

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
لم يشهد رسول الله لأبي بكر بالجنّة
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج13، ص63-78
2026-04-04
39
شهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم على أنّ جميع المقتولين في غزوة احُد من أهل الجنّة، وأنّ كتاب أعمالهم خُتم بخير، وأنّهم أبلوا بلاءً محموداً، وأنّ السعادة مكتوبة لهم في دار الآخرة.
بَيدَ أنّ هذا لشهداء احُد فحسب، وليس لكلّ من اشترك وجاهد في احُد. إذ إنّ من الممكن أن تمرّ بلاءات بعد احُد فلا يثبت فيها المغرورون بأنفسهم ومناصبهم، المتظاهرون بالتقوى والصلاح، وهم ينشدّون إلى عالم الغرور في تلك النكات الدقيقة. وتتجلّى أنفسهم في الامّة بطابع فرعوني مع جميع ما لهم من أرصدة السبق والقِدَم، فينكرون الحقّ ويؤثِرون أنانيّتهم على الحقّ والانقياد المحض إليه. وحينئذٍ، كيف تكون عاقبتهم خيراً إذا هلكوا وهم على هذه الحالة من الاستكبار والزهو والعُجب وحبّ الذات، حتى لو كانوا بارزين في الزهد، بارعين في علوم القرآن، متشرّفين بصحبة رسول الله سنين طويلة! كما أنّ شهداء بدر من أهل الجنّة أيضاً، لا كلّ من شهد بدراً، لأنّه قد يتعرّض للبلاء، فلا يثبت فيه ولا يخرج منه مفلحاً.
إنّ الآيات القرآنيّة التي تتحدّث عن مجاهدي بدر وأصحاب بيعة الرضوان تحت الشجرة أثنت عليهم ثناءً مؤقّتاً كما يتطلّبه موقفهم يومئذٍ، ولم تثن عليهم ثناء مطلقاً إلى الأبد. وفي بدر أدلّة، وفي احُد أدلّة أيضاً.
كان طلحة بن عبيد الله من الذين ثبتوا ولم يفرّوا يوم احُد. وقد آزر النبيّ كثيراً، لكنّه نكث بيعة أمير المؤمنين عليه السلام في خلافته، فاريقت دماء الآلاف من الأبرياء على أثر ذلك. وكذلك دأب الزبير بن العوّام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص على اختلاف مراتبهم ودرجاتهم.
وذكر مالك حديثاً عجيباً في «الموطّأ»، ويمكن استنتاج أشياء مفيدة كثيرة منه بالمناط العامّ:
حَدَّثَني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمْرَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ قَالَ لِشُهَدَاءِ احُدٍ: هَؤُلَاءِ أشْهَدُ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: أ لَسْنَا يَا رَسُولَ اللهِ إخْوَانَهُمْ؟ أسْلَمْنَا كَمَا أسْلَمُوا، وجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: بلى، ولَكِنْ لَا أدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي؟! فَبَكَى أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ بَكَى، ثُمَّ قَالَ: أئِنَّا لَكَائِنُونَ بَعْدَكَ؟![1]
يقول محمّد فؤاد عبد الباقي في تعليقته: هذا الحديث مرسل عند جميع الرواة، لكنّ معناه يستند من وجوه صحاح كثيرة. وذكر السيوطيّ هذا اللفظ نفسه في شرحه.[2]
وقال في شرح قوله صلى الله عليه وآله: هَؤُلَاءِ أشْهَدُ عَلَيْهِمْ: يَعْنِي أشْهَدُ لَهُمْ بِالإيمَانِ الصَّحِيحِ والسَّلَامَةِ مِنَ الذُّنُوبِ المُوبِقَاتِ ومِنَ التَّبدِيلِ والتَّغْيِير والمُنَافَسَةِ في الدُّنْيَا ونَحْوَ ذَلِكَ. قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ البِرِّ.[3]
ونفهم من هذا الحديث ما يأتي: أوّلًا: أنّ الجهاد في احُد لم ينفع أبا بكر شيئاً، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله لم يؤيِّد سلامَة دينه، وخلاصَه من الذنوب الموبقة، ومن التغيير والتبديل في العقيدة والنيّة، والحوادث، والتنافس على الرئاسة وحبّ الجاه، ولم يشهد له بالإيمان الصحيح. وبعبارة موجزة: لم يؤيِّد كونه من أهل الجنّة.
ثانياً: لمّا كان النبيّ صلى الله عليه وآله عالِماً بالغيب، وأنّه أخبر بالوقائع والحوادث قبل وقوعها وحدوثها بسنين طويلة، فإنّ كلامه: «لا أدري ما تُحدِثون بعدي». بمنزلة قوله: «لأنّي أعلم ما تُظهرون بعدي من البدع وما تفتعلون من الحوادث». فلهذا أنتم لستم كشهداء احُد الذين رحلوا عن هذه الدنيا طاهرين مطهّرين. فأنتم -لا جرم- ستكونون من أصحاب النار!
