ذكر الخطيب خمسة أحاديث بإسناده المتّصل أنّ الصادقة صحيفة كتبها عبد الله بن عمرو من رسول الله صلى الله عليه وآله.
وجاء بعضها باللفظ الآتي: الصَّادِقَةُ صَحِيفَةٌ كَتَبْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ.
ونقرأ في بعضها الآخر ما نصّه: قال مجاهد أتَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو فَتَنَاوَلْتُ صَحِيفَةً مِنْ تَحْتِ مَفْرَشِهِ، فَمَنَعَنِي. قُلْتُ: مَا كُنْتَ تَمْنَعَنِي شَيْئاً! قَالَ: هَذِهِ الصَّادِقَةُ. هَذِهِ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَهُ أحَدٌ. إذَا سَلُمَتْ لي هَذِهِ وكِتَابُ اللهِ تَبَارَكَ وتعالى والوَهْطُ فَمَا ابَالِي مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا!
وفُسّر الوهط في بعضها بقوله: وأمَّا الوَهْطَةُ فَأرْضٌ تَصَدَّقَ بِهَا عَمْرُو بْنُ العَاصِ كَانَ يَقُومُ عَلَيْهَا.
ونلاحظ أنّ بعضها ورد باللفظ الآتي: قال أبو راشد الحبرانيّ: أتيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص فقلتُ: حدّثنا ما سمعتَ من رسول الله صلّى الله عليه وآله: فألقى إليّ صحيفة، فقال: هذا ما كتب لي رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فنظرتُ، فإذا فيها: إن أبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! عَلِّمْنِي مَا أقُولُ إذَا أصْبَحْتُ وإذَا أمْسَيْتُ. فَقَالَ: يَا أبَا بَكْرٍ! قُلِ: اللهُمَّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ، لَا إلَهَ إلَّا أنْتَ، رَبَّ كُلِّ شَيءٍ ومَلِيكَهُ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وشَرِّ الشَّيْطَانِ وشِرْكِهِ، وأن اقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءاً، أوْ أجُرَّهُ إلَى مُسْلِمٍ.[1]
ونقل الخطيب أيضاً حديثاً في تأكيد أمر الكتابة في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله. وفيه أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله أمر أصحابه أن يكتبوا لأبي شاة خطبته التي سمعها منه. وأورد الخطيب هذا الموضوع بسنده المتّصل عن أبي هريرة أنّه قال: لَمَّا فَتَحَ اللهُ تعالى عَلَى رَسُولِهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مَكَّةَ قَامَ في النَّاسِ فَحَمِدَ اللهَ، وأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتعالى حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ؛ وإنَّهَا لَمْ تُحَلَّ لأحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وإنَّمَا احِلَّتْ لي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ؛ وإنَّهَا لَنْ تُحَلَّ لأحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، ولَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، ولَا تُحَلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ! ومَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إمَّا أنْ يُفْدِى وإمَّا أنْ يَقْتُلَ.
فَقَالَ العَبَّاسُ: إلَّا الإذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَإنَّا نَجْعَلُهُ في قُبُورِنَا وبُيُوتِنَا، فَقَالَ: إلَّا الإذْخِرَ. فَقَامَ أبُو شَاةٍ- رَجُلٌ مِنْ أهْلِ اليَمَنِ- فَقَالَ: اكْتُبُوا لي يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: اكْتُبُوا لأبِي شَاةٍ!
يقول راوي هذا الحديث أبو بكر أحمد بن محمّد بن غالب الفقيه الخوارزميّ: قلتُ للأوزاعيّ: ما قوله: اكْتُبُوا لي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه و آله وسلّم.[2]
هذه معلومات ذكرها الخطيب البغداديّ في كتاب «تقييد العلم» لإثبات الكَتابة وأهمّيّتها، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا العمل الخطير. ولا نجد ذكراً لصحيفة أمير المؤمنين عليه السلام كما هو ملحوظ، بل لا نجد ذكراً للاستشهاد بكتابة رسول الله صلى الله عليه وآله حين طلب قلماً وقرطاساً ليكتب لُامّته ما لا تضلّ بعده أبداً.
