إنّ الأجوبة التي قدّمها علماء العامّة لهذا الحديث تتمثّل في أنّ مراد رسول الله صلى الله عليه وآله من هذه الكتابة لم يكن الوصيّة لعليّ بن أبي طالب عليه السلام، وتعود محصّلة تلك الأجوبة إلى عدد من الأجوبة، هي: الأوّل: لعلّ رسول الله حين أمرهم بإحضار الدواة والكتف لم يكن قاصداً لكتابة شيء من الأشياء، وإنّما أراد بكلامه مجرّد اختبارهم، هل يطيع أحد أمره أم لا؟ كاختبار الله تعالى إبراهيم في ذبح ولده، اذ لم يكن القصد حقيقة الذبح، بل هو اختبار إبراهيم عليه السلام.
وتنبّه عمر الفاروق وحده هنا لهذه النقطة دون غيره من الصحابة، فمنعهم من الإحضار، فيجب -على هذا- عدّ تلك الممانعة في جملة كراماته وموافقاته لربّه تعالى.
ولا يصحّ هذا الجواب، لأنّ قوله: لَا تَضِلُّوا يأبى ذلك، لأنّه جواب ثان لأمر رسول الله: ائْتُونِي، وجوابه الأوّل: أكْتُبْ. فمعناه أنّكم إن أتيتم بالدواة والكتف، أكتب لكم، وإذا كتبتُ لا تضلّوا بعده! ولا يخفى أنّ الإخبار بمثل هذا الخبر لمجرّد الاختبار إنّما هو نوع من الكذب الواضح الذي يجب تنزيه كلام الأنبياء عليهم السلام عنه، لا سيّما في موضع يكون ترك إحضار الدواة والكتف أولى من إحضارهما.
مضافاً إلى ذلك، أنّ صريح الحديث يدلّ على أنّ هذه الواقعة إنّما كانت حال احتضار رسول الله، فالوقت لم يكن وقت اختبار، وإنّما كان وقت إعذار وإنذار، ووصيّة بكلّ مهمّة، ونظر في الامور الواجبة الذكر، ونصح تامّ للُامّة.
والمحتضر بعيد عن الهزل والمفاكهة، مشغول بنفسه وبمهمّاته، ومهمّات ذويه، ولا سيّما إذا كان نبيّاً. وإذا كانت صحّته مدّة حياته كلّها لم تسع اختبارهم، فكيف يسعها وقت احتضاره؟
على أنّ قوله صلى الله عليه وآله حين أكثروا اللغو واللَّغَط والاختلاف عنده: «قوموا» ظاهر في استيائه منهم. ولو كان الممانعون مصيبين لاستحسن ممانعتهم، وأظهر الارتياح إليها.
ومَن ألَمَّ بأطراف هذا الحديث، وبخاصّة قول عمر: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ يقطع بأنّهم كانوا عالمين أنّه إنّما يريد أمراً يكرهونه، ولذا تجاسروا بكلمة هَجَرَ رَسُولُ اللهِ تلك وأكثروا عنده اللغو واللغط والاختلاف كما لا يخفى، وبكاء ابن عبّاس بعد ذلك لهذه الحادثة، وعدّها رزيّة دليل على بطلان هذا الجواب.
ولو كان هذا الأمر للاختبار، فإنّه دليل على ذمّ عمر لا مدحه، لأنّه سقط فيه! ونحن نجد في الأمر الاختباريّ كما في قصّة إبراهيم عليه السلام أنّه عمل حسب الأمر الموجَّه إليه، لكنّ الله حال بينه وبين تنفيذ العمل. أمّا عمر فإنّه لم يأتمر بل خالف منذ البداية. ولو قام وأتى بالكتف والدواة، ومنعه رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك، لكان هذا التسويغ موجّهاً، بَيدَ أنّ الموضوع على عكس ذلك!