ثالثاً: لو كان أبو بكر باحثاً عن الحقّ والحقيقة، لسأل رسول الله بعد إخباره الصحابة، وبعد بكاء أبي بكر نفسه: وما ذا نفعل إذاً؟ أرشدنا إلى سبيل النجاة من تلك الحوادث والكوارث، كي لا نُمني بتلك الذنوب الموبقة المهلكة، ولا نُحدث تلك البدع، ولنظلّ سالمين ونكون من أهل الوجوه المبْيَضَّة شامخين كشهداء احُد! بَيدَ أنّه قطع كلام رسول الله، وحسم الموضوع ببكائه وقوله: أإنّا لكائنون بعدك.[4]
يحسن بنا وقد بلغنا هذا الموضع أن نذكر آية الله العظمى البروجرديّ تغمّده الله برضوانه ونعيمه فنورد ما نقله عنه صديقنا العزيز الكريم ورفيقنا البرّ الشفيق الذي تربطنا به صحبة يزيد أمدها على أربعين سنة. وهو سماحة آية الله الشيخ إسماعيل المعزّيّ الملايريّ دامت بركاته.
حدّثني هذا الرجل حديثاً قبل ثلاثين سنة تقريباً، ثمّ طلبت منه أن يكتبه. فكتبه وأرسله لي بالبريد من قم إلى طهران، وخطّه الآن بين يديّ. وها أنا أذكر فيما يأتي كلامه نصّاً.
قال بعد البسملة والتحميد والصلوات والسلام والسؤال عن الأحوال، والآداب المألوفة في المجاملات: «وأمّا الموضوع فهو أنّي تشرّفت بالمثول بين يدي المرحوم آية الله العظمى السيّد البروجرديّ رضي الله عنه سنة 1378 هـ. ق لُاودّعه قبل سفري إلى حجّ بيت الله الأعظم، وكان كتاب «الموطّأ» لمالك بن أنس في يده، فقلَّبَ عدداً من أوراقه. ثمّ دفعه إليّ وقال: احفظ هذا الحديث فإنّه سينفعك يوماً! ثمّ أردف قائلًا: كان أبو بكر ماكراً إلى درجة أنّه تباكى وقطع الموضوع.
فحفظتُ الحديث. وبعد تشرّفى بزيارة مكّة، قدمنا جدّة لنعود إلى إيران، فراجعنا دائرة شئون الحجّاج، وكان مديرها عقيداً يُدعى «سنبل»، ولمّأ ذهبتُ إليه لتوقيع الجواز، دار بيني وبينه حديث طُرحَتْ فيه مسائل شتّى، وواصلناه حتى سألني قائلًا: هل ترون الشيخين من الذين حضروا بيعة الرضوان.[5]
قلت: ورد في بعض الأحاديث أنّهما حضراها وبايعا رسول الله صلى الله عليه وآله أيضاً.
قال: فَلِمَ ترون أنّهما من أهل جهنّم؟!
قلتُ: لا، لا نرى أنّهما كذلك.
قال: فهل تعتقدون أنّهما من أصحاب الجنّة؟
قلتُ: لا. الجنّة والنار للّه تعالى، ونحن لا نعلم من يسوقه الله إلى الجنّة ومن يسوقه إلى جهنّم. يَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَآءُ ويَحْكُمُ بِمَا يُرِيدُ.
قال: أنتم لستم على يقين من ذهاب أحد إلى الجنّة؟
قلتُ: ولِمَ ذلك! نحن على يقين أنّ رسول الله يذهب إلى الجنّة.
قال: كيف تقول ذلك؟
قلتُ: إذا لم يذهب إلى الجنّة وهو صفوة الخلق ونقاوته، فَلِمَ خَلَقَ الله الجنّة!
قال: وهل أنتم على يقين من ذهاب غيره إليها؟
قلتُ: نعم، نحن على يقين من ذهاب الحسن والحسين عليهما السلام إليها أيضاً.
قال: ما الدليل على ذلك؟
قلتُ: حديث رسول الله صلى الله عليه وآله: الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة.
قال: وهل أنتم على يقين من ذهاب غيرهما إليها؟
قلتُ: نعم، نحن على يقين من ذهاب عليّ بن أبي طالب إليها أيضاً.
قال: ما الدليل على ذلك؟
قلتُ: ما جاء في ذيل الحديث السابق، وهو قوله صلى الله عليه وآله: أبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا، فإذأ ذهب الحسن والحسين إلى الجنّة، فلا جرم أنّ أباهما، وهو خير منهما، يذهب إليها أيضاً.
