قد يستدلّ له بقوله تعالى : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (1).
قال العلّامة الطباطبائي ـ قدس سره ـ : «أمّا السؤال الأوّل : (هل للحيوان غير الإنسان حشر؟) فقوله تعالى في الآية : (ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) يتكفّل الجواب عنه ، ويقرب منه قوله تعالى : (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) ، كورت : 5 (2).
وقال أيضا : «وببلوغ البحث هذا المبلغ ، ربّما لاح أنّ للحيوان حشرا ، كما أنّ للإنسان حشرا ، فإنّ الله سبحانه يعدّ انطباق العدل والظلم والتقوى والفجور على أعمال الإنسان ، ملاكا للحشر ، ويستدلّ به عليه كما في قوله تعالى : (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) ، ص : 28» (3).
وقال أيضا : «وهذان الوصفان ، أعني الإحسان والظلم ، موجودان في أعمال الحيوانات في الجملة ، ويؤيده ظاهر قوله تعالى : (وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) (4) ، فإنّ ظاهره أنّ ظلم الناس لو استوجب المؤاخذة الإلهية كان ذلك ؛ لأنه ظلم ، والظلم شايع بين كلّ ما يسمّى دابّة ، الإنسان وسائر الحيوانات ، فكان ذلك مستعقبا لأن يهلك الله تعالى كلّ دابّة على ظهرها ، هذا.
وأن ذكر بعضهم أنّ المراد بالدابّة في الآية ، خصوص الإنسان ، ولا يلزم من شمول الأخذ والانتقام يوم القيامة لسائر الحيوان أن يساوي الإنسان في الشعور والإرادة ، ويرقى الحيوان العجم إلى درجة الإنسان في نفسيّاته وروحيّاته ، والضرورة تدفع ذلك ، والآثار البارزة منها ومن الإنسان تبطله ، وذلك أنّ مجرد الاشتراك في الأخذ والانتقام ، والحساب والأجر ، بين الإنسان وغيره لا يقتضي بالمعادلة والمساواة من جميع الجهات ، كما لا يقتضي الاشتراك في ما هو أقرب من ذلك ، بين أفراد الإنسان أنفسهم أن يجري حساب أعمالهم من حيث المداقّة والمناقشة مجرى واحدا ، فيوقف العاقل والسفيه والرشيد والمستضعف في موقف واحد» (5).
قال الفاضل المقداد ـ قدس سره ـ : «النقل الشريف دالّ على أنّه ما من دابّة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلّا امم أمثالكم ما فرّطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربّهم يحشرون ، فهؤلاء منهم من يحكم العقل بوجوب البعثة وهو كلّ من له حقّ أو عليه حقّ للإنصاف والانتصاف ، ومنهم من لم يحكم بوجوبه بل بجوازه كمن عدا هؤلاء» (6).
وروي عن أبي ذر قال : «بينا أنا عند رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ إذ انتطحت عنزان فقال النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ : أتدرون فيما انتطحا؟ فقالوا : لا ندري ، قال : لكن الله يدري وسيقضي بينهما» (7).
قال العلّامة المجلسي ـ قدس سره ـ : «وأمّا حشر الحيوانات فقد ذكره المتكلمون من الخاصّة والعامّة على اختلاف منهم في كيفيته ، إلى أن قال : أقول : الأخبار الدالّة على حشرها عموما وخصوصا ، وكون بعضها ممّا يكون في الجنّة كثيرة سيأتي بعضها في باب الجنّة ، وقد مرّ بعضها في باب الركبان يوم القيامة وغيره ، كقولهم ـ عليهم السلام ـ في مانع الزكاة : تنهشه كلّ ذات ناب بنابها ويطؤه كلّ ذات ظلف بظلفها ، وروى الصدوق في الفقيه بإسناده عن السكوني بإسناده أنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ أبصر ناقة معقولة ، وعليها جهازها ، فقال أين صاحبها؟ مروه فليستعد غدا للخصومة ، وروي فيه عن الصادق ـ عليه السلام ـ أنّه قال : أيّ بعير حجّ عليه ثلاث سنين ، يجعل من نعم الجنّة ، وروي سبع سنين ، وقد روي عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ : استفرهوا ضحاياكم فإنّها مطاياكم على الصراط ، وروي أنّ خيول الغزاة في الدنيا خيولهم في الجنة» (8).
_______________
(1) الانعام : 38
(2) (3) تفسير الميزان : ج 7 ص 74 ـ 75.
(4) فاطر : 45.
(5) تفسير الميزان : ج 7 ص 76 ـ 77.
(6) اللوامع الالهية : ص 377.
(7) بحار الانوار : ج 7 ص 256.
(8) بحار الانوار : ج 7 ص 276.