تعتبر الحروب الإيطالية إحدى نتائج ظهور الدول القومية في أوروبا على أنقاض الإقطاع. فقد ترتب على ظهور الدول القومية أن أخذت تتطلع الى التوسع، إما داخل أوروبا، وإما خارجها. وقد أفرز التوسع الأول الحروب الإيطالية، وأفرز التوسع الثاني الكشوف الجغرافية.
وبالنسبة للحروب الإيطالية، فلم تكن حروبا بين إيطاليا والدول الأوروبية المجاورة، وإنما كانت إيطاليا نفسها هي ميدان الحروب بين الدول الأوروبية. فقد كانت الجزيرة الإيطالية في ذلك الحين منقسمة إلى دويلات وإمارات منقسمة على نفسها، أهمها: ميلان والبندقية ومانتوا Manna، وفيرارا Ferrara، وفلورنسا - Florence. وكان هناك نزاع بين جمهورية البندقية والولايات البابوية حول احتلال البابا إقليم رومانيا Romagna . وكانت البندقية في الوقت نفسه تريد امتلاك دوقية ميلان، في حين أرادت البابوية امتلاك فلورنسا.
وقد أوجدت هذه النزاعات فراغا في شبه الجزيرة الإيطالية أغرى الدول الأوروبية المجاورة على ملئه، وكانت هناك دولتان تحركهما الأطماع إلى السيطرة على إيطاليا، هما فرنسا وإسبانيا، إذ كانت لكل منهما ادعاءات في وراثة عرش نابولي، في حين كانت أسبانيا وفرنسا تطمعان في امتلاك ميلان.
وقد ترك هذا النزاع بين فرنسا وإسبانيا آثاره على الدول المجاورة، ذلك أن سيطرة إحدى الدولتين على إيطاليا كان يعطيها من القوة ما يهدد جيرانها، وكان على هذه الدول في هذه الحالة أن تتحالف لموازنة قوة هذه الدولة، وبذلك ظهرت تلك القاعدة الدبلومسية الجديدة التي صارت تعرف باسم «مبدأ توازن القوى» Balance of Power، الذي أصبح محركا للتاريخ الأوروبي.
وفي الوقت نفسه أدى انقسام وتصارع الدويلات الإيطالية إلى حالة تشبه لحد ما الحالة السائدة فى أوروبا، فنجد بعض هذه الدويلات تنضم إلى أسبانيا أو فرنسا ضد البعض الآخر، ثم لا تلبث أن تغير التحالف إذا ظهر خطر على مصالحها. وبذلك أصبح يطبق على شبه الجزيرة الإيطالية نفس المبدأ السياسي الذي كان يطبق في أوروبا، وهو مبدأ توازن القوى».
وقد مرت الحروب الإيطالية بدورين: أولهما من 1494 إلى 1515م، والثاني من 1515 إلى 1559م.
وبالنسبة للدور الأول، فقد حاولت فيه فرنسا تحقيق ادعاءاتها في وراثة عرش كل من مملكة نابولي ودوقية ميلان، فكان ذلك هو الذي أشعل الحروب الإيطالية.
أما بالنسبة للدور الثاني، فقد دار الصراع فيه بين فرنسا تحت أسرة فالوا Valois وإسبانيا تحت أسرة هابسبورج Habsburg وحول هذا النزاع بين أسرة الفالوا وأسرة الها بسبرج توزعت الدول الأوروبية الأخرى تحقيقا لمبدأ التوازن».
وقد اختتمت هذه الحروب بمعاهدة كاتو - كامبريسيس -Ca teau - Cambrésis» في سنة 1559م، وهي أول تسوية دولية عامة شهدتها أوروبا في العصور الحديثة.