الثاني: إنّ أمره صلى الله عليه وآله هنا لم يكن أمر عزيمة وإيجاب حتى لا يجوز ردّه، ويصير الرادّ عاصياً، بل كان أمر مشورة. لأنّ الناس كانوا يردّون كلام النبيّ في بعض تلك الأوامر، ولا سيّما عمر، فإنّه كان يعلم من نفسه أنّه موفّق للصواب في إدراك المصالح، وكان صاحب إلهام من الله تعالى. وقد أراد التخفيف عن النبيّ إشفاقاً عليه من التعب الذي يلحقه بسبب إملاء الكتاب في حال المرض والوجع، وقد رأى أنّ ترك إحضار الدواة والبياض أولى.
وربّما خشى أن يكتب النبيّ صلى الله عليه وآله اموراً يعجز الناس فيستحقّون العقوبة بسبب ذلك، لأنّها تكون منصوصة لا سبيل إلى الاجتهاد فيها.
ولعلّه خاف من المنافقين أن يقدحوا في صحّة ذلك الكتاب لكونه في حال المرض فيصير سبباً للفتنة، فقال: حَسبُنَا كِتَابُ اللهِ لقوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ.[1] وقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي.[2] وكأنّ عمر أ مِنَ من ضلال الامّة حيث أكمل الله لها الدين وأتمّ عليها النعمة، لذا قال: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ.
وهذا الجواب لا يصحّ أيضاً، لأنّ قول رسول الله صلى الله عليه وآله: لَا تَضِلُّوا يفيد أنّ الأمر أمر عزيمة وإيجاب لا أمر مشورة. لأنّ السعي فيما يوجب الأمن من الضلال واجب مع القدرة عليه بلا ارتياب. واستياء النبيّ صلى الله عليه وآله منهم وقوله لهم: قوموا، حين لم يمتثلوا أمره دليل آخر على أنّ أمره إنّما كان للإيجاب لا للمشورة.
ومضافاً إلى ذلك فإنّهم قالوا: إنّ عمر كان موفّقاً للصواب في إدراك المصالح، وكان صاحب إلهام من الله تعالى. وهذا ممّا لا يُصغي إليه في مقامنا هذا، لأنّه يرمي إلى أنّ الصواب في هذه الواقعة إنّما كان في جانبه لا في جانب النبيّ صلى الله عليه وآله، وأنّ إلهام عمر يومئذٍ كان أصدق من الوحي الذي نطق عنه الصادق الأمين صلى الله عليه وآله.
وإذا قال أحد هنا لردّ الأمر الإيجابيّ: لو كان الإتيان بالدواة والكتاب واجباً، وكانت الكتابة واجبة على النبيّ، ما تركها بمجرّد مخالفتهم، كما أنّه لم يترك التبليغ بسبب مخالفة الكافرين.
وجوابه: لو تمّ هذا الكلام، فإنّما يفيد كون كتابة ذلك الكتاب غير واجبة على النبيّ صلى الله عليه وآله. وهذا لا يُنافي وجوب الإتيان بالدواة والكتف عليهم حين أمرهم النبيّ به، وبيّن لهم أنّ فائدته الأمن من الضلال ودوام الهداية لهم. إذ الأصل في الأمر إنّما هو الوجوب على المأمور، لا على الأمر، ولا سيّما إذا كانت فائدته إلى المأمور خاصّة، والوجوب عليهم هو محلّ الكلام، لا الوجوب عليه. على أنّه يمكن أن يكون واجباً على النبيّ أيضاً، ثمّ سقط الوجوب عنه بعدم امتثالهم، وقولهم: هَجَرَ، حيث لم يبق لذلك الكتاب أثر سوى الفتنة والفساد.
