

الحياة الاسرية

الزوج و الزوجة

الآباء والأمهات

الأبناء

مقبلون على الزواج

مشاكل و حلول

الطفولة

المراهقة والشباب

المرأة حقوق وواجبات


المجتمع و قضاياه

البيئة

آداب عامة

الوطن والسياسة

النظام المالي والانتاج

التنمية البشرية


التربية والتعليم

التربية الروحية والدينية

التربية الصحية والبدنية

التربية العلمية والفكرية والثقافية

التربية النفسية والعاطفية

مفاهيم ونظم تربوية

معلومات عامة
مواجهة غضب الآخرين
المؤلف:
السيد مهدي الخطيب
المصدر:
مهارات الحياة
الجزء والصفحة:
ص213ــ225
2026-04-19
60
من المحتمل أنك قد واجهت في بعض المواقف شخصا غاضبًا، ووجدت صعوبة في تهدئته رغم كونك أنت في حالة من الهدوء. فماذا ينبغي أن يُفعل في مثل هذه المواقف للسيطرة على غضب الطرف الآخر؟ يمكن الاستعانة بالحلول التالية للإجابة عن هذا التساؤل:
1. الحلم
إن سلوك النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وسيرة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) مليئة بالحِلم مع أهل زمانهم؛ فكثيرا ما كانوا يتعرضون لأذًى أو يُؤذون من تصرفات الناس وأقوالهم، لكنهم كانوا يتجاوزون ذلك بعظمة نفس، إلى حدّ أنّهم كانوا يمنعون أصحابهم من الاعتراض. ولا يمتلك هذه الروح الكبيرة إلا من كان متخلّيًا عن ذاته، ناظرا إلى آفاق المستقبل، ومتسما بسلوك يُركز على الله تعالى. وقد ورد في هذا السياق ما رواه هشام عن الإمام الكاظم (عليه السلام): جَرَى بَينِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْقَوْمِ كَلَامٌ فَقَالَ [أبو الحسن عليه السلام] لي: ((ارْفُقُ بِهِمْ، فَإِنَّ كَفْرَ أَحَدِهِمْ فِي غَضَبِهِ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ كَانَ كَفْرُهُ فِي غَضَبِهِ))(1).
فمواجهة شخص معارض يتصرّف بعنف وليس انطلاقا من رؤية خاصة أو تفكير إرادي، لا تجدي نفعا، بل ينبغي التعاطي معه بالحِلم والتغافل. إذ إنّ هذا النوع من العنف لا يصدر عن منطق وعقل، وبالتالي يُغلق باب الردّ المنطقي في وجهه.
وتشير الرواية التالية إلى هذه الحقيقة، إذ يظهر فيها أن الجهل أو ردود الأفعال الانعكاسية هي التي تنتج العنف، فيُعبر عنها الجاهل سريعًا بلسانه، فيما يُظهرها العاقل في سلوكه. بعبارة أخرى، إنّ معارضة العاقل تنطلق من قرارات مسبقة وفي أثناء الفعل، ولذلك يؤدّي غضبه إلى تصرفات منطقية ونافعة، بينما يظهر غضب الجاهل مباشرة في لسانه وبيانه. وقد ورد عن الإمام علي (عليه السلام): ((غَضَبُ الجَاهِلِ فِي قَولِهِ، وغَضَبُ العَاقِلِ في فعله))(2).
وعليه، فإنّ التعامل مع العنف، سواءً أتى من الطرف المقابل أم كان من الإنسان نفسه، يجب أن يتم بالحلم وتجنّب ما يُسهم في التصعيد. إذ عندما تتأجج نار الغضب، فإنّ أي رد مماثل قد يؤدي إلى زيادتها اشتعالاً.
2. اللين