قال: وهل تعتقد أنّ شخصاً آخر يذهب إليها حتماً؟
قلتُ: نعم، فاطمة الزهراء عليها السلام.
قال: ما الدليل؟
قلتُ: ما ورد في الحديث، وهو قوله: فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، مَنْ آذَاها فَقَدْ آذَانِي، ومَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللهَ ... إلى آخره، فإذا ساق الله فاطمة إلى جهنّم، فقد آذى فاطمة ونبيّه، والله لا يؤذي نبيّه أبداً.
قال: يا خبيث؛ أراك تشكّ في ذهاب أبي بكر وعمر فحسب إليها.
قلتُ: لا أجد أخبث منّي إلّا أنت! عليك أن تتحدّث بدليل وبرهان وتضرب عن التعصّب صفحاً، وإذا كان النبيّ وأبو بكر قد ارتابا في ذهاب أبي بكر إلى الجنّة، فكيف تزعم أنّك على يقين من ذهابه إليها!
قال: أين ورد أنّهما قد ارتابا في ذلك!
فقرأتُ الحديث، وقلتُ: لا يستبين من هذا الحديث شكّ النبيّ فحسب، بل يُشَمُّ منه أيضاً كفر القوم ودخولهم في جهنّم، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال بصراحة: لا أشهد.
على أيّة حال، هذا الحديث وارد، وأنت تقول: أنا على يقين. وإذا لم يشكّ أبو بكر، فَلِمَ سأل ذلك! وإذا لم يشكّ رسول الله، فَلِمَ قال: لا! ويتّضح من هذا الحديث أيضاً أنّ بيعة الرسول، وقتال أعداء الدِّين، وأداء سائر الفرائض، كلّ ذلك ينفع المرء إذا ظلّ مستقيماً ولم يقترف عملًا مخالفاً للّه ورسوله حتى آخر عمره، وإلّا فيمكن أن تُحبط بعضُ المعاصي أثر العبادات الماضية.
ثمّ قال: أرني هذا الحديث!
قلتُ: هات مُوَطَّأ مالك لُاريك. وعند ما رجعتُ إلى وطني، حدّثتُ المرحوم آية العظمى السيّد البروجرديّ بالحوار المذكور فسُرّ كثيراً».
إلى هنا تنتهي رسالته في شأن هذا الحديث، ثمّ قال: ولمّا تشرّفت بالحجّ من قابلٍ، التقيتُ بالعقيد سنبل وسألته عن أحواله. فقال: وجدتُ الحديث في مُوَطّأ مالك.[6]
ومن الضروريّ هنا أن نشير إلى بعض النقاط:
الاولى: نقل دِهْخُدا في معجمه اللغويّ (معجم لغويّ فارسيّ)، مادّة (ذو الفقار) عن ترجمة تأريخ الطبريّ أنّ أبا بكر، وعمر جُرحا في غزوة احد ورجعا.[7]
لقد بان رجوع أبي بكر، وعمر من الحرب، بَيدَ أنّ جرحهما كذب محض. فأمّا حدث تحريف متعمَّد في ترجمة «تاريخ الطبريّ» أو في النقل عن الترجمة. وعلى أيّة حال فعندي دورتين مختلفتين من «تاريخ الطبريّ»، وليس فيهما هذا الموضوع. وكذلك هو لم يرد في تاريخ «البداية والنهاية» لابن كثير الدمشقيّ مع شدّة تعصّبه في تسنّنه، ولم يذكره صاحب «السيرة الحلبيّة»، ولا ابن هشام في سيرته. كما لم يُشَرْ إليه في كتاب «الكامل في التأريخ» لابن الأثير الجزريّ، و«روضة الصفا» لميرخواند، و«حبيب السير» لخواندمير، و«تاريخ المسعوديّ»، و«تاريخ اليعقوبيّ» بل لم يذكر في مغازي الواقديّ الذي يعدّ من أقدم الوثائق التأريخيّة، ولم ينقله ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة».[8]
الثانية: أنّنا ذكرنا هنا الآية وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ وشأن نزولها في غزوة احُد فحسب، ولم نتطرّق إلى مواصفات غزوة احُد ووقائعها كلّها، وهي كثيرة. ومَن وقف على تفاصيل تأريخها، وجد أنّ المشركين لم يحاربوا المسلمين يومئذٍ، بل ذبحوهم وقطّعوهم إرباً إرباً بسواطيرهم. مع ذلك لم يفكّر النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله بإراقة الدماء وارتكاب المذابح، ولم يحاول التدارك وتسكين الفورات العاطفيّة، بل كان يدافع لا غير. وكان هذا دأبه كلّما حملوا عليه. ولم يأمر بالقتل والسلب والغارة بعد أن وضعت الحرب أوزارها. إذ إنّ مهمّته الربّانيّة لم تكن القتل والذبح، بل كانت مهمّته هداية المشركين وارشادهم إلى الإسلام. وأنّ أخلاقه العظيمة وصفاته الكريمة هي التي دفعتهم إلى الإسلام، وقد أسلم كثير من امراء جيشهم كخالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل. فلاحظوا كم كانت مهمّته دقيقة، إذ جمع بين الدفاع والقتل، وبين إمساك يده رجاء إسلامهم وهدايتهم.