وهذا الموضوع بلغ من العجب درجة أنّه أثار استغراب يوسف العُشّ الذي صدّر الكتاب المذكور وحقّقه وعلّق عليه. فلم يتمالك نفسه حتى قال في الهامش: من العجب أن يكون سها عن بال الخطيب الاستشهاد بالكتاب الذي أراد الرسول أن يكتبه حين وفاته وخبره في «صحيح البخاريّ» ج 1، ص 41، طبعة ليدن، و«صحيح مسلم» مع شرح النوويّ، ج 2، ص 42، و«تاريخ الطبريّ» ج 1، ص 186 و187، و«اسد الغابة» ج 3، ص 305، وشرح الحديث في «إرشاد الساري» ج 1، ص 169، و«فتح الباري» ج 1، ص 185 إلى 187، و«عمدة القاري» ج 1، ص 575، و«شرح مسلم» للنوويّ، ج 2، ص 43[3]
وأقول: لم يَسْهُ الخطيب، بل تساهي. وهذا السهو المقصود ملموس عند علماء العامّة غالباً، إذ يرتكبون مثل هذه الأخطاء المتعمّدَة كثيراً فيحذفون أو يحرّفون أو يغيّرون أو يبترون أو يُعرضون عن ذكر الحديث مباشرة. وهذه كلّها شواهد ساطعة وأدلّة واضحة على بطلان آرائهم ومذاهبهم التي أقاموها على أساس تخويف الناس وترهيبهم وخنق صوت الحقّ والإجهاز عليه. وكما قال سلطانهم علناً والقوم حاضرون: إنّه ليهجر؛ حسبُنا كتاب الله، مشيراً إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، فإنّهم صدفوا من ذلك المنطلق عن أحاديث أهل البيت النبويّ الكريم التي كانت مدوّنة ومتميّزة يومئذٍ، إذ إنّ تلك الأحاديث كلّها كانت موجودة ومحفوظة ومدوّنة عند مصدر الولاية أمير المؤمنين عليه السلام، غاية الأمر أنّ العامّة المخالف نهجهم لنهج أهل البيت عليهم السلام لم يجدوا بُدّاً من الإعراض عنها، بل عدّها منبوذة محظورة تمشّياً مع الظروف السياسيّة المفروضة، لأنّ هذه الأحاديث التي تفسّر الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة لمصلحة صاحب الولاية ومنزلته تتعارض مع حكومتهم الغاصبة. ولا جرم أنّهم يهجرون أهل البيت وأحاديثهم وكتبهم رغبة في التحكّم والتسلّط، وإلّا اجتمع الضدّان والنقيضان.
وعلى ضوء ذلك قال عمر: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، وافتعل تلك الضجّة والجلبة بحضور رسول الله في ذلك المجلس الذي تمثّلت فيه الرَّزِيَّة كُلّ الرَّزِيَّة. وكثر اللَّغْط وامتنع النبيّ من الكتابة حتى التحق بالرفيق الأعلى.
هب أنّ ما أراد أن يكتبه صلى الله عليه وآله لا يرتبط بوصاية مولى الموالي أمير المؤمنين عليه السلام، بَيدَ أنّه مهما كان موضوع الكتابة، فإنّه أراد أن يكتب ما يضمن عدم ضلال الامّة إلى الأبد.
وليس من أحد يقول لهؤلاء الأتباع الذين هم أشبه بالحاضنة التي تدّعي أنّها أشفق من الامّ الرءوم: إنّ كتاب النبيّ صلى الله عليه وآله- مهما كان- ضمان منه لسعادة الامّة وعدم ضلالها أبد الآبدين، فما هو المسوّغ العقليّ والوجدانيّ والشرعيّ لعمر حتى يحرم الامّة من هذا الفيض إلى قيام الساعة؟!
