انّ إعادة الأرواح إلى الأبدان في القيامة لا تكون إعادة المعدوم، لأنّ المفروض كما عرفت هو بقاء الأرواح في البرزخ، فالأرواح لا تكون معدومة حتّى تكون إعادتها إعادة المعدوم، كما لا يكون أيضا إعادة أجزاء البدن إعادة المعدوم، لأنّ الأجزاء المتفرقة موجودة معلومة عند الله تعالى، ولا يعزب شيء منها عن علمه تعالى مهما تبدّلت وتغيّرت.
هذا مضافا إلى عدم اشتراط بقاء أجزاء مادة البدن في عينية الإنسان المعاد واتحاده مع الإنسان الذي كان في الدنيا عقلا ؛ لما عرفت من أنّ تشخص الشخص بحقيقته ، وهي روحه ، ولذا لم يضر ببقائه تبدّل أجزائه في الحياة الدنيا بتمامها ، مع ما قيل من أنّ أجزاء الإنسان تتبدّل مرّات عديدة في طول سنوات عمره (1) ، ويشهد له حكم المحاكم بمجرمية من ارتكب جرما في أيام شبابه ، ثم هرب واخذ في أيام هرمه ، ولزوم عقوبته مع تبدّل أجزاء بدنه مرّات عديدة ، في طول حياته فلو خلق مثل بدن ميت في العقبى ، اعيد روحه إليه ، لكانت العينيّة محفوظة كما لا يخفى ، ولكن مقتضى الأدلّة الشرعيّة هو خلق البدن من الأجزاء المتفرّقة التي كانت بدنا له في أيام الدنيا ، كما يشهد له قوله تعالى : (وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ) (2) ، فإنّ الإخراج والخروج فرع بقائهم في الأرض ، ـ وإلّا فلا يصدق عنوان الإخراج والخروج وغير ذلك من الشواهد والأدلّة.
ولعلّ إليه يؤول ما ذكره المحقق اللاهيجي ـ قدس سره ـ : «من أنّ المحققين يقولون : إنّ البدن بعد مفارقة الروح ، وإن انعدم بحسب الصورة ، ولكن يبقى بحسب المادة ففي وقت الإعادة افيض عليها مثل الصورة الأوّلية ، وتتعلّق الروح الباقية بالبدن المعاد (وتتحد الهوهوية) لأنّ تشخّص الإنسان بتشخّص النفس الناطقة ، التي هي الروح ، ولا دخل في تشخص النفس الناطقة إلّا مادة البدن مع صورة ما ، فالصورة المعينة لا مدخلية لها ، ألا ترى أن شخص الطفل بعينه هو شخص الكهل ، أو الشيخ ، مع أنّ بدن الكهل أو الشيخ ، ليس بدن الطفل بعينه ، فإذا كانت روح المثاب روح المطيع الباقي بعينه ، ومادة بدنه مادة بدنه بعينها ، فلا يلزم أن يكون المثاب غير المطيع ، كما لا يلزم أن يكون الكهل غير الطفل» (3) ، ولا يخفى عليك أنّه إن أراد من قوله : ولا دخل في تشخّص النفس الناطقة» إلخ ، دخالة مادة ما في تشخّص النفس الناطقة عقلا ، ففيه منع ، لما عرفت آنفا.
وإن أراد دخالتها شرعا فهو ، وإليه يرجع أيضا ما في متن تجريد الاعتقاد حيث قال : «ويتأوّل (أي العدم يتأول) في المكلّف (بفتح اللام) بالتفريق كما في قصة إبراهيم ـ عليه السلام ـ» وقال الشارح العلّامة في شرح عبارة المحقق الطوسي ـ قدس سرهما ـ : «وأما المكلّف الذي يجب إعادته فقد أوّل المصنّف ـ رحمه الله ـ معنى إعدامه بتفريق أجزائه ولا امتناع في ذلك ـ إلى أن قال ـ : فإذا فرّق أجزاءه كان هو العدم ، فإذا أراد الله تعالى إعادته جمع تلك الأجزاء وألّفها كما كانت ، فذلك هو المعاد» إلى آخر عبارته فراجع (4).
