

الحياة الاسرية

الزوج و الزوجة

الآباء والأمهات

الأبناء

مقبلون على الزواج

مشاكل و حلول

الطفولة

المراهقة والشباب

المرأة حقوق وواجبات


المجتمع و قضاياه

البيئة

آداب عامة

الوطن والسياسة

النظام المالي والانتاج

التنمية البشرية


التربية والتعليم

التربية الروحية والدينية

التربية الصحية والبدنية

التربية العلمية والفكرية والثقافية

التربية النفسية والعاطفية

مفاهيم ونظم تربوية

معلومات عامة
مصادر الفرح
المؤلف:
السيد مهدي الخطيب
المصدر:
مهارات الحياة
الجزء والصفحة:
ص107ــ131
2026-04-13
11
تخيل لحظةً تكون فيها مفعمًا بالحركة والنشاط والحيوية، ناشئة من انشراح صدرك وارتياحك النفسي. تشعر بالفرح إزاء هذه الحالة، ولكن فجأة تعتريك حالة من الخمول والوهن فما هو المصدر الذي يُولد حالة الفرح والنشاط من جهة، والخمول والكسل من جهة أخرى؟ بعض الروايات تناولت هذا الموضوع، وأرشدتنا إلى مصادر الفرح ومنابعه.
أ- العلاقات الاجتماعية
يرى الفارابي، مؤسس الفلسفة السياسية الإسلامية، أن الإنسان اجتماعيٌّ بطبعه، وأن هذه الصفة ضرورية لبقائه. فبحسب رأيه، إنّ ما يدفع الإنسان إلى السعي والنشاط ويقربه من الحياة الجماعية، هو حاجاته الطبيعية. فلا يستطيع الناس تلبية حاجاتهم من دون التعاون فيما بينهم، ولا يكون ذلك ممكنا إلا عبر العلاقات الاجتماعية. وقد أشارت النصوص الدينية إلى زيارة الأصدقاء والتحاور مع الآخرين في سياق الحديث عن العلاقات الاجتماعية. يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((ثَلَاثٌ فَرَحَاتٌ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيا: لِقَاءُ الْإِخْوَانِ، وَتَنْظِيرُ الصَّائِمِ، وَالتَّهَجُدُ مِنْ آخر الليل))(1).
إن لقاء الأصدقاء، ولو كان يسيرًا، يهيئ الأرضية للنشاط والانشراح يقول الإمام الباقر (عليه السلام): ((مُلَاقَاةُ الْإِخْوَانِ نُشْرَةٌ وَتَلْقِيحُ لِلْعَقْلِ وَإِنْ كَانَ نَزْرًا قَلِيلًا))(2).
في بعض التعاليم الدينية، ارتبطت العلاقات الاجتماعية ولقاء الأصدقاء بروح الإيثار وقضاء حوائج الآخرين، واعتبرت سببًا في تحقيق السعادة الدائمة. ومن منظور الدين، تُعدّ العلاقات التي تسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وتبعث النشاط والفرح في المجتمع منبعةً للسعادة. يقول الإمام أبو الحسن (عليه السلام): ((إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا فِي الْأَرْضِ يَسْعَوْنَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ، هُمُ الْآمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ أَدْخَلَ عَلَى مُؤْمِنٍ سُرُورًا فَرَّحَ اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))(3).
في رواية أخرى، عُدّ الحديث والمحادثة من العوامل المؤدية إلى الانشراح والنشاط. يقول الإمام الصادق (عليه السلام): ((النشرة في عَشَرَةِ أَشْيَاءَ... وَمُحَادَثَةِ الرِّجَالِ))(4).
في الروايات المتقدّمة، عُدّ لقاء الأصدقاء والتحادث معهم من مصادر الانشراح وبواعث السعادة؛ وذلك لأن هذه العلاقات تنطوي على تبادل ردود فعل إيجابية وملائمة بين الطرفين ما يُعد نوعا من المكافأة ويؤدّي إلى تقوية العلاقة، وفي نهاية المطاف إلى توليد مزاج إيجابي. ويُعدّ عامل العلاقات الاجتماعية على الأرجح، السبب الأكبر في تحقيق الهناء وسائر أبعاد الصحة النفسية. إن التواجد مع الأصدقاء ومع من نحبّ يُفضي إلى خلق إيجابي. وهذا العامل، الذي يمثل المصدر الرئيس للأحداث الإيجابية في الحياة، يُختار غالبًا ليكون وسيلة فعالة في العلاج النفسي الممتع. لكن، هل كلّ علاقة اجتماعية تُفضي إلى النشاط والانشراح؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب إدراك ظاهرة تُسمّى ((المجاورة بلا مودة)). ففي هذه الظاهرة، يكون الناس متجاورين جسديا، لكن دون أن تسود بينهم المودة أو الألفة والحال أن الأنس بالآخرين يُعدّ من الحاجات الإنسانية الجادّة. فالإنسان لا يحتاج إلى الآخرين فقط لتلبية حاجاته المادية، بل لتلبية احتياجاته العاطفية أيضًا، فهو بحاجة إلى الأنس بهم وعليه فإنّ الألفة والمودة تُعدّ من أهم العوامل في تحقق الرضا والهناء.