الثالث: إنّ عمر لم يفهم من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله أنّ ذلك الكتاب سيكون سبباً لحفظ كلّ فرد من أفراد الامّة من الضلال، بحيث لا يضلّ بعده منهم أحد أصلًا، وإنّما فهم من قوله: لا تضلّوا، أنّكم لا تجتمعون على الضلال بقضّكم وقضيضكم، وكان يعلم أنّ اجتماعهم على الضلال ممّا لا يكون أبداً، وبسبب ذلك لم يجد أثراً لكتابته. وظنّ أنّ مراد النبيّ ليس إلّا زيادة الاحتياط في الأمر، لما جُبِل عليه من وفور الرحمة. فعارضه تلك المعارضة بناءً منه على أنّ الأمر ليس للإيجاب.
وهذا الجواب غير سديد أيضاً، لأنّ قوله: لا تضلّوا يفيد أنّ الأمر للإيجاب، واستياءه منهم دليل على أنّهم تركوا أمراً من الواجبات عليهم.
وهذا المعنى هو المتبادر من الحديث إلى أفهام الناس، وفهم القرويّ والحضريّ على أنّه لو كُتب، لكان علّة تامّة في حفظ كلّ فرد من الضلال. وعمر لم يكن بهذا المقدار من البعد عن الفهم، فيفهم أنّ مراده عدم اجتماع الامّة على الضلال.
وكان عمر يعلم يقيناً أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله لم يكن خائفاً على امّته أن تجتمع على الضلال، لأنّه كان يسمع قوله صلى الله عليه وآله: لَا تَجْتَمِعُ امتِي عَلَى ضَلَالٍ. ولَا تَجْتَمِعُ عَلَى الخَطَأ. وكان يسمع قوله: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ امَّتِي ظَاهِرينَ عَلَى الحَقِّ. وكان يقرأ قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً.[3] إلى كثير من نصوص الكتاب والسنّة الصريحين بأنّ الامّة لا تجتمع بأسرها على الضلال.
فلا يعقل مع هذا أن يسنح في خواطر عمر أو غيره أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله حين طلب الدواة والكتف كان خائفاً من اجتماع امّته على الضلال. والذي يليق بعمر أن يفهم من الحديث ما يتبادر منه إلى الأذهان، لا ما تنفيه صِحاح السنّة ومحكمات القرآن.
على أنّ استياء رسول الله منهم دليل على أنّ الذي تركوه كان من الواجب عليهم. ولو كانت معارضة عمر عن اشتباه منه في فهم الحديث كما زعموا، لأزال النبيّ شبهته، وأبان له مراده منه، بل لو كان في وسع النبيّ أن يقنعهم بما أمرهم به، لما آثر إخراجهم عنه.
وبكاء ابن عبّاس وجزعه من أكبر الأدلّة على ما نقوله. والإنصاف أنّ هذه الرزيّة من أعظم الرزايا التي حلّت بالنبيّ والإسلام والشرف والإنسانيّة، وهي ممّا يضيق عنها نطاق العذر عن عمر دفاعاً عن ساحته.
وقولهم: خاف عمر من المنافقين أن يقدحوا في صحّة ذلك الكتاب لكونه صلى الله عليه وآله في حال المرض، فيصير سبباً للفتنة، اعتباط ومحال، مع وجود قوله صلى الله عليه وآله: لا تضلّوا، لأنّه نصّ بأنّ ذلك الكتاب سبب للأمن عليهم من الضلال، فكيف يمكن أن يكون سبباً للفتنة بقدح المنافقين؟
وإذا كان عمر خائفاً من المنافقين أن يقدحوا في صحّة ذلك الكتاب، فلما ذا بذر لهم بذرة القدح، حيث عارض ومانع وقال: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ.
وأمّا قولهم في تفسير قوله: حسبنا كتاب الله أنه تعالى قال: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» وقال: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» فغير صحيح، لأنّ الآيتين لا تفيدان الأمن من الضلال، ولا تضمنان الهداية للناس. فكيف يجوز ترك السعي في ذلك الكتاب اعتماداً عليهما؟
ولو كان وجود القرآن العزيز موجباً للأمن من الضلال، لما وقع في هذه الامّة من الضلال والتفرّق ما لا يُرجَى زواله.