ولا استغراب في هذا الجمع عن الحكيم القدير الخبير ، روى علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبي أيّوب عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ : «إنّ إبراهيم ـ عليه السلام ـ نظر إلى جيفة ، على ساحل البحر تأكلها سباع البر ، وسباع البحر ثم يثب السباع بعضها على بعض ، فيأكل بعضها بعضا ، فتعجب إبراهيم ـ عليه السلام ـ فقال : «رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى» فقال الله له : (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فأخذ إبراهيم ـ صلوات الله عليه ـ الطاوس والديك والحمام والغراب ، قال الله عزوجل : (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) أي قطعهن ثم أخلط لحماتهن (لحمهن ـ خ ل) وفرّقها على كلّ عشرة جبال ، ثم خذ مناقيرهن وادعهن يأتينك سعيا ، ففعل إبراهيم ذلك وفرّقهن على عشرة جبال ثم دعاهن فقال : أجيبيني بإذن الله تعالى ، فكانت يجتمع ويتألف لحم كلّ واحد ، وعظمه إلى رأسه ، وطارت إلى إبراهيم ، فعند ذلك قال إبراهيم : (أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (5) قال العلّامة المجلسي ـ قدس سره ـ : «تلك الأخبار تدلّ على أنّه تعالى يحفظ أجزاء المأكول في بدن الآكل ، ويعود في الحشر إلى بدن المأكول كما أخرج تلك الأجزاء المختلطة والأعضاء الممتزجة من تلك الطيور وميّز بينها» (6).
وروي عن هشام بن الحكم أنّه قال الزنديق للصادق ـ عليه السلام ـ : «أنّى للروح بالبعث والبدن قد بلي والأعضاء قد تفرّقت؟ فعضو في بلدة تأكلها سباعها ، وعضو باخرى تمزّقه هوامها ، وعضو قد صار ترابا ، بني به مع الطين حائط قال : إنّ الذي أنشأه من غير شيء وصوّره على غير مثال كان سبق إليه ، قادر أن يعيده كما بدأه ، قال : أوضح لي ذلك ، قال : إنّ الروح مقيمة في مكانها : روح المحسنين في ضياء وفسحة ، وروح المسيء في ضيق وظلمة ، والبدن يصير ترابا منه خلق (وفي المصدر : كما منه خلق) وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها ، فما أكلته ومزقته كلّ ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ، ويعلم عدد الأشياء ووزنها ، وأنّ تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب ، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض فتربو الأرض ، ثم تمخض مخض السقاء ، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب ، إذا غسل بالماء ، والزبد من اللبن إذا مخض ، فيجتمع تراب كلّ قالب (وفي المصدر : كلّ قالب إلى قالبه فينتقل) فينتقل بإذن الله تعالى إلى حيث الروح ، فتعود الصور بإذن المصوّر كهيئتها ، وتلج الروح فيها فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا» (7).
وروي في الكافي عن عمّار بن موسى عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال : «سئل عن الميّت يبلى جسده ، قال : نعم ، حتّى لا يبقى لحم ولا عظم إلّا طينته التي خلق منها ، فإنّها لا تبلى ، تبقي في القبر مستديرة حتّى يخلق منها كما خلق أوّل مرّة» (8).
قال العلّامة المجلسي ـ قدس سره ـ : توضيح : «مستديرة أي بهيئة الاستدارة أو متبدلة متغيرة في أحوال مختلفة ككونها رميما وترابا ، وغير ذلك ، فهي محفوظة في كلّ الأحوال» (9) انتهى موضع الحاجة.
وعليه فلا مانع من جمع المتفرّقات خصوصا إذا اكتفى بالطينة الأصلية كما هو مفاد بعض الأخبار.
______________
(1) راجع معارف قرآن : جلسة 49 ص 414 ـ 421.
(2) الروم : 19.
(3) سرمايه الإيمان : ص 159 ـ 160.
(4) شرح تجريد الاعتقاد : ص 402 ، الطبع الجديد.
(5) بحار الأنوار : ج 7 ص 36 ـ 37.
(6) بحار الأنوار : ج 7 ص 37.
(7) بحار الأنوار : ج 7 ص 37 ـ 38.
(8) بحار الأنوار : ج 7 ص 43.
(9) بحار الأنوار : ج 7 ص 43.