لقد أظهرت الشواهد أن إقامة بعض العلاقات المحدودة والوثيقة مع الآخرين يرتبط بالسعادة والصحة النفسية. على سبيل المثال، اكتشف دينر وسليجمان (2002)، من خلال دراسة حول 10٪ من أسعد الأفراد في مجموعة مكونة من 222 طالبًا، أن أبرز سماتهم هي امتلاك حياة اجتماعية غنية ومُرضية. كان هؤلاء الطلاب يقضون جزءا مهما من وقتهم في المعاشرة مع الأصدقاء، وقد تم تصنيفهم من قبل أنفسهم وأصدقائهم بمستوى ممتاز من حيث إقامة الصداقات الوثيقة والحفاظ عليها من المحتمل أن ترتبط العلاقات والصداقات المحدودة بالسعادة لثلاثة أسباب أوّلاً، أنَّ الأشخاص السعداء يختارون كأصدقاء وأفراد جديرين بالثقة أكثر من غيرهم، لأنهم أكثر جاذبية ويقدّمون مساعدة أكبر للآخرين؛ ثانيًا، أنَّ العلاقات والصداقات المحدودة تلبي الحاجة إلى المودة، وبالتالي تصبح مصدرا للشعور بالسعادة والرضا ثالثا، أن الصداقات الوثيقة تُوفّر الدعم الاجتماعي.
ب ـ الرياضة
من المسائل التي أكد عليها الإسلام وأولاها اهتماما بالغا: الرياضة. فالحركة والنشاط الجسدي يؤديان إلى نشوء حالة من البهجة والنشاط والتمارين الرياضية تُعدّ أسهل وأقوى وسيلة لإحداث المزاج الإيجابي ضمن الشروط التجريبية. وتبلغ آثارها من الوضوح حدا يجعل من التمارين الرياضية عاملاً مضادا للاكتئاب في بعض الأحيان، وتُستخدم في معالجة حالات الاكتئاب ويرتبط هذا الأثر إلى حد ما بالتأثير الفيزيولوجي للرياضة على إفراز الإندورفينات وإيجاد شعور بالقوة والسيطرة؛ ذلك في الوقت الذي يبدو فيه أنّ الجسد يؤدي وظيفته الطبيعية. وللرياضة بعد اجتماعي أيضًا، إذ تمارس عادةً بمرافقة الآخرين. كما تحافظ الرياضة على العزة الذاتية، لا فقط عند الفوز في المسابقات، بل من خلال أداء التمارين بمستوى معقول من الكفاءة.
تشير الروايات المتعلقة بالأنشطة الرياضية إلى أمور مثل المشي، والسباحة، وركوب الخيل. وقد أشار الإمام الصادق (عليه السلام) في مقدّمة العوامل التي تُحدث النشاط إلى المشي ورياضة المشي، فقال: ((النُّشْرَةُ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ الْمَشْي و...))(5).
توپر (1989م) تبين له أنّ عشر دقائق من المشي السريع تؤدي إلى تقليل التعب، وزيادة الطاقة، وتخفيف التوتر خلال الساعتين التاليتين. وقد توصلت دراسات أخرى إلى أنه بعد ساعة من التمرين البدني، يشعر الأفراد بانخفاض في التوتر، والاكتئاب، والغضب والتعب والاضطراب، ويشعرون ببروز طاقة أكبر خلال بقية اليوم، بل وفي بعض الحالات حتى في اليوم التالي.
ركوب الخيل أيضًا من الأمور التي اعتبرت في التعاليم الدينية من الرياضات الباعثة على البهجة، وله ميزتان بارزتان الترفية وإثارة النشاط. ويعدّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ركوب الخيل أحب أنواع الترفية والتسلية، إذ قال: ((أَحَبُّ اللَّهو إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِجْرَاءُ الْخَيْلِ وَالرَّمْي))(6).
وقد أشار الإمام علي (عليه السلام) في رواية إلى العوامل التي تخلق الانبساط والانشراح، وذكر من بينها الركوب وركوب الخيل، فقال: ((الرُّكُوبُ نُشرة))(7).
أما ملامسة الجسم للماء والسباحة فتُحدث شعوراً ساراً يبعث على البهجة. وقد اعتبر الإمام الصادق (عليه السلام) الغطس في الماء والسباحة من العوامل المثيرة للنشاط، فقال: ((النُّشْرةُ في عَشَرَةِ أَشْيَاءَ... وَالِارْتِمَاسِ فِي الْمَاءِ))(8).
الانغماس في الماء وملامسة الجسم كله للماء يُعدّ في حد ذاته باعثًا على البهجة ومصدرًا للسرور، وإذا تم ذلك في إطار رياضة السباحة، فإنّه يُحدث نشاطاً مضاعفا. فالمشي، وركوب الخيل، والسباحة هي جملة من الأنشطة الرياضية الباعثة على النشاط، وقد تناولتها الروايات وفي الأساس، يؤكد الإسلام على أنواع الرياضات التي تُسهم في تعزيز الثقة بالنفس والقدرة الجسدية.
ج - الصحة
