لا ريب أنّ القرآن الكريم أخبر عن وقوع القيامة والمعاد أخبارا جزميّا قطعيّا مع التأكيدات المختلفة. وتعرّض لخصوصياته في ضمن آيات كثيرة التي تقرب من ألفين على ما ذكره بعض المحققين وإليك بعض الآيات : (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (1).
وفي هذه الآية أخبر عن وقوع القيامة والمعاد الجسماني بالجزم والقطع ، ونفى عنه مطلق الريب والشكّ مع التأكيدات وأكّد وقوعها في ضمن آيات اخر بالقسم كقوله عزّ شأنه :
(زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) (2) وفي هذه الآية ذكر أصناف التأكيدات من القسم ولام القسم ونون التأكيد ، وقرن هذه التأكيدات بمثل قوله : (وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) في ذيل الآية ، لبيان حتميّة البعث ، والنشر من القبور الذي أنكره الكفار ، وعبّر عن القيامة والبعث المذكور بالماضي ، لحتمية وقوعه كقوله عزّ شأنه : (إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) (3) ، وقوله تعالى : (إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها) (4).
وجعل القيامة قريبة ممكنة خلافا لما تخيله الكفّار من كونها بعيدة ، وقال جلّ جلاله : (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً) (5) ، وأرسل رسله للإنذار والتبشير بالآخرة والقيامة ، كما قال تعالى : (وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) (6) ، وليس ذلك إلّا لحتمية وقوعها ، وأيضا جعل القيامة من ميعاده التي لا تخلف فيها ، لحتمية وقوعها ، كما قال تعالى : (رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) (7).
وغير ذلك من الآيات ، فإنّ كلّها تحكي عن حتميّة وقوع القيامة والبعث والنشور المذكور في القرآن بالمطابقة أو الملازمة ، فإنّ بيان أوصاف القيامة ، وبيان أوصاف المؤمنين والكافرين والمجرمين ، أو بيان أوصاف الجنّة والجحيم أو غير ذلك ، أيضا تدلّ على حتمية وقوع القيامة والبعث والنشور ، إذ البحث عن هذه الخصوصيّات يكون بعد الفراغ عن أصل وقوعها.
ثم إنّ مقتضى قوله: (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (8) وغيره هو أنّ المعاد الذي آمن به إبراهيم وغيره في الأزمان السالفة قبل الإسلام هو المعاد الجسماني.
فالآيات القرآنية تدلّ بالصراحة على وقوع المعاد وحتميته ، وعلى كونه معادا جسمانيا ، وعلى كونه مما اعتقد وآمن به كلّ نبيّ وكلّ مرسل وكلّ مؤمن في كلّ عصر من الأعصار الماضية ، هذا مع قطع النظر عمن الأخبار والروايات المتواترات الواردة في المعاد الجسماني ، فلا مجال للريب في أصل وقوع المعاد ، وفي كونه جسمانيّا ، بمعنى عودة الأرواح إلى أبدانها ولا في أدلّة المعاد لصراحتها وتواترها.
ولقد أفاد وأجاد العلّامة الحلي ـ قدس سره ـ حيث قال : «المعاد الجسماني معلوم بالضرورة من دين محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والقرآن دلّ عليه في آيات كثيرة بالنصّ ، مع أنّه ممكن فيجب المصير إليه ، وإنّما قلنا بأنّه ممكن ؛ لأنّ المراد من الإعادة جمع الأجزاء المتفرقة وذلك جائز بالضرورة» (9) فقول بعض الفلاسفة من أتباع المشّائين باختصاص المعاد بالمعاد الروحاني على المحكي مخالف للضرورة من الدين ، كما أنّ قول جمع من المتكلّمين بعدم بقاء الروح وفنائه بموت الأبدان يخالف الآيات والروايات المتواترة الدالّة على بقاء النفس ، ووجود الحياة البرزخية ، فالحقّ هو بقاء الأرواح وأنّ معادها هو عودتها إلى أبدانها.
______________
(1) الحج : 7.
(2) التغابن : 7.
(3) الواقعة : 1.
(4) الزلزال : 1.
(5) المعارج : 7.
(6) الأنعام : 48.
(7) آل عمران : 9.
(8) البقرة : 260.
(9) شرح تجريد الاعتقاد : ص 406 ، الطبع الجديد.