إنّ ما قام به هؤلاء من أعمال كادّعاء المهدويّة والإلوهيّة، وإثارة الفتن والاضطرابات والنكبات، وإراقة الدماء، والفساد، والمنكرات، لا زالت معالمه قائمة.
وكان الشيخ أحمد زاهداً؛ وزهده هذا هو الذي غرّ البعض وأوقعهم في لبس، فهؤلاء لم يفرّقوا بين الزهد والعرفان. لذلك بالغوا في مدحه وتمجيده للوهلة الأولى؛ ثمّ اعتذروا متراجعين عن كلامهم السابق.
يقول صاحب كتاب «روضات الجنّات» في ترجمته: تَرْجُمَانُ الْحُكَمَاءِ الْمُتَألِّهِينَ ولِسَانُ الْعُرَفَاءِ والْمُتَكَلِّمِينَ. وبعد تمجيد وثناء كثيرينفي ترجمة الحافظ رَجَب البُرْسِيّ، يعرّج على نقد الاحسائيّ والطعن فيه وتعييره وذمّه إلى أن بلغ من ذلك مبلغاً فقال: ولَا يَذْهَبْ عَلَيْكَ غِبَّ مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ أنّ مَنْزِلَةَ ذَلِكَ الشَّيْخِ الْمُقَدَّمِ مِنْ هَذِهِ الْمُقَلَّدَةِ الْغَاوِيَةِ إنَّمَا هِيَ مَنْزِلَةُ الْعُلُوجِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ ادَّعَوُا النَّصْرَانِيَّةَ وأفْسَدُوهَا بِإظْهَارِهِمُ الْبِدَعَ الثَّلَاثَ مِنْ بَعْدِ أنْ عُرِجَ بَنَبِيِّهِمُ الْمَسيحِ عيسى ابْنِ مَرْيَمَ عليهِ السَّلَامُ.[1]
ويرى أنّ طائفة الشيخيّة البُشّت سَريِّة طائفة ضالّة، وأنّ مخالفيهم المعروفين بالبالاسريّة من أهل الاستقامة؛[2] وبعد ذلك يذكر شرحاً مفصّلًا حول فتنة البابيّة.[3]
أنّ هاتين الطائفتين منفصلتان عن الإسلام: الوَهَّابيَّة والْبَهَائِيَّة. وكما أننا لا نستطيع أن نعتبر البهائيّة من فِرَق الشيعة، كذلك لا نستطيع أن نعتبر الوَهَّابيَّة من فِرَق العامّة، لانّ هؤلاء مخالفون للعامّة؛ والعامّة أيضاً تنظر إليهم على أنهم ليسوا منها. وهدم قبور الأئمّة الطاهرين من أجلى الصور التي تدلّ على مخالفتهم للإسلام. وهناك كثير من الأشخاص لا ينسجمون مع العرفان والحكمة ويندّدون بهما بذريعة المحافظة على مدرسة أهل البيت عليهم السلام وإسنادها. ويرى هؤلاء أنّ مدرسة أهل البيت بريئة من هذه الأشياء، ولا علاقة لها بها. وهؤلاء هم ذوو الافق الضيّق الذين انتهجوا الخطّ الأخباريّ واكتفوا بظواهر الأخبار دون دراية ودقّة تامّة في محتواها ومغزاها، وأرادوا الانتهال والارتواء من علوم آل محمّد وهَيْهَاتَ وأنى لَهُمْ ذَلِكَ؟
وهل جاءت علوم آل محمّد لغير ذوي الألباب حتى لا نحتاج إلى المسائل العقليّة والمعقولة لفهمها وإدراكها؟ لا، ليس كذلك. بل هم منهل العقل والدراية، ولهم كلمات يتعذّر علينا أن نستضيء بها ما لم نتعرّف على العلوم العقليّة والمقدّمات البرهانيّة؛ وشرح الحديث والرواية على ظاهرهما هو غير فهم حقيقتهما واستيعابها. ولقد ظنّ هؤلاء المساكينأنهم استوعبوا الحديث من خلال شرح عباراته، فهم يقولون: هل درس أصحاب الأئمّة الفلسفة؟ أنّ متكلّمين من أمثال هِشَامِ بْنِ الْحَكَمْ ومحمّد بْنِ النُّعْمَان الأحوَل: مُؤمِن الطَّاق كانوا على إلمام تامّ بالعلوم العقليّة؛ وكان لهم باع طويل في مفردات ذلك العصر.
[1] «روضات الجنّات» الطبعة الحجريّة، ص 25.
[2] يسمّي الشيخيّة: «بُشْت سَرِيَّة»، لأنّ رئيسهم يقيم صلاة الجماعة مع أتباعه خلف الضريح المقدّس لسيّد الشهداء عليه السلام؛ وكان الشيخيّة من الأخباريّة. وكانوا مخالفين للأصوليّين. ويُسمّي اصوليّو كربلاء: «بالاسريّة» لانّ إمامهم يقيم صلاة الجماعة مع أتباعه من قبل رأس الإمام الحسين عليه السلام داخل الحرم الشريف
[3] «روضات الجنّات» ص 280 و286.