من الأمور التي تناولتها الروايات في هذا المجال: السواك، قص الشارب، وإزالة الشعر الزائد من الجسم، وغسل الرأس بنبتة الخِطمي. وقد أشار الإمام الصادق (عليه السلام)، عند بيانه لبعض عوامل النشاط، إلى جملة من مظاهر النظافة الشخصية. إنّ مجال الصحة في نظر الدين الإسلامي الحنيف يُعد بالغ الأهمية. وتُعدّ العناية بصحة الفم والأسنان من الأمور المهمة في التعاليم الدينية، حيث يُنظر إلى السواك كوسيلة مؤثرة في تحقيق هذه الغاية. وقد اعتُبر السواك، في ضوء هذه التعاليم، ذا فوائد جمة، من بينها إحداث النشاط. يقول الإمام الصادق (عليه السلام): ((النُّشْرَةُ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ... وَالسِّوَاكِ))(9).
تعد التعاليم الدينية إطالة شعر الشارب موضعا للشيطان وملاذا له. وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((لَا يُطَوَّلَنَّ أَحَدُكُمْ شَارِبَهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَتَّخِذْهُ مَخبَأَ يَسْتَتِرُ بِهِ))(10).
وتدل مثل هذه التعابير على أهمية النظافة في الإسلام. وبالإضافة إلى هذه الإشارات، تعتبر التعاليم الروائية تهذيب الشارب من العوامل الباعثة على النشاط. ففي مجلس حضره الإمام الصادق (عليه السلام) ذكر تهذيب الشارب، فقال (عليه السلام): ((نُشْرَةٌ وَهُو منَ السُّنَّة))(11).
في هذا الحديث تمّ بيان البعد المعنوي في تهذيب الشارب والتعابير الواردة في الروايات بشأن تهذيب الشارب وآثاره، وردت أيضًا في ما يتعلق بإزالة الشعر الزائد من الجسم.
فقد قال الإمام علي (عليه السلام): ((النُّورَةُ نُشْرَةٌ وَطَهُورٌ لِلْجَسَدِ))(12).
وفي المقابل فإنّ ترك الشعر ينمو على الجسد يؤدي إلى الكسل والفتور. يقول الإمام الكاظم (عليه السلام): ((شَعْرُ الْجَسَدِ إِذَا طَالَ قَطَعَ مَاءَ الصُّلْبِ وَأَرْخَى الْمَفَاصِلَ وَوَرَّثَ الضَّعْفَ وَالسَّلَّ))(13).
وفي الروايات التي تناولت عوامل النشاط المرتبطة بمجال الصحة، أُشير أيضًا إلى غسل الرأس بالخطمي. قال الإمام الصادق (عليه السلام): ((النُّشْرَةُ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ... وَالسَّوَاكِ وَغَسْلِ الرَّأْسِ بِالْخِطْمِي فِي الحَمامِ وَغَيْرِهِ))(14).
د ـ التغذية
يُعد الأكل والشرب من أكثر مصادر اللذة والفرح شيوعًا، وهما قائمان على الحاجات البيولوجية للإنسان. فكلّ كائن حي، بما في ذلك الإنسان، يشعر بالجوع والعطش حين يحتاج إلى الطعام أو الماء. وهذا الشعور يدفع الكائن الحي إلى القيام بنشاط من أجل تلبية هذا الاحتياج. وبهذا الشكل، فإنّ التحفيز المناسب لهذا الشعور يُحدث ميلاً وجذبًا داخليا، فيدفعه إلى سلوك هادف يهدف إلى سد النقص وتحقيق التوازن(15).
الأكل والشرب يرتبطان بدافعي اللذة والبقاء على السواء. وقد وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تتحدث عن الأكل والشرب، وكلّها تُذكَّر الإنسان بنعم الله عليه، وتُشير إلى اللذة التي ينالها الإنسان منهما(16). فإذا أردنا اعتبار الأكل والشرب من مصادر النشاط، فعلينا الرجوع إلى التعاليم الدينية في كيفية تحصيل الطعام، وطريقة تناوله ومقداره. وعلى أي حال، وبالالتفات إلى النقاط المتقدّمة، ومع مراعاة مبدأ الاعتدال، فإن الأكل والشرب يؤدّيان إلى إدخال البهجة والنشاط على الإنسان. وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: ((النُّشْرةُ في عَشَرَةِ أَشْيَاءَ... الأَكْلِ وَالشَّرْبِ))(17).
ومن المؤكد أنّ الأكل والشرب إذا أديا إلى الإفراط والنهم، فلن يبقى فيهما أي معنى لإحداث النشاط، بل يتحولان إلى سببٍ للفتور والكسل البدني. يقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام): ((مَنْ شَبِعَ عُوقِبَ فِي الْحَالِ ثَلَاثَ عُقُوبَاتٍ: يُلْقَى الْغِطَاءُ عَلَى قَلْبِهِ، وَالنُّعَاسُ عَلَى عَيْنِهِ، وَالْكَسَلُ عَلَى بَدَنهِ))(18).
لذلك فإنّ مبدأ الاعتدال يُعدّ شرطًا أساسيا لاكتساب النشاط من خلال التغذية. وقد قال الإمام الكاظم (عليه السلام): ((لو أَنَّ النَّاسَ قَصَدُوا فِي الطَّعْمِ لَاعْتَدَلَتْ أَبْدَانُهُمْ))(19).
للتغذية الباعثة على النشاط مصاديق وردت في الروايات ونُشير إلى بعضها فيما يلي.
العسل: العسل غذاء مقوّ جعله الله تعالى سببًا للشفاء(20). وهو كذلك من نماذج التغذية الصحية التي تؤدي إلى الانشراح والنشاط النفسي للإنسان. وقد اعتبره الإمام علي (عليه السلام) من الأمور التي تبعث على النشاط، فقال: ((الْعَسَلُ نُشرَةٌ))(21).
