نقرأ للإمام محمّد الغَزَّالِيّ بحثاً يحوم حول الترتيب في خلافة الخلفاء، هل هي بالنصّ أو بالإرث، وذلك في المقالة الرابعة من كتابه: «سِرّ العالمين» إلى أن يبلغ قوله: لَكِنْ أسْفَرَتِ الحُجَّةُ وَجْهَهَا وأجْمَعَ الجَمَاهِيرُ عَلَى مَتْنِ الحَدِيثِ في يَوْمِ غَدِيرِ خُمٍّ بِاتِّفَاقِ الجَمِيعِ، وهُوَ يَقُولُ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ»؛ فَقَالَ عُمَرُ: بَخٍّ بَخٍّ لَكَ يَا أبَا الحَسَنِ لَقَدْ أصْبَحْتَ مَوْلَاي ومَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ.
فَهَذَا تَسْلِيمٌ ورِضَى وتَحْكِيمٌ. ثُمَّ بَعْدَ هَذَا غَلْبُ الهَوَى لِحُبِّ الرِّئَاسَةِ، وحَمْلِ عَمُودِ الخِلافَةِ، وعُقُودِ البُنُودِ، وخَفَقَانِ الهَوَى في قَعْقَعَةِ الرَّايَاتِ، واشْتِبَاكِ ازْدِحَامِ الخُيُولِ، وفَتْحِ الأمْصَارِ سَقَاهُمْ كَأسَ الهَوَى، فَعَادُوا إلَى الخِلافِ الأوَّلِ، فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ.[1]
وَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَالَ قَبْلَ وَفَاتِهِ: إيْتُونِي بِدَوَاةٍ وبَيَاضٍ لُازِيلَ عَنْكُمْ إشْكَالَ الأمْرِ، وأذْكُرَ لَكُمْ مَنِ المُسْتَحِقُّ لَهَا بَعْدِي.
قَالَ عُمَرُ: دَعُوا الرَّجُلَ فَإنَّهُ لَيَهْجُرُ- وقِيلَ: يَهْذُو.[2]
لقد أعطى الإمام الغزّاليّ هذا الموضوع حقّه عبر كلامه المقتضب المارّ ذكره، وكشف الحقيقة. وكان هذا الدرك والفهم- طبعاً- من بركات ترك هوى النفس، وحبّ الرئاسة، والتنازل عن مقامه المتمثّل بحجّة الإسلام، وترك رئاسة المدرسة النظاميّة ببغداد، وجميع المناصب الدنيويّة من تدريس، وإفتاء، وقضاء، وإصلاح ذات البين، وغيرها من الشؤون الدينيّة على أساس الفقه الشافعيّ، إذ اختار العزلة في الشام عشر سنين، وانشغل بالرياضات الشرعيّة لتصفية باطنه، وجلا جوهر نفسه بمخالفة النفس الشيطانيّة والاستمداد من النفحات الرحمانيّة، واجتاز الموهومات والتحق بالحقّ، ونزع عن المجاز إلى الحقيقة. كما يستبين ذلك من مطاوي كتابه الذي حرّره بعد رجوعه من الشام على شكل رسالة أسماها: «المُنْقِذُ مِنَ الضَّلَالِ».
ومن الطبيعيّ أنَّ الله لا يضيع جهود الرجال الذين يسعون في سبيله، وقد دلّهم على طريق السعادة، واقتادهم إلى الحياة الطيّبة، وامتنّ عليهم بالجزاء على أحسن وجه، وذلك وفقاً لمفاد قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}،[3] ومفاد قوله: {مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ}.[4]
لا جرم أنَّ الغزّاليّ كان سنّيّاً، ومن أنصار مدرسة عمر، بل ومن المتعصّبين لها، بَيدَ أنّ الاندفاع إلى تلمّس الحقّ أضاء مصباح الولاية في مشكاة قلبه، وأنار زجاجة نفسه بهذا النبراس. ولا ريب أنه انتهج طريق التشيّع، وخطا خطوته في صراط الولاية.[5]
[1] الآية 187، من السورة 3: آل عمران.
[2] «سِرُّ العالمين» ص 21، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، سنة 1385 هـ.
[3] الآية 69، من السورة 29: العنكبوت.
[4] الآية 97، من السورة 16: النحل.
[5] إنَّ أفضل دليل على تشيّعه كتابه «سرّ العالمين». ونقل القاضي نور الله الشوشتريّ في كتابه «مجالس المؤمنين» أنَّ الغزّاليّ التقي الشريف المرتضى علم الهدى في طريق الحجّ، فرجع عن المذهب السنّيّ، وتشيّع ببركات الشريف ونفحاته الطيّبة. وقال:
دوست بر ما عرض ايمان كرد ورفت *** پير گبرى را مسلمان كرد ورفت
[و تعريبه: عرض علينا محبّ ناصح الإيمان وولّى، وأدخل شيخاً مجوسيّاً في الإسلام وولّى].
ثمّ قال: كذّب الشهيد الأوّل أبو عبد الله محمّد بن مكّي لقاء الغزّاليّ مع الشريف المرتضى، واحتمل القاضي أنَّ لقاء الغزّاليّ كان مع الشريف المرتضى أبي أحمد نجل الشريف الرضي. ونقل ذلك عن «مجالس المؤمنين» أيضاً «روضات الجنّات» و«طرائق الحقائق». ولمّا كان الغزّاليّ يعيش بين سنة 450 و505 هـ، والشريف المرتضى علم الهدى يعيش بين سنة 355 و436 هـ. فلهذا لا يمكن أن يتحقّق مثل ذلك اللقاء. وبناءً على ما نقل ابن الأثير، فإنَّ أبا أحمد نجل الشريف الرضي صار نقيباً للعلويّين بعد الشريف المرتضى، وتوفّى سنة 449 هـ، أي: قبل ولادة الغزّاليّ بسنة. فهو أيضاً لا يمكن أن يكون قد التقى الغزّاليّ. وقال محمّد على الكرمانشاهيّ نجل الوحيد البهبهانيّ في كتاب «قوامع الفضل» في جواب من سأله عن الغزّاليّ، ومناظرته مع الشريف المرتضى في طريق مكّة، وتشيّعه، وتأليفه كتاب «سرّ العالمين»: كان لقاء الغزّاليّ مع السيّد مرتضى الرازيّ صاحب كتاب «تبصرة العوامّ».
و احتمل البعض أنه التقى السيّد مرتضى العلويّ المقتول سنة 480 هـ. وهو محمّد بن محمّد بن زيد الحسينيّ الذي قُتِلَ بأمر خاقان ماوراء النهر. (ملخّص ص 327 إلى 329 من كتاب «غزالي نامه»).