

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
بطلان القول بخلافة غير أمير المؤمنين على المدينة في غزوة تبوك
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج10، ص294-305
2026-03-04
11
ليُعْلَم السبب الذي دفع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى استخلاف أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام على المدينة، وعدم أخذه معه في تلك السفرة وهو الذي كان معه في جميع غزواته، وهو الطليعيّ الوحيد، وحامل لوائه، وحاميه وناصره ومعينه، وهو المخلص المتحمّس المشفق الفدائيّ لرسول الله. فلم يصطحبه وتركه في المدينة لئلّا تضطرب أوضاعها بخطط المنافقين، ولتقطع صولته وابّهته يد المتآمرين، وليدحض خططهم وبرامجهم. ولكي لا تسقط المدينة بزحف الكفّار والمشركين ومؤازرة المنافقين وهي بيضة الإسلام ومحور ومقرّ بلاد المسلمين، وحينئذٍ تذهب أتعاب رسول الله ومعاناته خلال اثنتين وعشرين سنة هدراً.
وهنا قال له رسول الله: يَا عَلِيّ! إنَّ المَدِينَةَ لَا تَصْلُحُ إلَّا بي أوْ بِكَ! أ مَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي! وإلَّا لَكُنتَ نَبِيَّاً يَا عَلِيّ.
صلّى الله عَلَيْكَ يَا أمير المؤمنين!
ويتّضح ممّا بيّناه أنّ ما قاله الطبريّ في تاريخه[1]، وابن الأثير في تاريخه[2] أنّ رسول الله خلف على المدينة سِبَاع بن عُرْفُطَة الغِفَارِيّ؛ وكذلك ما قاله ابن كثير[3]، والواقديّ[4]، وابن هشام[5] إنّه خلفه، أو خلف مُحمّد بن مَسْلَمة الأنصاريّ[6] على المدينة، وخلف عليّ بن أبي طالب عليه السلام على أهله، كلّ ذلك كلام باطل ومخالف للشواهد والقرائن القطعيّة في التأريخ، وذلك للأسباب الآتية: أوّلًا: ذكر صاحب «السيرة الحلبيّة» هذين الشخصين مضافاً إلى أنّه قال: وقيل: خلف على أهل المدينة ابْنَ امّ مَكْتُوم. وقيل: عَلِيّ بْنَ أبي طَالِبٍ[7]. والتردّد بين هؤلاء الأشخاص دليل على أنّ استخلاف ذينك الشخصين احتمال محض لا يقوم على حجّة. بل إنّ التردّد بين الشخصين المذكورين ينسف القاطعيّة والعلم، وينزل بالحتميّة واليقين إلى الشكّ والاحتمال.
ثانياً: قال مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ البِرِّ في «الاستيعاب»: إنّ استخلاف عليّ بن أبي طالب على المدينة وعلى عيالات رسول الله في غزوة تبوك مِنْ أثْبَتِ الآثَارِ وأصَحِّهَا.
وقال ابن عبد البرّ في هذا الكتاب ضمن ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام: دفع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الراية يوم بدر إلى عليّ، وهو ابن عشرين سنة. ذكره السَّرَّاج في تاريخه. ولم يتخلّف عن مَشْهَدٍ شهده رسول الله مذ قدم المدينة إلّا تبوك، فإنّه خلّفه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على المدينة وعلى عِيَاله بعده في هذه الغزوة. واستخلاف عليّ على المدينة من أثبت الآثار وأصحّها. وقال له: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي. وحديث المنزلة من أثبت الأخبار وأصحّها. رواه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سَعْدُ بْنُ أبي وَقَّاصٍ. وطرق حديث سعد فيه كثيرة جدّاً قد ذكرها ابْنُ أبي خَيْثَمة وغيره. ورواه ابن عبّاس، وأبو سعيد الخُدْريّ، وامّ سَلَمَة، وأسماء بنت عُمَيْس، وجابر بن عبد الله، وجماعة يطول ذكرهم[8].
وقال عليّ بن برهان الدين الحَلَبيّ الشافعيّ صاحب «السيرة» بعد ذكر مُحَمَّد بن مَسْلَمَة، وسِبَاع بن عُرْفُطَة، وابْن امّ مَكْتُوم: قال ابْنُ عَبْدِ البِرِّ: خلف عليّ بْن أبي طالب على المدينة، وهو الأثبت والأتقن[9].