لا يخفى ما يتميز به هذا الغذاء من خصائص فريدة، وقد جاءت أبحاث متعدّدة لعدد من الباحثين في العقود الأخيرة مؤيدة لهذا الأمر.
الهريسة: وهي مثال آخر من الأغذية التي تبعث على النشاط، وقد ورد التأكيد على تناولها في وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام)، لما لها من أثر في بعث النشاط على العبادة لمدة أربعين يوما. يقول الإمام علي (عليه السلام): ((عَلَيْكُمْ بِالْهَرِيسَةِ فَإِنَّهَا تُنْشِطُ لِلْعِبَادَةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَهِيَ مِنَ الْمَائِدَةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله)(22).
الحَرْمَل: إنّ نبتة الحَرْمَل (الإسبند) تحتوي على فوائد كثيرة في جذورها وفروعها، ومن أبرز هذه الفوائد: إحداث النشاط. وقد قال الإمام علي (عليه السلام) في ذلك: ((مَا مِنْ شَجَرَة حَرْمَلٍ إِلَّا وَمَعَهَا مَلَائِكَةٌ يَحْرُسُونَهَا حَتَّى تَصِلَ إِلَى مَنْ وَصَلَتْ، وَفِي أَصْلِ الْحَرْمَلِ نُشْرَةٌ، وَفِي فَرْعِهَا شِفَاءٌ مِنِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ دَاءً))(23).
استنادا إلى بعض الروايات، فإنّ التغذية قد تقترن أحيانًا بالموقعية المعنوية فتُسهم في صناعة لحظات من الفرح، ومن ذلك لحظة الإفطار عند الصائم. ففي هذه الروايات، وإن كانت الحالة المعنوية هي المحور والأساس في هذا الفرح، إلا أنّ الفرح والبهجة الناتجين عن الجانب الفيزيولوجي لا يمكن إغفالهما. قال الإمام الصادق (عليه السلام): ((للصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ))(24).
وفي رواية أخرى، عدّد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وصيته للإمام علي (عليه السلام) ثلاث فرحات للمؤمن في الدنيا، فقال: ((يَا عَلِيُّ! ثَلَاثُ فَرَحَاتٌ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا: لَقِيُّ الْإِخْوَانِ، وَالْإِفْطَارُ مِنَ الصِّيَامِ، وَالتَّهَجُدُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ))(25).
هـ - الثروة
يرى الاقتصاديون أن تحقق الفرح والسعادة في الحياة مرهون بمستوى ثروة الإنسان. وقد تبنّى كثير من الناس هذا الرأي الذي يطرحه الاقتصاديون لكن هل الثروة تفضي إلى السعادة حقا؟ وكم من المال والثروة يمكن أن يكون سببًا في الفرح؟ إن اندفاع الناس للتسجيل في المصارف من أجل الفوز بجوائز مثل السيارات الفاخرة والذهب في اللحظات الأخيرة من مهلة السحب، ومشاركتهم في الاستثمارات المبنية على المضاربة وشراؤهم للسلع المعلن عنها والتي تحتوي على جوائز ثمينة، إنما كل ذلك يتمّ بهدف تحسين جودة الحياة وتعزيز الفرح والسعادة.
على أي حال، لا تؤيّد الدراسات هذه الانشغالات الذهنية بشأن المال تأييدًا كاملاً. فقد توصل كامبل وزملاؤه في دراستهم حول جودة الحياة في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أنّ الوضع الاقتصادي يأتي في المرتبة الحادية عشرة من بين اثنتي عشرة مصدراً محتملاً للرضا عن الحياة. كما توصل كينغ ونابا إلى أن المشاركين في دراساتهم قدروا تأثير الثروة على السعادة بما يعادل خُمسًا، واعتبروه يشكل سُدُس مكونات الحياة الجيّدة. إن تأثير الثروة مسألة شديدة الأهمية، ولكنها أيضًا محلّ شك كبير. فقد أفادت بعض الدراسات الأولية بوجود ترابط ضعيف بين الدخل والسعادة، بينما لم تر بعض الدراسات الأخرى أي ارتباط بينهما على الإطلاق. والواقع أنه لم يُسجل أي تحسّن في الصحة الفردية خلال فترة شهدت ازدياداً ملحوظاً في الثروة، وذلك في العديد من الدول.
في التعاليم الدينية، تم تحديد الأطر الأولية لاقتصاد الأسرة والمجتمع، وإن لم يكن هذا هو محل بحثنا، إلا أن الإشارة الموجزة إليها تُسهم كثيراً في توضيح مفهوم ((الثروة)). فقد اعتبر الإمام الصادق (عليه السلام) ثلاثة أمور من الحاجات العامة للناس جميعًا: ((ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ يَحْتَاجُ النَّاسُ طُرًّا إِلَيْهَا: الْأَمْنُ وَالْعَدْلُ وَالْخِصْبُ))(26).
