إنّ النبيّ والإمام الحاملَين للقرآن الحافظَين له هما مع القرآن الكريم في المراحل الملكوتيّة والمُلكيّة برمّتها، وهذا الموضوع شرط ولايتهما الكلّيّة، إذ هما مع كلّ موجود في كلّ عالم، ولا يفترقان عنه أبداً.
روى عليّ بن إبراهيم القمّيّ في تفسيره، والمجلسيّ في «بحار الأنوار» عن كتاب «الغيبة» للنعمانيّ، بثلاثة أسناد عن أمير المؤمنين، والباقر، والصادق عليهم السلام أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله قال في خطبته المشهورة التي ألقاها في حجّة الوداع في مسجد الخيف: إنِّي وإنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَى الحَوْضِ، حَوْضاً عَرْضُهُ مَا بَيْنَ بُصْرَي[1] إلى صَنْعَاءَ، فيه قِدْحَانٌ[2] عَدَدَ نُجُومِ السَّمَاءِ، وإنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: الثَّقَلُ الأكْبَرُ القُرْآنُ، والثَّقَلُ الأصْغَرُ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، هُمَا حَبْلُ اللهِ مَمْدُودٌ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَمْ تَضِلُّوا، سَبَبٌ مِنْهُ بِيَدِ اللهِ وسَبَبٌ بِأيْدِيكُمْ.[3]
وفي حديث آخر: طَرَفٌ مِنْهُ بِيَدِ اللهِ وطَرَفٌ مِنْهُ بِأيْدِيكُمْ، إنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ قَدْ نَبَّأنِي أنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ، كَإصْبَعَيّ هَاتَيْنِ -وَ جَمَعَ بَيْنَ سَبَّابَتَيْهِ- ولَا أقُولُ كَهَاتَيْنِ - وجَمَعَ بَيْنَ سَبَّابَتِهِ والوُسْطَى فَتَفْضُلَ هَذِهِ عَلَى هَذِهِ.
ونقل المجلسيّ عن كتاب «العلل» لمحمّد بن عليّ بن إبراهيم أنّ العلّة في قوله صلى الله عليه وآله «لن يفترقا حتى يردا عَلَيّ الحوض» أنّ القرآن معهم في قلوبهم في الدنيا، فإذا صاروا إلى عند الله عزّ وجلّ كان معهم. ويوم القيامة يردون الحوض وهو معهم.[4]
والطريف في هذا الخبر قوله: هُمَا حَبْلُ اللهِ مَمْدُودٌ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ اللهِ عَزَّ وجَلَ. أي: كما أنّ القرآن من الله لخلقه، وكلام الله الصادر عن عالم التجرّد لكم أيّها البشر في عالم الطبيعة -فهو حبل ممدود من هناك إلى هنا- فكذلك عترة رسول الله، إذ هم من الله، وهم كلمته التكوينيّة الإلهيّة من عالم التجرّد لكم أيّها الناس المغمورون في عالم الحسّ والشهادة، وهم الحبل المعنويّ والحقيقيّ وواسطة الفيض من الله إلى خلقه، وهداية خلق الله إلى الله بأمر الله الملكوتيّ.
وهذا هو المراد من الولاية الكلّيّة والسيطرة التكوينيّة والوجوديّة لتلك الذوات المقدّسة على عوالم الوجود بأسرها، وهو معنى الولاية نفسه. وكون القرآن معهم، وهم معه في كلّ عالم من هذه العوالم يفيد أنّنا لو أردنا -فرضاً- أن نلقي القرآن في نقطةً من النقاط بدونهم، فهذا يعني أنّنا لا قرآن عندنا، ولو أردنا أن نلقاهم في موطن من المواطن خالين من القرآن فهذا يعني أنّنا لا أئمّة عندنا.
وفي ضوء هذا المنطق، نجد أنّ قول القائل: عِنْدَكُمُ القُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ خلاف ضرورة العقل والقواعد القويمة للشرع المبين. والمعادلة التي نستنتجها هي:
كتاب الله -عترة رسول الله = كتاب الله- كتاب الله.