إنّها قضيّة مالك بن نويرة نفسها، إذ إنّه لمّا امتنع من دفع الزكاة إلى أبي بكر، وقال بوجوب دفعها إلى الخليفة والوليّ الحقّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام، اتّهمه خالد بن الوليد بالارتداد وقتله بشكل مروّع، وقَبِل أبو بكر عذر خالد، لأنّه لو بلغ الناسَ أنّ مالك بن نويرة لم يرتدّ، وأنّه ما برح على إسلامه، وأنّه أراد دفع زكاته وزكاة قومه إلى صاحبها الحقيقيّ؛ ولو اقتصّ أبو بكر من خالد بن الوليد لِقَتْلِهِ امرءاً مسلماً، فَقَتَلَهُ به، لانتشر الخبر في طرفة عين وانتفض الناس لمناهضة أبي بكر تبعاً لمالك، وحينئذٍ لا يعلم أحد ما ذا سيحدث، ولما قرّ للجهاز الحاكم قرار. وهذا يعني اجتماع الضدّين والنقيضين. لهذا أتوا برأسه سريعاً لئلّا يذاع الخبر. وإلَّا اتَّسَعَ الخَرْقُ عَلَى الرَّاقِع. (حينئذٍ لا يُرْقَع الخرقُ، بل يتّسع ويتّسع حتى لا يدع للجهاز الحاكم إلّا الامتهان والخزي والذلّ).
كان ذلك سرّاً أفضاه خالد في اذن أبي بكر فاستصوبه وبرّأه. ولمّا أخبر أبو بكر عمر الذي كان من المعارضين لخالد في تلك القضيّة، قَبِل كلامه ولم يُصرّ على الاقتصاص من خالد. وتصافي القوم وجلسوا على مائدة شهيّة وهم يقضمون ما عليها.
[1] «تقييد العلم» ص 84 و85.
قال سماحة استاذنا الأعظم آية الله العلّامة الطباطبائيّ قدّس الله نفسه ذات يومٍ: يتحصّل من تعامل النبيّ صلى الله عليه وآله مع مختلف الأشخاص وكلامه معهم أنّه كان يخبر عن مستقبلهم مجملًا من خلال كلماته القصيرة الموجزة. ويُنبئ عن إيمانهم أو كفرهم أو ارتدادهم أو ثباتهم واستقامة دينهم. من هنا فالمستفاد من تعليمه أبا بكر الدعاء أنّ أبا بكر سيُمنى بشرّ نفسه، وشرّ الشيطان وشركه، وأعماله السيّئة القبيحة، ومن ثمّ يجرّ ذلك إلى المسلمين. وقد اعترف أبو بكر نفسه بهذه الحقيقة على المنبر في أوّل خطبة خطبها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ قال: إنّ لي شيطاناً يَعْتَريني فإذا زِغتُ فقوّموني.
[2] «تقييد العلم» ص 86. وقال يوسف العشّ في الهامش: ما يشابهه من يحيي بن أبي كثير في البخاريّ ج 1، ص 40 و41، ك 3 ب 36، وشرحه في «إرشاد الساري» ج 1، ص 168؛ و«عمدة القاري» ج 1، ص 567؛ و«فتح الباري» ج 1، ص 184؛ ومثله باختصار من الوليد بن مسلم في «صحيح الترمذيّ» ج 2، ص 110، وعنه في «اسد الغابة» ج 2، ص 384؛ و«تيسير الوصول» ج 3، ص 176؛ ومثله بتقارب اللفظ من الوليد بن مسلم في «المحدّث الفاصل» ج 4، ص 21؛ وباختصار من الأوزاعيّ في «جامع بيان العلم» ج 1، ص 70؛ ودون سند في «معالم السنن» ج 4، ص 184؛ و«الاستيعاب» ج 2، ص 717؛ و«مقدّمة ابن الصلاح» ص 17.
[3] «تقييد العلم» ص 86.