وفي رواية أخرى قال (عليه السلام) للمفضّل: ((وَاعْلَمْ يا مُفَضَّلُ، أَنَّ رَأْسَ مَعَاشِ الْإِنْسَانِ وَحَيَاتِهِ الْخَبْزُ وَالْمَاءِ))(27).
وانطلاقاً من هذه الروايات، يمكن إدراج المسكن أيضًا ضمن الحاجات العامة للإنسان، إذ يُعدّ من الضرورات التي يحتاجها جميع الناس. وقد كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) مسكن خاص كغيره من الناس، وإن كانت بيوتهم (عليهم السلام) بسيطة جدا. وتدل بعض الروايات على اهتمام الأئمة (عليهم السلام) بأمر المسكن إلى درجة أنهم نهوا عن بيع الأرض أو البيت إلا في حالة شراء ما يماثله بثمنه(28).
وعليه، فإنّ النظر إلى الثروة من زاويتين ينتج تحليلاً أكثر دقة؛ كما نظر الإسلام إلى هذه المسألة من منظورين: الأول يتعلق بالحاجات الأولية والضرورية والعمومية لحياة الإنسان، والتي يُعبر عنها بالثروة، والثاني يتعلق بتكديس الأموال بما يتجاوز تلك الحاجات، وهو ما يرتبط ارتباطا وثيقا بالثروة أيضًا. وكلا الجانبين له تأثيره على السعادة والرضا. يقول الإمام الصادق (عليه السلام) أوحى الله تعالى إلى موسى (عليه السلام): ((يا مُوسَى لَا تَفْرَحْ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَلَا تَدَعْ ذِكرِي عَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّ كَثرَةَ الْمَالِ تُنْسِي الذُّنُوبَ وَإِنَّ تَرْكَ ذِكرِيَ يَقْسِي الْقُلُوبَ))(29).
وفي الآية 76 من سورة القصص، يُعزى سبب طغيان قارون إلى كثرة أمواله وثرواته، مما أدى إلى انحرافه عن الهدف والمسار الصحيح للحياة: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص: 76].
وفي الآية 44 من سورة الأنعام، كانت النعم والثروات سببًا في الشقاء والعذاب للكفّار، بعد أن نسوا أوامر الله، فغرقوا في النعم، فحرموا من الفرح الحقيقي: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44].
درس دينر وأوشي تأثير الدخل في الرضا والسعادة لدى عينة مكونة من 150 ألف فرد في تسع عشرة دولة، فكانت متوسط علاقة الارتباط بين الدخل والرضا عن الدخل 25%، في حين بلغت نسبة الارتباط بين الدخل والرضا عن الحياة 13٪. وغالبًا ما تكون علاقة الارتباط بين مؤشر موضوعي ما وبين الرضا عنه، أقوى من علاقته بالرضا العام. كما أن تأثير الدخل في السعادة يكون أشدّ عند المستويات الدنيا من سلّم الدخل. فضلاً عن أن العلاقة بين الرضا عن الحياة والدخل تكون أقوى بكثير في الدول الأفقر، ويُحتمل أن يعود ذلك إلى دور المال في تأمين الحاجات الأساسية كالغذاء والمسكن.
ومع ذلك، فإنّ متوسط الدخل العام، وتوقعات الأفراد، والوضع العام للبلد من حيث التعليم، والصحة، والأمن، والتفاوت الطبقي، جميعها عوامل قد تؤثر في نتائج الأبحاث. والنتيجة المستخلصة أن سكان الدول ذات الاقتصاد المتقدم، الذين يضعون كسب المال فوق سائر الأهداف، يكونون أقل رضا عن مستوى معيشتهم وعن حياتهم عمومًا.
ولعل ذلك بسبب أنّ عمليّة تراكم المال، بعد أن تلبي الحاجات الجسدية، لا تمتد إلى إشباع الحاجات الاجتماعية والنفسية التي تُفضي إلى السعادة.
و ـ اللذة البصرية
في الروايات الواردة حول اللذات البصرية، نجد نوعين من النصوص، يرتبط القسم الأوّل منها ارتباطا وثيقا بعلم نفس الألوان. فالألوان تؤثر تأثيراً بالغا في مزاج الإنسان وحالته النفسية، بل قد تطال تأثيراتها الجهاز العصبي. وتختلف تأثيرات الألوان؛ فبعضها يبعث على البهجة والانتعاش، كاللون الأخضر. يقول الإمام علي (عليه السلام): ((النَّظَرُ إِلَى الْخُضْرَةِ نُشْرَة))(30).
فالنظر إلى الخُضرة يبعث في النفس نشاطا وانتعاشًا. ومن الألوان الباعثة على النشاط أيضًا اللون الأصفر. يذهب لوشر إلى أنّ اللون الأصفر الفاقع يرمز إلى الأفعال التلقائية غير الإرادية، وهو مظهر للأفعال التي لا تحتاج إلى محركات خارجية، وتتصف بخصائص مثل: النشاط، الغرابة، التعلق، الإسقاط، التوق، الفضول. وله من الجوانب النفسية والروحية المؤثرة ما يرتبط بالتقلب، والأمل، والأصالة، والبهجة، والتنشيط.
