إنّ علماء العامّة رووا عن أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، ومجاهد المكّيّ، والإمام محمّد الباقر، والإمام جعفر الصادق عليهما السلام. وذكرها كبارهم الذين نقلنا عن كتبهم بلا إشكال يذكر، بيد أنَّ أغلبهم يعتقد أنَّ الآية نزلت في عصر يوم عرفة في حجّة الوداع.
قال السيوطيّ: ومن الآيات التي نزلت على رسول الله وهو في السفر قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}. وفي الصحيح عن عمر أنها نزلت عشيّة عرفة يوم الجمعة عام حجّة الوداع. وله طرق كثيرة، لكن أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدريّ أنها نزلت يوم غدير خمّ.
وأخرج مثله من حديث أبي هريرة. وفيه أنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة، مرجعه من حجّة الوداع. وكلاهما لا يصحّ.[1]
وقال ابن كثير الدمشقيّ: لا يصحّ الحديثان كلاهما، بل الصواب الذي لا شكّ فيه ولا مرية أنها نزلت يوم عرفة، وكان يوم جمعة، كما روي ذلك عن عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وأوّل ملوك الإسلام: معاوية بن أبي سفيان، وترجمان القرآن: عبد الله بن عبّاس، وسَمُرة بن جُنْدب. وأرسله الشعبيّ وقتادة بن دعامة، وشهر بن حوشب، وغير واحد من الأئمّة والعلماء؛ واختاره ابن جرير الطبريّ أيضاً.[2]
وقال في تأريخه بعد عرض حديث ضمرة عن ابن شوذب، عن مطر الورّاق، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة لمّا أخذ رسول الله يد عليّ وقال: مَنْ كُنْتُ مَولَاهُ فَعَلِيّ مَولَاهُ، وأنزل الله عزّ وجلّ الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}، وقال أبو هريرة: وهو يوم غدير خمّ، من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجّة كتب له صيام ستّين شهراً: فإنّه حديث منكر جدّاً، بل كذب لمخالفته ما ثبت في الصحيحين (صحيح البخاريّ، وصحيح مسلم) عن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب أنَّ هذه الآية نزلت في يوم الجمعة يوم عرفة، ورسول الله واقف في عرفات.[3]
وقال في تفسيره أيضاً: ذكر الإمام أحمد بسنده عن طارق بن شهاب أنه قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطّاب فقال: يا أمير المؤمنين! إنّكم تقرءون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً! قال عمر: وأيّ آية؟ قال اليهوديّ: قوله: ألْيَومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي. فقال عمر: والله إنّي لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله: عشيّة عرفة في يوم الجمعة.
ورواه البخاريّ عن الحسن بن الصبّاح، عن جعفر بن عون، عن عمر. ورواه أيضاً مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ من طرق عن قيس بن مسلم، عن عمر.[4]
[1] «الإتقان» ج 1، ص 23، طبعة مطبعة الموسويّة بالديار المصريّة، سنة 1278 هـ.
[2] «تفسير ابن كثير الدمشقيّ» ج 2، ص 491، طبعة دار الفكر.
[3] «البداية والنهاية» ج 5 ص 213 و214.
[4] «تفسير ابن كثير» ج 2، ص 489.