اللين من الأساليب الناجعة في التعاطي مع الشخص الغاضب؛ إذ إنّ التعامل اللطيف له تأثير كابح على غضب الطرف المقابل، بل وقد يؤدّي إلى ردّ فعل مماثل من اللين. وقد أكد الإمام علي (عليه السلام)على هذا الأسلوب في مواجهة الغضب لتحقيق المطالب، حيث قال: ((لِنْ لِمَنْ غَالظَكَ تَظْفَرُ بِطَلِبَتِكَ))(3).
فاللين أسلوب مناسب لإدارة موقف الغضب في مواجهة الشخص الغاضب؛ إذ يُسهم في إطفاء نار الغضب قبل أن تتحوّل إلى عنف، ويؤدّي إلى تأثير متبادل في سلوك الطرف الآخر، فتُمحى أجواء العنف والعدوان. يقول الإمام علي (عليه السلام): ((لِنْ لِمَنْ غَالَظَكَ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ))(4).
ومع ذلك، فإنّ هذا اللين في التعامل مع الأشخاص الذين لا يتمتعون بشخصية سليمة يجب أن يُقرن بالحذر، كي لا يُستغل استغلالاً سيئًا. فاللين في التعامل هو خاص بأصحاب المروءة والنبل، الذين يُقدّرون هذا السلوك ويبادلون بالمثل. ويقول الإمام علي (عليه السلام)): ((إِذَا غَضِبَ الكَرِيمُ فَأَلِنْ لَهُ الكَلَامَ، وَإِذَا غَضِبَ اللَّهِيمُ فَخُذْ لَهُ العَصَا))(5).
وإلى جانب اللين، فإنّ المرونة والتعامل برحمة مع من يعاني من التوتر أو القلق أو الخوف، تُعدّ من الوسائل التي تُساهم في إطفاء لهيب الغضب. وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].
وقد أكد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) على أثر اللين والرحمة في مواجهة الغضب وضرورة تجنّب المجابهة المتعنتة، فقال: ((الْحِلْمُ يَغْلِبُ الْغَضَبَ، وَالرَّحْمَةُ تَغْلِبُ السُّخَطَ))(6).
3. تجنب اللجاجة
إن التعامل المنطقي هو المنهج الصحيح في مواجهة غضب الآخرين. أما إذا استخدم أي سلوك غير منطقي أو عنيد، فإنّه سيؤدي إلى تحفيز أشدّ لغضب الطرف الآخر. وإذا فُسّر السلوك اللجاجي على أنّه ردّ فعل مشابه لسلوك الطرف الغاضب بدافع الانتقام أو الإيذاء، فإنّ مثل هذا الأسلوب يُهيئ الأرضية لتصعيد أكبر في العدوان، ويُصعّب لاحقًا إمكانية التراجع والإصلاح. ولهذا السبب، يُحذر الإمام علي (عليه السلام) من التعاطي بلجاجة مع الشخص الغاضب، فيقول: ((لا تُلاجِّ الغَضْبَانَ فَإِنَّكَ تُقْلِقُهُ بِاللَّجَاجِ وَلَا تَرُدُّهُ إِلَى الصَّوابِ))(7).
4. التعبير عن المشاعر
حينما تتواصل الحيوانات فيما بينها بأسلوب غاضب، لا شك في أن لغتها تكون مباشرة وصريحة؛ أما نحن البشر، فقد لا يكون التعبير عن الغضب لدينا بهذا القدر من الصراحة. فقد يُعبَّر عن الغضب بأسلوب غير مباشر، أو يُضخّم ويُبالغ فيه، أو قد يصحبه سلوك انتقامي، وهذه كلها أمور غير نافعة. إنّ التفريغ الانفعالي عن طريق الكلام يُثير فورًا ردّ فعل دفاعيا لدى الطرف الآخر، ولهذا ينبغي التعبير عن الغضب بوضوح ولكن بشكل دبلوماسي. ويوصي علماء النفس بالتعبير المباشر عن المشاعر.