وقد ورد في رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام) أن لبس النعل الأصفر يُدخل السرور إلى القلب. حيث قال (عليه السلام): ((مَنْ لَبِسَ نَعْلاً صَفْرَاءَ لَمْ يَزَلْ يَنْظُرُ فِي سُرُورٍ مَا دَامَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّ اللَّهَ (عَزَّ وجلّ) يقُولُ: {صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ}(31). والألوان لها آثار فيزيولوجية خاصة، فلا يمكن أن يتساوى تأثير اللون الأصفر مع الأسود، ولا الأحمر مع الأزرق في شدة التنبيه. وقد أظهرت التجارب الطويلة للإنسان حول تأثير اللون الأحمر أنه يُحدث تحفيزا للجهاز العصبي، وخصوصًا للأعصاب السمبثاوية، في حين يتمتع اللون الأزرق بتأثير مهدئ للجهاز العصبي؛ إذ يخفض ضغط الدم، ويُبطئ التنفّس، ويُقلّل من سرعة ضربات القلب، كما أنّ اللون الأزرق الداكن يُحدث تهدئة واضحة في الجهاز العصبي الباراسمبثاوي(32).
وتشير مجموعة أخرى من الروايات إلى أن اللذة البصرية قد تتحقق من النظر إلى المرأة الجميلة، ولكن لا بد من الإشارة إلى ضرورة أن تكون هذه النظرة ضمن الإطار المشروع الذي حدده الإسلام، وإلا فإنّها كما سائر اللذات العارضة والأهواء العاجلة، قد تجرّ إلى الغفلة عن ذكر الله وتؤدي إلى آثار سلبية.
وقد عدّ الإمام الصادق (عليه السلام)، في سياق بيانه لعوامل النشاط، النظر إلى المرأة الحسناء من ضمنها، حيث قال: ((النُّشْرَةُ في عشرة أشياء... وَالنَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الْحَسْنَاءِ))(33).
ح - السياحة والترويح
الراحة، والسكينة، والنشاطات المرتبطة بأوقات الفراغ كلّها ذات تأثيرات إيجابية قصيرة المدى على السعادة. فالناس عادة ما يكونون أكثر إيجابية وأقل استثارة في أيام العطل. كما أنّ برامج الترفيه تُخفّف من حدة التوترات، وتُعزّز قدرة الإنسان على تحمّل الضغط النفسي، وتُسهم في تحسين الحالة المزاجية.
وقد أشار القرآن الكريم إلى لحظات الفرح التي تنشأ من خلال السفر والاستجمام والترويح عن النفس، فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس: 22].
أي إنّ القرآن يعتبر الفرح من آثار التمتع بالنعم الإلهية. فالذين يتحلون بخصلة الشكر والامتنان قادرون على تحويل مثل هذه اللحظات إلى سعادة مستدامة، وإلا فإنّها ستؤول إلى الخسارة والضياع.
ط - تنمية المعرفة
تُعد المصادر الدينية التي تتناول أثر المستوى المعرفي على السعادة قليلة نسبيًّا، غير أنه لا شك في أن العلم إن لم يكن في خدمة الأهداف الإلهية وخدمة البشر، فإن السعادة الناتجة عنه لا تتعدى كونها مؤقتة وزائلة. وقد أشار الله تعالى في بيانه لحال أولئك الذين أعرضوا عن الحقائق والوقائع رغم امتلاكهم للعلم، إلى فرحهم بما لديهم، فقال سبحانه: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: 83].
وهذه السعادة تمثل نوعا من الفرح السلبي، إذ نتجت عن معرفة ظاهرية محدودة، وأقحمت في سياق العناد وإنكار البينات. أما إذا كان الهدف من اكتساب العلم محدّدًا، وكان توظيفه في سبيل الحقِّ، فإنّه سيفضي حتما إلى سعادة حقيقية. وقد أضحت علاقة التعليم بالسعادة اليوم موضوعا بحثيًّا قائماً بذاته، حيث أظهرت الدراسات وجود علاقة إيجابية بين مستوى التحصيل العلمي ومقدار السعادة.
ي ـ إدخال السرور على الآخرين
يُعد إدخال السرور على الآخرين من مصادر السعادة الواضحة في الروايات. فبث المشاعر الإيجابية كالفرح في المجتمع قد يعود بالسعادة على الفاعل نفسه. كما أن تهيئة بيئة أسرية مفعمة بالفرح، وإدخال السرور على أفراد العائلة، يفضي إلى شعور الفرد بالسعادة. ويمكن استنباط هذه الحقيقة من خلال وصايا المعصومين (عليهم السلام). فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((مَن قَبَّلَ وَلَدَهُ كتَبَ اللهُ (عزّ وجلّ) لَهُ حَسَنَةً، وَمَن فَرَّحَهُ فَرَّحَهُ اللَّهُ يومَ القيامة))(34).
وقد ورد هذا المعنى في نص آخر لطيف عن النبي (صلى الله عليه وآله)، حيث قال: ((إنَّ الله تبارك وتعالى عَلَى الإناث أَرَأَفُ مِنْهُ عَلَى الذُّكور، وما مِن رَجُلٍ يُدخِلُ فَرحَةً عَلَى امْرَأَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرمَةٌ، إِلَّا فَرَّحَهُ الله تعالى يومَ القِيامَةِ))(35).