وكان اولئك الكافرون من أرحام رسول الله صلى الله عليه وآله، بل كان بعضهم من أرحامه القريبين. وكانوا منه بمنزلة الأبناء، ولكن أيّ أبناء! أبناء متغطرسون ومغرورون قطعوا قرابة خمسمائة كيلومتر من مكّة إلى المدينة لإطفاء النور النبويّ وبتلك الطريقة المعروفة لئلّا تكون الرئاسة والإمارة للنبيّ صلى الله عليه وآله، ولكي لا ينقادوا لحكمه.
وهذا جهل، وهو جهل عميق مشوب بالكبر والحسد والغِلّ والانتقام والطمع، بَيدَ أنّ الرسول الكريم صلى الله عليه وآله واجه تلك الأفعال السيّئة القبيحة بدعائه المعروف: اللهُمَّ اهْدِ قَوْمي فَإنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.[9]
ونقل ابن أبي الحديد عن الواقديّ قوله: وروى سعد بن أبي وقّاص قال: ولقد حرصتُ على قتل أخي عتبة بن أبي وقّاص حرصاً ما حرصتُ على شيء قطّ، وإن كان ما علمتُ لعاقّاً بالوالد، سيّئ الخُلُق، ولقد تخرّقتُ صفوف المشركين مرّتين أطلب أخي لأقتله، ولكنّه راغ منّي رَوَغان الثعلب. فلمّا كان الثالثة، قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: يَا عَبْدَ اللهِ! ما تُرِيدُ؟! أ تُرِيدُ أنْ تَقْتُلَ نَفْسَكَ؟ فكففتُ. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: اللهمّ لا تحولنّ الحول على أحدٍ منهم![10]
ونقل ابن أبي الحديد عن الواقديّ قال: لمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله بحمزة مَثْلًا شديداً، حزنه ذلك. فقام أبو قَتادة الأنصاريّ فجعل ينال من قريش لما رأى من عَمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم. وفي كلّ ذلك يشير إليه أن أجلس ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يَا أبَا قَتَادَةَ! إنَّ قُرَيْشاً أهْلُ أمَانَةٍ، مَنْ بَغَاهُمُ العَوَاثِرَ[11] كَبَّهُ اللهُ لِفِيهِ! وعَسَى أنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أنْ تَحْقِرَ عَمَلَكَ مَعَ أعْمَالِهِمْ، وفِعَالَكَ مَعَ فِعَالِهِمْ! لَوْ لا أنْ تَبْطَرَ قُرَيْشٌ لأخْبَرْتَهَا بِمَا لَهَا عِنْدَ اللهِ تَعَالَى.
فقال أبو قتادة: والله يا رسول الله! ما غضبت إلّا للّه ورسوله حين نالوا منه (من حمزة) ما نالوا. فقال: صدقتَ! بِئْسَ القَوْمُ كَانُوا لِنَبِيِّهِمْ.[12]
الثالثة: نقل ابن أبي الحديد عن الواقديّ أنّه قال: إنّ الذي شجّ رسول الله صلى الله عليه وآله في جبهته ابن شهاب، والذي أشظى رباعيّته وأدمى شفتيه عُتبة بن أبي وقّاص، والذي أدمى وَجْنَتَيْهِ حتى غاب الحلق فيهما ابن قميئة، وإنّه سال الدم من الشجّة التي في جبهته حتى أخضل لحيته. وكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم عن وجهه ورسول الله صلى الله عليه و آله يقول: كَيْفَ يَفْلَحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللهِ تَعَالَى؟! فأنزل الله تعالى قوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ.[13]
ونجد هنا أنّ الذات الأحديّة المقدّسة العزيزة العظيمة لا تُبقى لنبيّها حتى رجاءً واحداً، وتسلب منه الحكم بعدم الفوز والفلاح، ويقول بجدّ: أنت عبدي وليس لك أن تتدخّل في أمري! كيف تحكم بعدم فلاحهم؟! إنّي أنا الله، إنّي ذو العزّة والجلال، ولا يرد في عظمتي حتى رجاء الغير وحكمه، وإن كان صادراً من خاتم الأنبياء والمرسلين.