وقال الشيخ المفيد: ولمّا أراد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الخروج من المدينة، استَخْلَفَ أمير المؤمنين عَلَيْهِ السَّلَامُ في أهْلِهِ ووُلْدِهِ وأزْوَاجِهِ ومَهَاجِرِهِ؛ وقَالَ لَهُ: يَا عَلِيّ! إنَّ المَدِينَةَ لَا تَصْلُحُ إلَّا بي أوْ بِكَ! (أي: أنّ الأمر ينتهي إلى الفساد عند عدم وجودي ووجودك).
وذلك أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم علم من خبث نيّات الأعراب، وكثير من أهل مكّة ومن حولها ممّن غزاهم، وسفك دماءهم. فأشفق أن يطلبوا المدينة عند نَأيِهِ عنها وحصوله ببلاد الروم أو نحوها. فمتى لم يكن فيها من يقوم مقامه، لم يؤمن من معرّهم، وإيقاع الفساد في دار هجرته، والتخطّي إلى ما يشين أهله ومخلّفيه. وعلى أنّه لا يقوم مقامه في إرهاب العدوّ وحراسة دار الهجرة، وحياطة من فيها إلّا أمير المؤمنين عليه السلام. فلهذا استخلفه استخلافاً ظاهراً، ونصّ عليه بالإمامة من بعده نصّاً جليّاً.
وذلك فيما تظاهرت به الرواية أنّ أهل النفاق لمّا علموا باستخلاف رسول الله عليّاً على المدينة، حسدوه لذلك، وعظم عليهم مقام أمير المؤمنين فيها بعد خروجه؛ وعلموا أنّها تتحرّس به، ولا يكون فيها للعدوّ مطمع.
فساء المنافقين ذلك، وكانوا يؤثرون خروجه معه لما يرجونه من وقوع الفساد والاختلاط عند نأي رسول الله عن المدينة؛ وخلوّها من مرهوب مخوف يحرسها؛ وغبطوه على الرفاهية والدعة بمقامه في أهله؛ وتكلّف من خرج منهم المشاقّ بالسفر بالخطر، فأرجفوا به وقالوا: لم يستخلفه رسول الله إكراماً له وإجلالًا ومودّة، وإنّما خلّفه استثقالًا له فبهتوا بهذا الإرجاف كبهت قريش لرسول الله بالجنون تارة، وبالشعر اخرى، وبالسحر مرّة، وبالكهانة اخرى، وهم يعلمون في رسول الله ضدّ ذلك ونقيضه، كما علم المنافقون ضدّ ما أرجفوا به على أمير المؤمنين وخلافه، وأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كان أخصّ الناس بأمير المؤمنين، وكان هو أحبّ الناس إليه وأسعدهم عنده وأحظاهم عنده، وأفضلهم لديه.
فلمّا بلغ أمير المؤمنين عليه السلام إرجاف المنافقين به، أراد تكذيبهم وإظهار فضيحتهم، فلحق بالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال: يَا رَسُولَ اللهِ! إنّ المنافقين يزعمون أنّك خلّفتني استثقالًا ومقتاً! فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ارْجِعْ يَا أخِي إلى مَكَانِكَ! فَإنَّ المَدِينَةَ لَا تَصْلُحُ إلَّا بي أوْ بِكَ! فَأنْتَ خَلِيفَتِي في أهلِ بَيْتِي ودارِ هِجْرَتِي وقَوْمِي! أ مَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي[10]!
ثالثاً: إنّ الكلمات التي خاطب بها رسولُ الله أمير المؤمنين عليهما الصلاة والسلام في حديث المنزلة، أو التي اثرت عن الرواة تدلّ على خلافة الإمام على جميع أهل المدينة. كرواية أبي داود الطيالسيّ في مسنده عن شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن سعد أنّه قال: خَلَّفَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلِيّ بْنَ أبي طَالِبٍ في غَزْوَةِ تَبُوكَ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أ تُخَلِّفُنِي في النِّسَاءِ والصِّبْيَانِ؟! فَقَالَ: أ مَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي؟![11] وذلك أنّه: أوّلًا: في كلمة خلَّف إطلاق. وهي تفيد استخلافه على الجميع؛ وبالأخصّ جاء جوابه صلّى الله عليه وآله وسلّم في رواية ابن إسحاق كما يأتي: كَذَبُوا ولَكِنِّي خَلَّفْتُكَ لِمَا تَرَكْتُ وَرَائي[12]. ومن المعلوم أنّ هذه الجملة لا تفيد الإطلاق فحسب، بل هي عامّة لكافّة شئون المدينة وما يحتاج أهلها جميعهم.