ويُستفاد من مجموع الروايات أن للفرح مكانة تربوية مهمة في محيط الأسرة. وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): ((مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَاشْتَرَى تُحْفَةٌ فَحَمَلَهَا إِلَى عِيَالِهِ كَانَ كَحَامِلِ صَدَقَةٍ إِلَى قَوْمِ مَحَاوِيجَ وَلْيَبْدَأُ بِالْإِنَاثِ قَبْلَ الذَّكورِ؛ فَإِنَّ مَنْ فَرَّحَ ابْنَتَهُ فَكَأَنما أَعْتَقَ رَقَبَةً مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ))(36).
وقسم آخر من الروايات يشير إلى مسؤولية المواطنين في إدخال السرور على الأيتام، ويجعل من ذلك طريقا إلى السعادة الأبدية، كما ورد في قول النبي (صلى الله عليه وآله): ((إِنَّ فِي الجَنَّة دارًا يُقالُ لَها دارُ الفَرَحِ، لا يَدخُلُها إِلَّا مَن فَرَّحَ يَتَامَى المُؤْمِنِينَ))(37).
ك – المعنوية
لا شك في أن المعنوية تُعدّ من العوامل المهمة التي تُسهم في سعادة الإنسان وتعزيز مشاعر السعادة لديه. فالدين يمنح الحياة معنى، ويضع أمام الفرد أهدافًا سامية. وتُعدّ العبادات والاعتقادات الدينية من العناصر المؤثرة في رفع مستوى السعادة. كما تؤدّي المعتقدات دورًا محوريا في توجيه السلوك والانفعالات. وقد توصل أليسون وزملاؤه إلى أن المعتقدات تُعدّ المصدر الأهم للسعادة، وأن العلاقة مع الله تتجلى من خلال تأثيرها في منظومة المعتقدات. وقد دعا القرآن الكريم المؤمنين إلى الفرح بفضل الله ورحمته، فقال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].
إلى جانب المعتقدات، فإنّ الأمل بمصدر ثابت ومستقر يثمر انفعالات إيجابية مستدامة. بيد أنّ الأمل لا يكون فعالاً إلا حين يرتبط بأهداف ذات قيمة وتكون تلك الأهداف محفوفة بعوائق مهمة لكن قابلة للتجاوز، مع إمكانية واقعية لبلوغها في المدى المتوسط. أما إذا تبين للمرء أن الهدف لا يمكن تحقيقه، فإنّ الإحباط واليأس سيكونان النتيجة الحتمية. وقد أشار الإمام علي (عليه السلام) إلى هذا المعنى في وصفه للمتقين، فقال: ((يبِيتُ حَذِرًا وَيَصْبِحُ فَرِحًا حَذِرًا لِمَا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ وَفَرِحًا بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ))(38).
فهو يمضي ليله حذرًا، ويبدأ نهاره مملوءا بالفرح؛ حذرا من الغفلة، وفرحا بما ناله من الفضل والرحمة.
يُعد قيام الليل، والتقرب إلى الله، والقيام بالأعمال الصالحة من الموارد المعنوية التي تُثمر فرحًا حقيقيا في حياة الإنسان. وقد خاطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) قائلاً: ((يا عَلِي! ثَلَاث فَرَحَاتٌ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا: لَقِيَ الْإِخْوَانِ وَالْإِفْطَارُ مِنَ الصَّيامِ وَالتَّهَجُدُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ))(39).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): ((للصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ))(40).
وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام) أن الله تعالى أوحى إلى عيسى بن مريم (عليه السلام): ((يَا عِيسَى! افْرَحْ بِالْحَسَنَةِ فَإِنَّهَا لي رضا))(41).
يُعد القرآن الكريم من أوضح مصاديق الفرح الروحي. وقد ورد في دعاء لرسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: ((اللَّهُمَّ! نَورٌ بِكِتَابِكَ بَصَرِي وَاشْرَحْ بِهِ صَدْرِي وَفَرِّحْ بِهِ قَلْبِي))(42).
ثمة روايات كثيرة تحثّ المؤمنين على الفرح في سياق الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) والسرور لسرورهم، باعتباره نوعا من الارتباط العاطفي والمعنوي مع نهجهم فقد ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال لابن شبيب: ((يا ابْنَ شَبِيبٍ! إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَكُونَ مَعَنَا في الدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنَ الْجِنَانِ فَاحْزَنْ لِحُزْنِنَا وَافْرَحْ لِفَرَحِنَا وَعَلَيكَ بِوَلَايَتِنَا فَلَو أَنَّ رَجُلًا أَحَبَّ حَجَرًا لَحَشَرَهُ اللَّهُ مَعَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))(43).
