كان الفرعون «أمنمحات» الثالث (1844–1796ق.م) من أعظم ملوك الأسرة الثانية عشرة؛ فقد بلغت البلاد أوج مجدها في عهده بعد أن كانت في حالة فوضى واضطراب في عصر العهد الإقطاعي، وقد بدأ روح الوحدة يدب في جسم الدولة خلال حكمه بفضل جيل الموظفين الجديد الذي عمل ملوك هذه الأسرة على إنشائه؛ ليلتف حولهم، وليكون لهم نصيرًا وظهيرًا على تسيير أداة الحكم في البلاد، والقضاء على حكَّام المقاطعات الذين كانوا أكبر عقبة في سبيل توحيد نظام الحكومة والنهوض بها، فلا غرابة إذن أن نرى هؤلاء الموظفين حريصين على بثِّ روح الطاعة والمحبة لمليكهم في نفوس أولادهم، وقد بلغ بهم حب الفرعون درجة جعلت تعاليم بعضهم لأبنائه تدور حول حب الفرعون وخدمته والإخلاص له، لا أن ترشدهم إلى الحياة الصالحة السعيدة كما كانت التعاليم التي وصلت إلينا حتى الآن، بل إن الكاتب الذي فعل ذلك غالَى، فلم يشأ أن يكتب تعاليمه على ورق بردي، بل نقشها على صفحة حجرية، وجعلها شاهدًا لقبره حتى يضمن خلودها ويراها أولاده في كل وقت يزورون فيه قبره؛ لأن القبور كما نعلم كانت تُحَاط بكل عنايةٍ في كل أزمان التاريخ المصري، وكان بكر أولاد المتوفى يُنصَّب عادةً كاهنًا يزورها ويقدِّم لوالده القربان كل يوم.
ولا غرابة في أن تشيع هذه العادة في ذلك العهد، ولم يصلنا بكل أسف إلا هذه اللوحة الحجرية التي تحدَّثنا عنها، وقد يكون لكاتبها صلة خاصة وثيقة بالملك أكثر من غيره، فغالَى في حبه لمولاه ونقش هذه التعاليم؛ إظهارًا لولائه للفرعون، وليسير أولاده على نهجه في حبهم وولائهم له. والواقع أن كاتب هذه النصائح كان موظَّفًا كبيرًا في المالية، ويقول: إن الملك قد مدحه أمام (الملايين)، وإنه كان صديقًا حميمًا لسيده الذي كان يُطلِعه على أسراره الخفية. وقد صاغ الكاتب عقود المدح لهذا الفرعون وأظهر عظمته، ومثَّله أمام أولاده بأنه يفوق كل إله، وأنه هو الذي يعطي مَن يشاء ويحرم مَن يشاء. ويرى القارئ أن المؤلف ينصح أولاده أن يحاربوا في جانب الملك مما يتفق وروح العصر الذي كان عصر نضال وحروب؛ لتثبيت عرش الملكية بتوحيد البلاد تحت حكم ملك واحد.
وقصارى القول إن هذه اللوحة كانت نوعًا من الدعاية للملكية في ذلك العهد، ولكنها دعاية فريدة وحاذقة في بابها، ومن الجائز أنها كانت عادية منتشرة وقتها، غير أنه لم يصلنا نحن منها إلا هذه الوثيقة وصيغتها:
(أ) المتن
إني أتحدَّث عن أمر عظيم، وأجعلكم تصغون إليه، وإني أنقل إليكم فكرة للأبدية (1) وحكمة للحياة الصحيحة، ولأجل أن تمضوا مدة الحياة في نعيم، احترموا الملك «ني معات رع» بأجسامكم، وألفوا بين قلوبكم وجلالته، إنه هو الفهم الذي في القلوب، وعيناه تفحصان كل إنسان، وإنه «رع» الذي يرى الناس بأشعته، وإنه يضيء الأرضين أكثر من الشمس، ويجعل الأرضين أكثر نضارةً من نيل عالٍ، وإنه ملأ الأرضين قوةً وحياةً.
والأنوف تصير باردة حينما يجنح إلى الرعب (2)، وعندما يكون طلقًا يتنسَّم الناس الهواء، وهو يعطي مَن يخدمونه القوة الحيوية، ويمد بالطعام مَن يسير على نهجه، والملك قوة حيوية، وفمه (3) الرخاء بعينه.
وإنه هو الذي يُطعِم مَن سيكون، وإنه الإله «خنوم» (4) لكل الأجسام، والمبدع الذي يخلق كل الناس، وهو «باستت» (5) التي تحمي الأرضين، ومَن يحترمه ينجُ مِن ساعِده، ولكنه الإلهة «سخمت» لمَن يتعدَّى أمره. حاربوا لاسمه، ودافعوا عن حياته حتى تنجوا من الكريهة (الغدر)، ومَن كان صاحبًا للملك فإنه سيكون محترمًا، ومَن كان عدوًّا للملك، فلا قبرَ له؛ وجسمه يُلقَى في الماء.
فافعلوا ذلك لتصحَّ أجسامكم. نعم، إن ذلك لمجد لكم إلى الأبد.
(ب) المصادر
(1) Stele, Cairo Museum, No. 20538.
(2) Erman, “The Literature of the Ancient Egyptians”, PP. 84-85.
....................................................
1-أي تفكِّرون فيها دائمًا.
2- يعني أن نفس الحياة الذي يعطي الجسم حرارة يخرج من الأنف، فإذا انقطع أصبح الأنف باردًا وذهبت الحياة عنه.
3- الذي ينطق بأوامره.
4- كما أن خنوم يسوي الأجسام فهو كذلك ينشئ العظماء.
5- باستت هي الإلهة الشفيقة لها رأس قطة، أما «سخمت» فهي الإلهة المرعبة ولها رأس أسد.