ثانياً: قوله: إنَّ المَدِينَةَ لَا تَصْلُحُ إلَّا بي أوْ بِكَ[13] نصّ صريح على استخلافه على المدينة كلّها.
ثالثاً: ورد في تفسير عليّ بن إبراهيم: وخَلَّفَ أمير المؤمنين عَلَيهِ السَّلَامُ على المَدِيْنَةِ[14]. ولمّا جاء الإمام إلى رسول الله شاكياً من المنافقين، قال له صلّى الله عليه وآله وسلّم: يَا عَلِيّ! ألَمْ اخَلِّفْكَ على المَدِينَةِ[15]؟!
رابعاً: رأينا في رواية الشيخ المفيد قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: فَأنْتَ خَلِيفَتِي في أهْلِ بَيْتِي ودارِ هِجْرَتِي وقَوْمِي[16]. وتنصّ هذه العبارة على العموم.
خامساً: ذكر الشيخ الطبرسيّ قائلًا: واسْتَعْمَلَ عَلَى المَدِينَةِ عَلِيَّاً، وقَالَ: إنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمَدِينَةِ مِنِّي أوْ مِنْكَ[17]. وذكر أيضاً: إمَّا أنْ تَخْرُجَ أنْتَ ويُقيِمَ عَلِيّ وإمَّا أنْ يَخْرُجَ عَلِيّ وتُقِيمَ أنْتَ[18].
سادساً: قال ابن حجر العسقلانيّ: وقَالَ لَهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيّ. أي: لَا يَنْبَغِي أنْ أذْهَبَ إلَّا وأنْتَ خَلِيفَتِي[19]!
تنصّ هذه العبارة كسابقاتها على عموميّة الاستخلاف على جميع شئون الناس. ويستفاد هذا المعنى التفسيريّ من تشبيه منزلته بمنزلة هارون من موسى، فكما أنّ موسى لم يؤذن له بالذهاب إلى جبل طور للمناجاة دون أن ينصب أخاه هارون خليفة له على امّته، فكذلك أنا لم يؤذن لي التوجّه إلى غزوة تبوك إلّا أن أنصبك يا عليّ خليفة لي!
إن ما يبدو من كلمات بعض المؤرّخين إذ ذكروا أنّ الذين نصبهم رسول الله في غزوة تبوك هم غير أمير المؤمنين عليه السلام، مع اعتراف الجميع بنصبه على أهل البيت، وبحديث المنزلة، هو إمّا سهو وخطأ تمثّل في ذكره مع من نصبهم رسول الله في سائر الغزوات، وحجّة الوداع، وعمرة الحُدَيْبِيَّةِ كسِبَاعِ بْنِ عُرْفُطَة، ومُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمة، وابْنِ امَّ مَكْتُومٍ؛ وإمّا سهو وخطأ متعمَّد ارتكبه بعض أصحاب السير ويلاحظ من سِيَرهم جيّداً أنّهم مغرضون، وقد دسّوا في التأريخ الصحيح والثابت. وأنّ الراوي الأوّل الذي ارتكب هذا التحريف والخيانة، قد سار بسيرته الآخرون أيضاً فأخذوا كلامه وسطّروه في كتبهم، وذلك إمّا بتأييد خيانته، أو من وحي التساهل وعدم الإمعان والنقد والتحليل للسيرة والتأريخ الصحيح. وكذلك جاء بعدهم من اعتمد على قوله، ونقله إلى الأجيال المعاصرة والقادمة يداً بيد، حتّى نجد أنّ أحد الكتّاب المعاصرين ممّن ألّف في السيرة النبويّة باللغة الفارسيّة يقول: على الرغم من أنّه (النبيّ) خلّف محمّد بن مسلمة على المدينة، بَيدَ أنّه قال لعليّ عليه السلام: «أنت خليفتي في أهل بيتي وقومي والمهاجرين، ولا يصلح لذلك إلّا أنا أو أنت».