قال الإمام علي (عليه السلام): ((إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اطَّلَعَ إِلَى الْأَرْضِ فَاخْتَارَنَا وَاخْتَارَ لَنَا شِيعَةً يَنْصُرُونَنَا وَيَفْرَحُونَ لِفَرَحِنَا وَيَحْزَنُونَ لحُزننا))(44).
تُعَد الدعاء والاستعانة بالله تعالى، ومحبة أهل البيت وذكر الله، والوضوء، والصلاة، والعفو الإلهي من أبرز الجوانب الروحية التي تترك أثراً بالغا في نشوء البهجة والسرور. يرى سليكمَن أنّ الدِّين يشكل منظومة اعتقادية متماسكة تمكن الإنسان من إيجاد معنى للحياة وتبعث فيه الأمل بالمستقبل. وتُتيح هذه المنظومات الدينية لبعض الأفراد أن يُضفوا معنًى على المصاعب والضغوط النفسية، والخسارات الحتمية التي تعترض مسيرة الحياة، وتمنحهم التفاؤل بحياة أخرى لا مكان فيها لهذه الشدائد.
وتبين السيرة المأثورة عن المعصومين (عليهم السلام) أنهم كانوا يستعينون بالله سبحانه ويسألونه الدعاء من أجل التمتع بروح مليئة بالنشاط والحيوية. ويقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام): ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَي عَمَلٍ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْكَ وَأَقْرَبَ لَدَيكَ أَنْ تَسْتَعْمِلَنِي فِيهِ أَبَدًا ثُمَّ لَقَنِي أَشْرَفَ الْأَعْمَالِ عِنْدَكَ وَآتِنِي فِيهِ قُوَّةً وَصِدْقًا وَجِدًّا وَعَزْمًا مِنْكَ وَنَشَاطًا))(45).
ومن الجذور الأساسية لنشوء النشاط، عفو الله ومغفرته؛ فكما أنّ الذنوب تسوق الإنسان إلى الكسل والخمول، فإن قبول الإنسان في حضرة الله تعالى يُبعث فيه الحيوية. وقد أشارت مناجاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلى هذه الحقيقة: ((إلهي! إلهي! إلهي! أسئلك راغبًا وَأَقصَدُك سائلاً واقفًا بَينَ يَدَيكَ مُتَضَرِّعًا إِلَيكَ؛ إن أقنَطَتني ذُنُوبِي نَشَطَنِي عَفوَك))(46).
___________________________
(1) من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 360.
(2) الأمالي، الطوسي، 94، 14.
(3) الكافي، ج 2، ص198.
(4) المحاسن، ص 14، ج 40.
(5) المحاسن، ص 14، ح 40.
(6) الهندي، المتقي، كنز العمال، ج 4، ص 344، ح 10812.
(7) نهج البلاغة، ص 546، حكمت 400.
(8) المحاسن، ص 14، ح 40.
(9) المحاسن، ص 14، ح 40.
(10) الكافي، ص 488، ح 11.
(11) الكافي، ج 6، ص 487، ح 8.
(12) الشيخ الصدوق، الخصال، م. ن، 611.
(13) م. ن المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 76، ص91، ح 12.
(14) المحاسن، ص 14، ح 40.
(15) احساس وادراك، ص 115.
(16) النشرة في عَشَرَةِ أَشْيَاء... الأكل والشرب.
(17) المحاسن، ص 14، ح 40.
(18) شرح نهج البلاغة، ج 20، ص 320، ح 74.
(19) وسائل الشيعة، ج 16، ص 407، ح 8.
(20) {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل: 69].
(21) نهج البلاغة، ص 546، حكمت 400.
(22) الكافي، ج 6، ص 319، ح 1.
(23) دعائم الاسلام، ج 2، ص 150، ح 535.
(24) الكافي، ج 4، ص 65.
(25) الكافي؛ كتاب من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 360؛ بحار الأنوار، ج 66، ص 371.
(26) الحراني، ابن شعبة، تحف العقول، ص 236.
(27) توحيد المفضل، ص87؛ بحار الأنوار ج3، ص86.
(28) منابع مالي اهل بيت (عليهم السلام)، ص 21.
(29) الكافي، ج 2، ص 974.
(30) نهج البلاغة، ص 546، الحكمة 400.
(31) الكافي، ج 6، ص 466.
(32) م. ن، ص 17.
(33) المحاسن، ص14، ح40.
(34) الكافي، ج 6، ص 49.
(35) الكافي، ص 6.
(36) وسائل الشيعة، ج 21، ص 514.
(37) کنز العمال، 6008.
(38) نهج البلاغة، ص 305، الخطبة 193.
(39) الكافي، ج 4، ص 65؛ بحار الأنوار، ج 66، ص 371.
(40) الكافي، ج 4، ص 65.
(41) م. ن، ج 8، ص138.
(42) م. ن، ج 2، ص 577.
(43) وسائل الشيعة، ج 14، ص 503.
(44) الخصال، ج 2، ص 635؛ بحار الأنوار، ج 44، ص 288.
(45) مهج الدعوات ومنهج العبادات، ص99؛ بحار الأنوار، ج 94، ص 238، ح9.
(46) مصباح المتهجد، ص 320.
الاكثر قراءة في التربية النفسية والعاطفية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)