إذ إنّ كتاب الله جعل كلام رسول الله وسنّته حجّة، وكلام رسول الله هو الذي نطق بكتاب الله. ولا شبهة ولا تردّد عند أحد المسلمين في وجوب اتّباع كتاب الله والعمل به. بينما جعل كتابُ الله أمَر رسول الله ونهيه وكلامه وسنّته وخطّه ومنهاجه ووصيّته حجّةً، وعليه قدّم رسول الله عترته الذين هم أهل بيته بوصفهم القائمين بالأمر، والأئمّة، والامراء، والقادة، والسادة، والرؤساء، والحكّام، وحرّاس كتاب الله، وحافظيه، ومُبيّنيه، ومفسّريه، وحامليه، وصائنيه، والعلماء به، ومعلّميه. وكما كان واجباً على الناس في عصره أن يرجعوا إليه، ويأخذوا منه كتاب الله علماً وعملًا، وينظروا إليه على أنّه الإمام والاسوة والمقتدى وواجب الطاعة، فكذلك عرّف رسول الله عترته بعده بهذه المنزلة والمكانة، وجعل الإمامة فيهم واحداً بعد آخر حتى مهديّهم وقائمهم عليهم السلام.
النتيجة: العمل بكتاب الله واجب، والعمل بسنّة رسول الله على أساس كتاب الله واجب. وحينئذٍ يكون العمل بمنهاج العترة وخطّها، واتّباعها على أساس سنّة رسول الله واجباً أيضاً.
لو فرضنا هنا أنّنا لا نملك دليلًا روائيّاً وتاريخيّاً وتفسيريّاً من كتب العامّة في وجوب طاعة أهل البيت وإمامتهم وخلافتهم -في حين نجد أنّ كتبهم مشحونة بذلك وقد بلغت في الكثرة مبلغاً أنّنا قد لا نجد مثلها في كتب الشيعة وأثبتنا حقّانيّتهم ووصايتهم وخلافتهم بلا فصل، ولزوم اتّباعهم اعتماداً على كلامهم وكتبهم كـ «الاصول الأربعمائة»، و«نهج البلاغة»، و«الصحيفة السجّاديّة»، و«مصحف فاطمة»، وكتاب عليّ، والأحاديث المتقنة الموثوقة من طرق الشيعة كسُلَيْم بن قيس الهلاليّ، لكفانأ ذلك، وكانت الحجّة قد تمّت على عامّة المسلمين، ولا يلزم الدَّوْر، فيُقال: إنّ إثبات إمامتهم يبتني على صحّة هذه المطالب، وصحّة هذه المطالب تبتني على إثبات إمامتهم. وهذا هو الدَّوْر.
ذلك أنّنا نثبت مطالبهم ولزوم اتّباعهم من كلام رسول الله، إذ جعلهم حجّة في أحاديثه المتواترة كحديث الغدير، وحديث الثقَلَين، وحديث السفينة، وحديث باب حطّة بني إسرائيل وأمثالها التي وصلت إلينا بالتواتر. وينبغي أن يعتقد أهل العلم والاطّلاع من المسلمين جميعهم بتواترها وثبوتها.
وعلى هذا فإنّ إثبات كلام أمير المؤمنين في «نهج البلاغة» أو سائر كلمات الأئمّة وأقوالهم، أو حديث الثقلين محرزٌ، إذ يصدّقه الطرفان. فكيف يستلزم الدَّوْر؟
[1] بُصري قريبة من دمشق، وصنعاء مدينة عامرة باليمن مليئة بالمياه والأشجار. وقصد النبيّ هنا سعة الحوض، إذ يشغل مساحة الجزيرة العربيّة كلّها، لأنّ صنعاء في جنوبها، وبصري في شمالها.
[2] جاء في كتب اللغة جميعها أنّ جمع قدح أقداح، كما ورد في «المصباح المنير»، و«لسان العرب»، و«مجمع البحرين» مثل سَبَب أسباب.
[3] «تفسير القميّ» ص 4 و5؛ و«بحار الأنوار» ج 92، ص 102 و103، عن كتاب «الغيبة» للنعمانيّ، ص 17.
[4] «بحار الأنوار» ج 92، ص 106.