ومن المؤسف جدّاً أنّ شيعيّاً يتمتّع بالصلاح والخلوص، وقد ألّف كتابه خدمة للثقافة الإسلاميّة والمسلمين، غفل عن هذه النقطة، وحرّف التأريخ الثابت -من حيث لا يشعر- وفقاً لأهواء واضعي الأحاديث بعد إدانة عليّ عليه السلام وعزله في بيته. وسبب الخطأ هو ضيق الافق الملحوظ في بعض تواريخ العامّة التي مرّ ذكرها. وعدم التتبّع التامّ في أقوال مصادر العامّة، وعدم التتبّع في سِيرَ الشيعة ومصادرهم التأريخيّة.
إن النقطة المهمّة والجديرة بالاهتمام هي أنّ كتّابنا ينبغي أن لا يجعلوا كتب العامّة مصادرهم الأصليّة في دراساتهم، ويعتمدوا على أقوالهم، ويذكروا كتبهم وعلماءهم من غير نظر واهتمام بسيرة الشيعة. إنّه لضرر عظيم وخسارة فادحة إذ تنقلب حقيقة مدرسة التشيّع. ذلك التشيّع الذي استطاع أن يبرز وجهه الحقيقيّ من خلال آلاف المرارات، والدماء المهراقة، وأظهر الحقّ من بين الافتراءات والتهم وضروب البهتان والقتل والتعذيب، ودحض الباطل وأبعده. وإذا بهؤلاء يتوجّهون إلى كتب العامّة تبرّعاً بلا ثمن. تلك الكتب التي الّفت لترسيخ مذهب حكّام الجور والسلاطين الظالمين، ولم تدّخر وسعاً لتدمير حقيقة التشيّع بكلّ حربة من حرابها، واستخدمت كلّ وسيلة ممكنة من أجل ذلك. وجعلها هؤلاء مصادر وملاجئ لموضوعاتهم التحقيقيّة والعلميّة.
فلهذا نحن نستفيد في هذا الكتاب من مصادر الشيعة الرصينة بحمد الله ومنّه؛ ولنا حديث من مصادر العامّة أيضاً للتأييد واعتراف الخصم من باب: والفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الأعْدَاءُ[20] وكذلك نستخدم فنّ الجدل، ونقمع الخصم وندكّ صولته بنفس حربته. وهذا هو باب الجدل إذ تُتَّخذ ثوابت الخصم منه، ثمّ يُدَان بعين مقدّماته الثابتة المسلّمة: وجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[21]. وهذا هو طريق بحثنا. أوّلًا: يبلغ بالإنسان إلى الاصول والمعارف الحقّة الحقيقيّة في ضوء المباني المسلّمة والمحقّقة؛ ويبلغ العقائد والمعارف من باب البرهان الذي يضع المسلّميّات واليقينيّات في صغرى قياسه وكبراه. ثانياً: يعرّف الخصم على آرائه ومواضع نقده وتزييفه؛ ويرغمه على التسليم.
لقد ألّف العلّامة الكبير المرحوم الأمينيّ رحمة الله عليه كتابه القيّم «الغدير» لإبطال آراء المخالفين من العامّة فحسب، كي يقسرهم على الاعتراف والإقرار بحقّانيّة مولى الموالي أمير المؤمنين عليه السلام وإمامته وولايته ووصايته بلا فصل؛ ويضعضع مذهب المناوئين؛ لا أنّه كتبه للشيعة الذين ينبغي أن يأخذوا اصول معارفهم من مصدر وسند معيّنين. فلهذا استُفيد في هذا الكتاب من الجدل ليس غيره، كما اعتمد على مصادر العامّة وكتبهم فحسب.
وكذلك ألّف العلّامة السيّد محمّد قُلي كتاب «تشييد المطاعن»[22] للردّ على «التحفة الاثنا عشريّة». وألزم نفسه بالاستفادة من روايات العامّة ومصادرهم. وإلّا فلا دور لهذا الكتاب في الردّ على التحفة المذكورة.
وصنّف العلّامة مير حامد حسين الهنديّ النيسابوريّ كتابه الشريف «عبقات الأنوار»[23] في الردّ على كتاب «التحفة العزيزيّة» الذي هو نفسه كتاب «التحفة الاثنا عشريّة». ولا حيلة إلّا بالاستناد إلى مصادر العامّة، وتفهيمهم بالمسلّمات الثوابت الموجودة في كتبهم.
