ (سِوَاهُ) ، فَيَأْتِي بِالْجَمْعِ (فَاعْتِبَارُ الوحدةِ مُحْتَمَلٌ) أَيِ: الْقَوْلُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ غَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي تَحَمُّلِهِ أَهُوَ مِنْ قَبِيلِ " أَنَا " ؛ لِكَوْنِهِ بِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ، أَوْ أَخْبَرَنِي ؛ لِكَوْنِهِ بِقِرَاءَتِهِ ؛ حَيْثُ مَشَيْنَا عَلَى اخْتِيَارِ الْحَاكِمِ وَمَنْ مَعَهُ فِي إِفْرَادِ الضَّمِيرِ: إِذَا قَرَأَ يَأْتِي بِالْجَمْعِ ؛ لِأَنَّ سَمَاعَ نَفْسِهِ مُتَحَقِّقٌ، وَقِرَاءَتَهُ شَاكٌّ فِيهَا، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ، وَإِنْ سَوَّى ابْنُ الصَّلَاحِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْإِتْيَانِ بِالْإِفْرَادِ.
عَلَى أَنَّ الْخَطِيبَ حَكَى فِي الْكِفَايَةِ عَنِ الْبَرْقَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ: قَرَأْنَا، وَهُوَ - كَمَا قَالَ الشَّارِحُ - حَسَنٌ؛ فَإِنَّ إِفْرَادَ الضَّمِيرِ يَقْتَضِي قِرَاءَتَهُ بِنَفْسِهِ، وَجَمْعَهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى قِرَاءَةِ بَعْضِ مَنْ حَضَرَ السَّمَاعَ؛ فَإِنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّ الَّذِي قَرَأَ غَيْرُهُ لَا بَأْسَ بِهِ أَنْ يَقُولَ: قَرَأْنَا، قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حِينَ سُئِلَ عَنْهُ.
وَقَالَ النُّفَيْلِيُّ: قَرَأْنَا عَلَى مَالِكٍ، مَعَ كَوْنِهِ إِنَّمَا قُرِئَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَسْمَعُ (لَكِنْ رَأَى) يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (الْقَطَّانُ) فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ (الْجَمْعَ) بِحَدَّثَنَا فِي مَسْأَلَةٍ تُشْبِهُ الْأُولَى، وَهِيَ (فِيمَا) إِذَا (أَوْهَمَ) أَيْ: وَهِمَ بِمَعْنَى شَكَّ (الْإِنْسَانُ فِي) لَفْظِ (شَيْخِهِ مَا) الَّذِي (قَالَ): حَدَّثَنِي أَوْ حَدَّثَنَا.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَمُقْتَضَاهُ الْجَمْعُ هُنَاكَ أَيْضًا، وَهُوَ عِنْدِي هُنَا يَتَوَجَّهُ بِأَنَّ حَدَّثَنِي أَكْمَلُ مَرْتَبَةً، فَيُقْتَصَرُ فِي حَالَةِ الشَّكِّ عَلَى النَّاقِصِ احْتِيَاطًا ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الزَّائِدِ هُوَ الْأَصْلُ، قَالَ: وَهَذَا لَطِيفٌ (وَالْوَحْدَةَ) مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ ؛ أَيْ: صِيغَةُ حَدَّثَنِي (قَدِ اخْتَارَ فِي ذَا) الْفَرْعِ (الْبَيْهَقِيُّ) بَعْدَ حِكَايَتِهِ قَوْلَ الْقَطَّانِ (وَاعْتَمَدْ) مَا اخْتَارَهُ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ لَا يُشَكُّ فِي وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا الشَّكُّ فِي الزَّائِدِ، فَيُطْرَحُ الشَّكُّ وَيُبْنَى عَلَى الْيَقِينِ. انْتَهَى، وَهُوَ الظَّاهِرُ.