الرابعة: نقل أمين الإسلام أبو عليّ الفضل بن الحسن في كتاب «إعلام الوري» عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: انهزم الناس عن رسول الله يوم احُد فغضب غضباً شديداً، وكَانَ إذَا غَضِبَ انْحَدَرَ مِنْ وَجْهِهِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤِ مِنَ العَرَقِ. فنظر فإذا عليّ عليه السلام إلى جنبه فقال: مَا لَكَ لَمْ تَلْحَقْ بِبَنِي أبِيكَ! فقال عليّ عليه السلام: يَا رَسُولَ اللهِ! أ كُفْراً بَعْدَ الإسْلَامِ؟ إنَّ لي بِكَ اسْوَةً (الحديث).[14]
ونحن نعلم مقام مولى المتّقين عليه السلام وعظمته وإيثاره واخوّته وتضحيته وسوابقه المتألّقة، بَيدَ أنّ المكان هنا هو مكان العزّة، ورسول الله في مقام الوحدة المنيع لا يستطيع أن يرى شخصاً آخراً غيره حتى لو كان عليّاً. ولهذا قال: «ما لك لم تذهب»؟! إلّا أن يصير عليّ هنا نفس النبيّ، وقد صار كذلك، وقال: أنا معك! «إنّ لي بك اسوة»!
وهذا الخطاب هو ما ينبغي أن يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما ينبغي أن يُلقى مثل ذلك الجواب من أمير الموحّدين، تماماً كخطاب سيّد الشهداء عليه السلام أخاه أبا الفضل وأولاد عقيل ليلة عاشوراء.
الخامسة: ذكر ابن هشام في سيرته قائلًا: لمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله جسد حمزة وقد مُثِّل به قال: لَوْ لا أنْ تَحْزَنَ صَفِيَّةُ، ويَكُونَ سُنَّةَ مِنْ بَعْدِي، لَتَرَكْتُهُ حتى يَكُونَ في بُطُونِ السِّبَاعِ وحَوَاصِلِ الطَّيْرِ. ولَئِنْ أظْهَرَنِي اللهُ عَلَى قُرَيْشٍ في مَوْطِنٍ مِنَ المَوَاطِنِ لأمْثُلَنَّ بِثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ.[15]
ونقل ابن هشام عن ابن إسحاق أنّ هذه الآية نزلت: وإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ، واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ.[16]،[17]
ونلحظ هنا أيضاً أنّ الله جعل نبيّه في ظلّ ذلّ العبوديّة المحضة وخاطبه قائلًا: ليس لك أن تحكم، فالحكم للّه، وهو الذي أمر أن تكون العقوبة على قدر الجريمة، لا أكثر، وفي الوقت نفسه، فإنّ رفع اليد عن العقوبة أفضل، وهو محمود دائماً عند المؤمنين بالله.
وهذه الآية قائمة على أساس قانون العدالة، وقانون الأخلاق الكريمة في آن واحد. وهذان القانونان كلاهما محمودان ومرضيّان. وينبغي أن يتجلّيا في نبيّ الله المتخلّق بأخلاق الله من طريق أولى، كما ينبغي أن يعمل بهما أفضل من غيره وأكثر. فلهذا، يأمر مقام العبوديّة المطلقة قائلًا: إصبر. وكان صلى الله عليه وآله يصبر في كلّ موطن وموضع، ولم يمارس أعماله من وحي الثأر والانتقام، وكان يتعامل مع الناس كافّة بالمواساة والمساواة. صلى اللهُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ!
[1] «الموطّأ» لمالك، تحقيق وتعليق محمّد فؤاد عبد الباقي، ج 2، ص 461، و462، كتاب الجهاد، باب الشهداء في سبيل الله؛ وكتاب «تنوير الحوالك» للسيوطيّ، في شرح موطّأ مالك، الكتاب والباب أنفسهما، ص 18، أصل الحديث في صدر الصفحة، وشرحه وتفسيره في ذيلها. وذكر محمّد بن عمر الواقديّ المتوفّى سنة 207 في كتاب «المغازي» ج 1، ص 310، مثل هذا الحديث مع زيادة؛ قال: وكان طلحة بن عبيد الله، وابن عبّاس، وجابر بن عبد الله يقولون: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم على قتلى احُد وقال: أنَا على هَؤلَاء شَهِيدٌ. فقال أبو بكر: يَا رَسُولَ اللهِ! ألَيْسُوا إخْوَانَنَا، أسْلَمُوا كَمَا أسْلَمْنَا، وجَاهَدُوا كَمَا جَاهَدْنَا؟ قَالَ: بلى، ولَكِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَأكُلُوا مِنْ اجُورِهِمْ شَيْئاً، ولَا أدْرِي مَا تُحِدْثُونَ بَعْدِي؟! فَبَكَى أبُو بَكْرٍ، وقَالَ: إنَّا لَكَائِنُونَ بَعْدَكَ؟! وذكر الواقديّ أيضاً في كتابه المشار إليه، ص 309، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال في حمزة وسائر شهداء احُد: أنَا الشَّهِيدُ على هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ. وأورد المولى المتّقي في «كنز العمّال» ج 11، ص 179، طبعة بيروت، حديثاً مماثلًا لهذا الحديث ورقمه 31122، عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أهْلَ القُبُورِ! لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمُ اللهُ مِنْهُ مِمِّا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ! هَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنْكُمْ، إنَّ هَؤُلَاءِ خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا ولَمْ يَأكُلُوا مِنْ اجُورِهِمْ شَيْئاً وخَرَجُوا وأنَا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ، وإنَّكُمْ مَنْ أكَلْتُمْ مِنْ اجُورِكُمْ ولَا أدْرِي مَا تُحْدِثُونَ مِنْ بَعْدِي. (ابن المبارك، عن الحسن مرسلًا).