وكذلك نلحظ كتب المرحوم العلّامة السيّد شرف الدين العامليّ «كالمراجعات» و«الفصول المهمّة» و«أبو هريرة»، فإنّها التزمت بنفس المنهج؛ وعرضت طريق الحقيقة بالاستناد إلى مصادر العامّة المتقنة؛ وألزمت المخالف بالقبول.
أمّا الذين لم تؤلّف كتبهم للردّ، ولم تصنّف لإلزام المخالفين، بل صنّفت لإرشاد وهداية عموم المسلمين سواء كانوا من الشيعة أم من السنّة. وحتّى لو كانوا من المسلمين وغيرهم، فعليهم أن يصنّفوا كتبهم على أساس المقدّمات البرهانيّة ومن وحي المقدّمات المسلَّمة الثابتة، من الكتب والمصادر الموثوقة، والعلماء المرضيّين البعيدين عن التعصّبات الجاهليّة.
أجل، لنعد إلى أصل الموضوع، وهو أنّ استخلاف أمير المؤمنين عليه السلام على المدينة في غزوة تبوك ممّا لا شكّ ولا شبهة فيه. حتّى أنّ ابن تيميّة الحرّانيّ الذي كان رأس المناوئين وطليعة ركب العناد واللجاجة في طرح إشكالاته وافتراءاته وضروب بهتانه بالنسبة إلى الأخبار والأحاديث الصحيحة الماثورة عن رسول الله في أمير المؤمنين عليه السلام لم يستطع أن يُشكل على العلّامة الحلّيّ رضوان الله عليه في استشهاده بهذا الحديث؛ وإنّما وجّه مؤاخذته إلى موضع آخر. وتوضيح ذلك.
[1] «تاريخ الامم و الملوك» ج 2، ص 368، طبعة مطبعة الاستقامة، القاهرة.
[2] «الكامل في التاريخ» ج 2، ص 278، طبعة بيروت، سنة 1385.
[3] «البداية و النهاية» ج 5، ص 7.
[4] «المغازي» ج 3، ص 995.
[5] «سيرة ابن هشام» ج 4، ص 946.
[6] و في ضوء هذه المصادر التأريخيّة، قال محمّد حسين هيكل في كتاب «حياة محمّد»: و قد استخلف على المدينة محمّد بن مسلمة، و خلّف عليّ بن أبي طالب على أهله و أمره بالإقامة فيهم،. و لم يشر هيكل في هذا الكتاب إلى حديث المنزلة قطّ، و لم يذكر أبا ذرّ الغفاريّ في غزوة تبوك، مع أنّه ذكر أبي خيثمة، و كعب بن مالك و رفقاءه المتخلّفين. و من هنا يجد سوء ظنّنا بهيكل و أمثاله شواهد و قرائن تتمثّل في أنّ هؤلاء الأشخاص الذين يزعمون أنّهم رجال العلم و التأريخ و المجتمع كيف يروق لهم أن يحجبوا الحقائق و يتجاهلوا المسلّمات الثابتات من وحي تعصّباتهم الجاهليّة.
، «حياة محمّد» ص 428.
[7] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 149.
[8] «الاستيعاب» ج 3، ص 1097.
[9] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 149.
[10] «الإرشاد» للمفيد، ص 83 و 84 الطبعة الحجريّة؛ و «أعيان الشيعة» ج 2، ص 197 و 198، الطبعة الرابعة، عن الشيخ المفيد.
[11] «البداية و النهاية» ج 5، ص 7.
[12] «تاريخ الطبريّ» ج 2، ص 368؛ و «البداية و النهاية» ج 5، ص 7؛ و «مناقب ابن المغازليّ» فيما نقله صاحب «غاية المرام» ص 114، الحديث 50 عن العامّة؛ و «الكامل في التاريخ» ج 2، ص 278.
[13] «الإرشاد» للمفيد، ص 83 و 84؛ و «أعيان الشيعة» ج 2، ص 197 و 198، الطبعة الرابعة، عن المفيد.
[14] «تفسير القمّيّ» ص 246.
[15] نفس المصدر.
[16] «الإرشاد» للمفيد، ص 83 و 84؛ و «بحار الأنوار» ج 4، ص 624، طبعة الكمبانيّ، عن «الإرشاد».
