كتب المأمون إلى عَبْدِ الجَبَّارِ بْنِ سَعِدٍ المَسَاحِقِيّ عامله على المدينة أنِ اخطب الناس، وادعهم إلى بيعة عَلِيّ بنِ مُوسَى!
فقام عبد الجبّار وقال: يَا أيُّهَا النَّاسُ! هَذَا الأمْرُ الذي كُنتُمْ فِيهِ تَرْغَبُونَ، والعَدْلُ الذي كُنتُمْ تَنْظَرُونَ، والخَيْرُ الذي كُنْتُمْ تَرْجُونَ، هَذَا عَلِيّ بْنُ موسى بْنُ جَعْفَرٍ بْن مُحَمَّدِ بْنِ عليّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ.
واحتجّ المأمون أيضاً بحديث الغدير لإثبات أحقّيّة الأئمّة الطاهرين، وذلك في رسالة جوابيّة كتبها ردّاً على اعتراض العبّاسيّين عليهعند ما فوّض الخلافة إلى الإمام عليّ بن موسى الرضا عليهما السلام.
وقال صاحب «ينابيع المودّة» في الباب 92 بعد نقله هذه الرسالة:روى ابن مسكويه صاحب التأريخ في كتابه: «نديم الفريد» أنّ المأمون كتب كتاباً إلى بني العبّاس. وهذا الكتاب مفصّل، وكلّه يدور حول أحقّيّة وأولويّة أمير المؤمنين عليه السلام للخلافة. وننقل فيما يلي فقرات منه:
فَلَمَّا قُبِضَ[1] حَكَمَ بِالنَّبِيّ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ القَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ، فَهَاجَرَ إلَى المَدِينَةِ إلَى القَوْمِ الأنْصَارِ، ولَمْ يَقُمْ مَعَهُ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ أحَدٌ كَقِيَامِ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ، فَإنَّهُ وَقَاهُ بِنَفْسِهِ، ونَامَ في مَضْجَعِهِ، ثمَّ لَمْ يَزَلْ بَعْدُ مُتَمَسِّكَاً بِأطْرَافِ الثُّغُورِ، يُنَازِلُ الأبْطَالَ، ولَا يَنْكُلُ عَنْ قِرْنٍ، ولَا يُوَلِّي عَنْ جَيْشٍ، مَنِيعَ القَلْبِ، يُؤَمَّرُ على الجَمِيعِ، ولَا يُؤَمَّرُ عَلَيْهِ أحَدٌ، أشَدَّ النَّاسِ وَطْأةً على المُشْرِكِينَ، وأعْظَمَهُمْ جِهَادَاً في اللهِ، وأفْقَهَهُمْ في دِينِ اللهِ، وأقْرَأهُمْ لِكِتابِ اللهِ، وأعْرَفَهُمْ بِالحَلَالِ والحَرَامِ، وهُوَ صَاحِبُ الوَلَايَةِ في حَدِيثِ غَديرِ خُمٍّ وصَاحِبُ قَوْلِهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لا نَبِيّ بَعْدِي.[2]
قال أبو الحسن: على بن الحسين المسعوديّ في آخر الجزء الثاني من «مروج الذهب»، وفي آخر الفصل الذي خصّصه لترجمة أمير المؤمنين عليه السلام: قال المسعوديّ: والأشياء التي استحقّ بها أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله الفضل هي: السبق إلى الإيمان، والهجرة، والنصرة لرسول الله صلّى الله عليه وآله، والقربى منه، والقناعة، وبذل النفس له،و العلم بالكتاب والتنزيل، والجهاد في سبيل الله، والورع، والزهد، والقضاء، والحكم، والعفّة، والعلم.
وكلّ ذلك لعليّ بن أبي طالب عليه السلام منه النصيب الأوفر، والحظّ الأكبر، إلى ما ينفرد به من قول رسول الله صلّى الله عليه وآله حين آخى بين أصحابه: أنْتَ أخي. ونحن نعلم أنّ رسول الله لا ضدّ له ولا ندّ.
وأفرده أيضاً بقوله: أنْتَ مِني بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لا نَبِيّ بَعْدِي.
وقوله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ.
ثمّ دعاؤه وقد قدّم إليه أنس الطائر: اللهُمَّ أدْخِلْ إلَيّ أحَبَّ خَلْقِكَ إلَيْكَ يَأكُلْ مَعِي مِنْ هَذَا الطَّائِرِ.
فدخل عليه عليّ عليه السلام ... إلى آخر الحديث.[3]
ينبغي أن نعلم أنّ هناك احتجاجات هامّة اخرى ما عدا هذه الاحتجاجات الأربعة عشر التي ذكرناها، وقد صدرت عن عَمَّار بن يَاسِر في معركة صفّين، وقَيْس بن سَعْد بن عُبَادة مع معاوية، والحاكم الأمويّ عُمَر بن عبد العزيز بن مروان، وغيرهم من المشاهير.
[1] «العقد الفريد»، ج 3، ص 279، 286. الطبعة الاولى، مطبعة الجمالية، سنة 1331 ه.
[2] أى لما قبض أبو طالب رضوان الله عليه.
[3] «مروج الذهب» ج 2، ص 437، طبعة مطبعة السعادة، سنة 1367 ه.