[2] «الموطّأ» لمالك، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، ج 2، ص 461.
[3] «تنوير الحوالك» ج 2، ص 18.
[4] روى الشيخ المفيد في أماليه، ص 37 و38، طبعة جماعة المدرّسين، بسنده المتّصل عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنِّي على الحَوْضِ أنْظُرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيّ مِنْكُمْ ولَيُقْطَعَنَّ بِرِجَالٍ دُونِي، فَأقُولُ: يَا رَبِّ أصْحَابِي أصْحَابِي، فَيُقَالُ: إنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ! إنَّهُمْ مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ على أعْقَابِهِم القَهْقَرَى. قال في التعليقة: قال المجلسيّ: اعلم أنّ أكثر العامّة على أنّ الصحابة كلّهم عدول، وقيل: هم كغيرهم مطلقاً. قيل: هم كغيرهم إلى حين ظهور الفتن بين عليّ عليه السلام ومعاوية. وأمّا بعدها فلا يقبل الداخلون فيها مطلقاً. وقالت المعتزلة: هم عدول إلّا مَنْ عُلِمَ أنّه قاتل عليّاً عليه السلام فإنّه مردود. وذهبت الإماميّة إلى أنّهم كسائر الناس من أنّ فيهم العادل، وفيهم المنافق والفاسق والضالّ، بل كان أكثرهم كذلك! ولا أظنّك ترتاب بعد ملاحظة تلك الأخبار المأثورة من الجانِبَيْنِ المتواترة بالمعنى في صحّة هذا القول - انتهى كلام المجلسيّ رضي الله عنه.ىوذكر الشيخ محمّد جواد مغنية في «الشيعة والتشيّع» ص 13، أنّه جاء في الحديث النبويّ أنّ مُحَمَّداً يرى يَوْمَ القِيَامَةِ أكْثَرَ امَّتِهِ تَدْخُلُ النَّارَ. وحِينَ يَسْألُ عَنِ السَّبَبِ يُقَالُ لَهُ: إنَّهُمْ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ على أدْبَارِهِمُ القَهْقَرَى («كتاب الجمع بين الصحيحين» الحديث 267). وورد في «صحيح البخاريّ» ج 4، ص 144. وفي ج 8، ص 151، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال لأصحابه. سَتتَّبِعُونَ سُنَنَ مَن كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْراً بِشِبْرٍ وذِرَاعاً بِذِرَاعٍ حتى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ! قَالُوا: أ تَرَاهُمُ اليَهُودَ والنَّصَارَى؟! قَالَ: فَمَنْ إذَاً؟ وجاء في «صحيح البخاري» ج 7، ص 209: و«صحيح مسلم» في باب الحوض، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يُؤْتَى بِأصْحَابِي يَوْمَ القِيَامَةِ إلى ذَاتِ الشِّمَالِ. فَأقُولُ: إلى أيْنَ؟ فَيُقَال: إلى النَّارِ واللهِ، فَأقُولُ: يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ أصْحَابِي! فَيُقَالُ: إنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَكَ! فَأقُولُ: سَحْقاً لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي ولَا أرَاهُ يَخْلَصُ مِنْهُمْ إلَّا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ. وفي «سنن الترمذي» كتاب الإيمان؛ و«سند أحمد بن حنبل» ج 3، ص 120؛ و«سنن ابن ماجه» كتاب الفتن، ج 2، الحديث 3993، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: سَتَفْتَرِقُ امَّتِي إلى ثَلَاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةٍ، كُلُّهَا في النَّارِ إلَّا فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ.