[17] «إعلام الوري» للطبرسيّ، ص 129؛ و «بحار الأنوار» ج 6، ص 131، طبعة الكمبانيّ، عن «إعلام الوري».
[18] «بحار الأنوار» ج 6، ص 635، عن «تفسير الإمام»؛ و «طبقات ابن سعد» ج 3، ص 24: لا بدّ من أن اقيم أو تقيم.
[19] «الإصابة» ج 2، ص 502؛ و «مسند أحمد بن حنبل» في ضوء ما نقله صاحب «غاية المرام» ص 114، الحديث 48، عن العامّة.
[20] مثل يضرب للثناء على من يعترف الصديق و العدوّ بفضله. و أصل البيت هو:
وَ مَلِيحَةٍ شَهِدَتْ بِهَا ضَرَّاتُهَا--وَ الفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الأعْدَاءُ
[21] الآية 125، من السورة 16: النحل: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.
[22] قال في «الذريعة» ج 4، ص 192 و 193: كتاب «تشييد المطاعن لكشف الضغائن» بجميع أجزائه المجلّدات الثمانية «الأجناد الاثنا عشريّة المحمّديّة» في ردّ «التحفة الاثنا عشريّة» الدهلويّة المرتّبة على اثني عشر باباً في الردّ على الإماميّة. و التشييد هذا ردّ على خصوص الباب العاشر من التحفة الذي هو في دفع المطاعن. و ردّ الباب الأوّل منه الذي هو في حدوث فرق الشيعة، اسمه «السيف الناصريّ». و ردّ الباب الثاني منه الذي هو في نسبة المكائد إلى الشيعة، اسمه «تقليب المكائد». و ردّ الباب السابع منه الذي هو في الإمامة، اسمه «برهان السعادة». و ردّ الباب الحادي عشر منه الذي هو في الأوهام و التعصّبات و الهفوات، اسمه «مصارع الأفهام». كلّ هذه الكتب من مجلّدات كتاب «الأجناد» باللغة الفارسيّة، مطبوعة بالهند. و جميع هذه الكتب من تأليفات العلّامة السيّد محمّد قلي ابن السيّد محمّد حسين بن حامد حسين بن زين العابدين الموسويّ النيسابوريّ الكنتوريّ المولود في سنة 1188، و المتوفي في التاسع من المحرّم، سنة 1260.
[23] ذكر صاحب «الذريعة» في ج 15، ص 214 و 215 مطالب حول كتاب «العبقات»، نذكر فيما يأتي موجزاً منها: «عبقات الأنوار في مناقب الأئمّة الأطهار» في مجلّدات ضخام كبار لإثبات إمامة الأئمّة، للسيّد المير حامد حسين بن محمّد قلي خان صاحب بن محمّد بن حامد النيسابوريّ الكنتوريّ المتوفي في سنة 1306. هو ردّ على الباب السابع من «التحفة الاثنا عشريّة» الذي هو في مبحث الإمامة. و رتّبه على منهجين: المنهج الأوّل: في دلالة الآيات القرآنيّة المستدلّ بها للإمامة، و هو غير مطبوع. و المنهج الثاني: في دلالة الأحاديث الاثني عشر على الإمامة و الجواب عن اعتراضات صاحب التحفة عليها، في اثني عشر جزءاً؛ لكلّ حديث جزء. فالجزء الأوّل من المنهج الثاني في حديث الغدير. و الثاني في حديث المنزلة. و الثالث في حديث: إنَّ عليّاً منّي و أنا من عليّ و هو وليّ كلّ مؤمن من بعدي. و الرابع في حديث الطير. و الخامس في حديث: أنا مدينة العلم و عليّ بابها. و السادس في حديث التشبيه: من أراد أن ينظر إلى آدم و نوح فلينظر إلى عليّ. و السابع في حديث: من ناصب عليّاً الخلافة فهو كافر. و الثامن في حديث النور: كنت أنا و عليّ بن أبي طالب نوراً. و التاسع في حديث الراية يوم خيبر. و العاشر في حديث: عليّ مع الحقّ حيث دار. و الحادي عشر في حديث قتال عليّ بالتأويل و التنزيل. و الثاني عشر في حديث الثقلين. و هذه المجلدات مجموعة تشکل المنهج الثاني.
الاكثر قراءة في مقالات عقائدية عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)