ولم يكن مراد رسول الله من الكتاب كتابة الأحكام، حتى يقال في جوابه: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ. ولو فرض أنّ مراده كان كتابة الأحكام، فلعلّ النصّ عليها منه كان سبباً للأمن من الضلال، فلا وجه لترك السعي في ذلك النصّ اكتفاءً بالقرآن.
ولو فرضنا أنّه لم يكن لذلك الكتاب أثر إلّا الأمن من الضلال بمجرّده، لما صحّ تركه والإعراض عنه أيضاً اعتماداً على أنّ كتاب الله جامع لكلّ شيء. وهذا كلام لا يُعقَل.
إنّ الامّة الإسلاميّة بحاجة ماسّة إلى السنّة المقدّسة، ولا تستغني عنها بكتاب الله تعالى وإن كان جامعاً مانعاً، لأنّ الاستنباط منه غير مقدور لكلّ أحد.
ولو كان كتاب الله مغنياً عن بيان الرسول، ما أمر الله نبيّه ببيانه للناس، إذ قال: وأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ.[4]
وأجاب البعض عن فعل عمر بأنّه على خلاف سيرة القوم كَفَرْطَةٍ سَبَقَتْ وفَلْتَةٍ نَذَرَتْ. ونحن لا نعلم وجه صحّته مفصّلًا.
وهذا غير سديد أيضاً، لأنّ القضيّة لو كانت زلّة مؤقّتة مضت في وقتها ولم تُعْقِب شيئاً، لأمكن التغاضي عنها. بَيدَ أنّها لم تكن كذلك، إذ أعقبت نتائج سيّئة للنبوّة والولاية وحياة البشريّة والمسلمين حتى قيام قائم آل محمّد صلى الله عليه وآله.
إنّ هذه الفرطة والفلتة كعمل ضئيل يسير يتمثّل في إصدار قائد الجيش أمراً يُبيد فيه جنوده برمّتهم. وهي كالضغط على زرّ قنبلة هيدروجينيّة أو ذرّيّة، فيحيل الضاغط قارّة بأسرها رماداً على غرّة. وينبغي أن لا نقول عملًا ضئيلًا يمكن التغاضي عنه، إذ لا بدّ أن نرى مدى أثره إلى أقصى مداه في العالم. مضافاً إلى ذلك، أنّنا لم نجد أنّ عمر قد ندم على عمله، بل كان يزداد انتهاكاً وتعدّياً على مرِّ الأيّام منذ الوقت الذي رتّب فيه ذلك المجلس المعروف. فهل يمكن التغاضي عن هذا الإصر؟!
[1] الآية 38، من السورة 6: الأنعام.
[2] الآية 3، من السورة 5: المائدة.
[3] الآية 55، من السورة 24: النور.
[4] الآية 44، من السورة 16: النحل.
و الأجوبة الواردة في البحث الحادي عشر، التي قدّمها علماء العامّة للدفاع عن عمر في ردّ كتابة رسول الله، وأجوبتها كلّها مأخوذة من الكتاب النفيس الثمين «المراجعات» ص 246 إلى 251، المراجعتان 87 و88، الطبعة الأولى. وكان المرحوم آية الله السيّد شرف الدين العامليّ قد سافر إلى مصر سنة 1329 هـ. وناظر فيها أحد علمائها الأعلام -الذي كان شيخ الإسلام في ربوعها- ثمّ تبودلت مناظراتهما عبر المراسلة. وقد طُبع هذا السِّفر الكريم لحدّ الآن (سنة 1410 هـ) عشرين مرّة. ورحّب جميع المسلمين بموضوعاته، وتشيّع الكثيرون من إخواننا السُّنَّة ببركة مطالعته. وهو من الكتب الخالدة. وينبغي للجميع مطالعته.