[5] يلاحظ في كتب العامّة كثيراً أنّ الشيخين كانا حاضرين في بيعة الرضوان، وقد وعدا برضا الله تعالى، إذ قال: رضي الله عن المؤمنين، فهما -إذاً- من أهل الجنّة. ولقد تحدّثنا عن هذا الموضوع مفصّلًا وقلنا: أوّلًا: إنّ الرضا هنا مؤقّت حسب ما يستدعيه الحال، وما تستلزمه الجنّة هو عدم العدول، والرضا الدائم، وهذا ما لا ينسجم مع الانحراف وارتكاب الإثم والتلوّث بعد البيعة.
ثانياً: اثر حديث نبويّ شريف في الجزء العاشر من كتابنا هذا، الدرس 142، إلى 148، عن «المستدرك» للحاكم وفيه أنّ الرسول الأكرم قال لعمر: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ؛ إنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وهذا ما يمنع من كونهم من أهل الجنّة. ونقول هنا: أجمعت الشيعة والسنّة على أنّ رأس المنافقين والجاحدين عبد الله بن ابيّ من أهل جهنّم، في حين أنّه شهد بيعة الرضوان وبايع رسول الله. فلو كانت البيعة في الحديبيّة تحت الشجرة وحدها كافية لضمان الجنّة، لكان المذكور من أهل الجنّة أيضاً. وقال آية الله السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ في كتاب «النصّ والاجتهاد» ص 153، الطبعة الثانية، في المتن والتعليقة: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة مستهلّ ذي القعدة سنة ستّة للهجرة يريد العمرة ... فاستنفر الناس إلى العمرة معه، فلبّاه من المهاجرين والأنصار وغيرهم من الأعراب ألف وأربعمائة رجل. وكان ممّن خرج معه المغيرة بن شعبة، وعبد الله بن ابيّ بن سلّول وبايعاه تحت الشجرة.
وقال في ص 156: ثمّ أخذ منهم البيعة فبايعوه بأجمعهم على الموت في نصرته، وكانوا ألفاً وأربعمائة رجل فيهم كهف المنافقين ابن سلّول، لم يتخلّف منهم عن هذه البيعة إلّا رجل يدعى الجدّ بن قيس الأنصاريّ.
[6] قال العالم المصريّ الخبير المتضلّع الشيخ محمود أبو ريّة في كتابه القيِّم: «أضواء على السنّة المحمّديّة» ص 295 و296، الطبعة الثانية، في المتن والتعليقة: قال الشافعيّ: أصحّ الكتب بعد كتاب الله موطّأ مالك. وقال الدهلويّ في «حجّة الله البالغة»: إنّ الطبعة الأولى من كتب الحديث منحصرة بالاستقراء في ثلاثة كتب: «الموطّأ» و«صحيح البخاريّ» و«صحيح مسلم»، والثانية: كتب لم تبلغ مبلغ «الموطأ» والصحيحين ولكنّها تتلوها، «سنن أبي داود» و«الترمذيّ» و«النسائيّ»، والثالثة: مسانيد ومصنّفات صنّفت قبل البخاريّ ومسلم، وفي زمانهما وبعدهما -جمعت بين الصحيح، والحسن، والضعيف، والمعروف، والغريب، والشاذّ، والمنكر، والخطأ، والصواب، والثابت، والمقلوب- وعلى الطبقة الثانية اعتماد المحدّثين. ونقل السيوطيّ في «تنوير الحوالك» عن القاضي أبي بكر بن العربيّ أنّ «الموطّأ» هو الأصل الأوّل، و«البخاريّ» هو الأصل الثاني. وأنّ مالكاً روى مائة ألف حديث اختار منها في «الموطّأ» عشرة آلاف، ثمّ لم يزل يعرضها على الكتاب والسنّة (أي: السنّة العمليّة) حتى رجعت إلى خمسمائة حديث، أي: الحديث المسند،، ورواية ابن الهباب: ثمّ لم يزل يعرضه على الكتاب والسنّة ويختبرها بالآثار والأخبار حتى رجعت إلى 500 حديث. ووردت هناك روايات اخرى منها: «ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصحّ من كتاب مالك»، و«لا أعلم كتاباً في العلم أكثر صواباً من كتاب مالك»، «ما على الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك»، و«ما بعد كتاب الله أنفع من الموطأ». وأطلق جماعة على «الموطّأ» اسم الصحيح.، الحديث المسند هو الحديث الذي رفعه الصحابيّ بسنده إلى الرسول الأكرم. وهو ظاهر الاتّصال. والمُرسل ما سقط من سنده الصحابيّ بأن يرويه التابعيّ عن رسول الله مباشرة. والموقوف ما اضيف إلى الصحابيّ قولًا أو فعلًا أو نحوه متّصلًا كان أو منقطعاً. والمرفوع هو ما أخبر فيه الصحابيّ عن رسول الله. (الشيخ محمود أبو ريّة رحمه الله).
[7] حرف الذال، ص 86، العمود الثالث.
[8] ذكر ابن أبي الحديد غزوة احُد مفصّلًا في «شرح نهج البلاغة» ج 15، ص 3 إلى 60، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.
[9] «روضة الصفا» مير خواند، ج 2، الطبعة الحجريّة. وقال القمّيّ في «سفينة البحار» ج 1، ص 412: قال القاضي عياض في «الشفاء»: وروى أنّه لمّا كسرت رباعيّته وشجّ وجهه يوم احُد، شقّ ذلك على أصحابه شديداً وقالوا: لو دعوتَ عليهم! فقال: إنّي لم ابعث لعّاناً ولكنّي بُعِثتُ داعياً ورحمة. اللهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون.ثمّ قال القاضي بعد رواية اخرى قريبة من ذلك: انظر ما في هذا القول من جماع الفضل ودرجات الإحسان وحسن الخُلق وكرم النفس وغاية الصبر والحلم، إذ لم يقتصر صلى الله عليه وآله على السكوت عنهم حتى عفى عنهم ثمّ أشفق عليهم ورحمهم ودعا وشفّع لهم، فقال: اللهمّ اغفر أو اهدِ، ثمّ أظهر بسبب الشفقة والرحمة بقوله: لقومي، ثمّ اعتذر عنهم بجهلهم، فقال: فإنّهم لا يعلمون.أقول: ما أجمل ما أنشده الشاعر الفارسيّ في وصفه صلى الله عليه وآله:اي قمر طلعت ومكّى مطلع***مَدَنى مهد ويمانى برقعشقّة برقع تو برق افروز***لمعة نور رُخت برقع سوزليلة القدر ز مويت ثارى***وحى منزل ز لبت گفتارىبا تو آنان كه در جنگ زدند***دُرّ دندان تو را سنگ زدندگوهرين جام لبت را خستند***ساغر دولت خود بشكستنددُر دندانت به خون پنهان شد***رشته لؤلو تو مرجان شدگوئيا صيرفى مُلك ومَلَك***زد از آن سنگ زرت را به محكلا جرم حُقّهات از ضربت سنگ***اهد قومى به برون داد آهنگيقول: «يا قمر الطلعة ويا مكّيّ المطلع، يا مدنيّ المهد ويا يمانيّ البرقع.إنّ قطعة برقعك تضيء البرق، وإنّ تألّق نور وجهك يُحرق البرقع.إنّ ليلة القدر شعرة واحدة منك، وإنّ الوحي المنزل كلام من شفتك.إنّ الذين طرقوا عليك باب القتال، وحَصَبوا درّ أسنانك.و جرحوا شفتك التي هي كالجوهرة، إنّما كسروا كأس حظّهم.لقد اختفى درّ أسنانك بالدم، وصارت أسنانك مرجاناً.كأنّ صيرفيّ المُلك والمَلَك (الله تعالى) أراد أن يضع حجر ذهبك على المحك (أراد اختبارك).لا جَرَم أنّ ما نطق به فمك وما ردّدته نغمة صوتك بعد ضربك بالحجر هو دعاؤك: اللهمّ اهدِ قومي إنّهم لا يعلمون».
[10] «شرح نهج البلاغة» ج 15، ص 5، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.
[11] العاثور حفرة تُحفر للأسد. ويعني البئر أيضاً. جمعه عواثر وعواثير.
[12] «شرح نهج البلاغة» ج 15، ص 17 و18، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.
[13] الآية 128، من السورة 3: آل عمران.
[14] «شرح نهج البلاغة» ج 15، ص 4. وذكره أيضاً ابن هشام في سيرته ج 3، ص 597، ومير خواند في «روضة الصفا» ج 2 من الطبعة الحجريّة، والطبريّ في تاريخه، طبعة دار المعارف، مصر، ج 2، ص 515. وقال الواقديّ في مغازيه، ج 1، ص 320 بعد ذكر هذه الآية المباركة عند تفسير قوله: فَإنَّهُمْ ظَالِمُونَ: يعني الذين انهزموا يوم احُد.
[15] «سيرة ابن هشام» ج 3، ص 610 و611. وذكر الطبريّ في تاريخه، ج 2، ص 529، طبعة دار المعارف، مصر: كانت صفيّة اخت حمزة لأبيه وامّه. وقال رسول الله لابنها الزبير بن العوّام: إلقها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها. فلقيها الزبير وأبلغها. فقالت: لِمَ أرجع! وذلك في الله قليل. فما أرضانا بما كان من ذلك! لأحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء الله.
[16] الآيتان 126 و127، من السورة 16: النحل.
[17] «سيرة ابن هشام» ج 3، ص 611.
الاكثر قراءة في مقالات عقائدية عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)