التعبير عن المشاعر يعني إبلاغ الآخرين بالشعور الذي يراودنا تجاه سلوكهم. فإذا قام أحدهم بانتهاك حقك أو دخلت في نزاع مع شخص ما وشعرت نحوه بمشاعر سلبية، فعليك قبل أن تتحول تلك المشاعر إلى سلوك عدواني أن تضع حدا لها في تلك اللحظة، وتُفصح عنها للشخص المعني. إن التعبير عن المشاعر يؤدّي إلى تنقية الشعور ويقلل من حدة الاستثارة، ما يُسهم في تهدئة نفسك ويحول دون تحوّل انفعالك إلى سلوك عدواني، وفي الوقت نفسه يساعد الطرف الآخر على إدراك خطئه. وقد أشار الإسلام إلى هذه المسألة في ((طلب الحلية)) أو طلب المسامحة.
ويُوصي علماء النفس بتجنّب استخدام العبارات التي تبدأ بـ ((أنت)) والتي تُحمّل الطرف الآخر مسؤولية مباشرةً وتُسمّى ((رسائل أنتَ)) مثل: ((أنت غير مبال)) أو ((أنت غير منظم)). وبدلاً من ذلك، يُفضّل استخدام العبارات التي تبدأ بـ ((أنا)) وتُسمّى ((رسائل أنا)) مثل: ((أنا لا أشعر بالارتياح إزاء سلوكك)) أو ((كنتُ أفضل لو تصرّفت بطريقة مختلفة)). فعندما تستخدم هذه الطريقة، فإنّك تتحمّل مسؤولية شعورك دون توجيه اللوم للطرف الآخر.
وللاستخدام السليم لطريقة ((رسالة أنا))، يمكن اعتماد النموذج الآتي:
عندما تفعل (وصف سلوك الطرف الآخر) .............
أشعر أنا (تعبير عن مشاعرك الشخصية) .............
وأتمنى (بيان حاجتك أو مطلبك) .................
مثلاً: ((عندما تعود إلى المنزل متأخرا، أشعر بالانزعاج وأُحس بأنك تتجاهلني، وأتمنى لو تتصل بي مسبقا وتخبرني بذلك)). وفي الحالات التي يتعذر فيها التواصل الشفهي، يُنصح باستخدام وسائل التواصل الكتابي كرسالة مكتوبة أو رسالة نصية.
5. العفو
من الطرائق الفعّالة للتغلب على الغضب والانفعال أن ندرك قوة العفو. فمعظم الناس يعلمون أن عليهم أن يعفوا عمّن أساؤوا إليهم، كما أنّ العقل والتعليمات الدينية يمدحان العفو؛ ومع ذلك، فإنّنا غالبًا ما نواجه صعوبة في هذا الأمر.
وقد أظهرت الدراسات الحديثة في ((مشروع العفو)) بجامعة ستانفورد أنّ العفو يُقلّل من الغضب والكراهية؛ إذ انخفضت مستويات الغضب والكراهية بنسبة 70% لدى المشاركين الذين عفوا عمّن أساؤوا إليهم، مقارنة بأولئك الذين لم يغفروا. ويقول الدكتور فريدريك لوسكين: في ثقافتنا، لا مكان لمفهوم ((العفو))، وهو من المجالات العلمية الحديثة. ويؤكد أن مهارة العفو يجب أن تكتسب بالتعلّم، وأن انعدام هذه المهارة في التفاعل بين الأفراد هو ما يجعل كثيراً من الناس على خلاف مع بعضهم البعض.
وفي ثقافتنا الدينية، يحتل العفو مكانة رفيعة ومضيئة، وقد تمّ بیان حقيقته بوضوح. يقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام): ((الصَّفْحُ أَنْ يعْفُو الرَّجُلُ عَمَّا يَجْنِي عَلَيْهِ ويحْلُمُ عَمّا يغيظُهُ))(8).
والعفو هو عملية، وإن بدت في ظاهرها نوعا من التراجع أو التنازل للطرف المعتدي، إلا أنها تُفضي إلى نيل العزة والكرامة. ففي الواقع، يُعدّ العفو أفضل وسيلة لحفظ كرامة الإنسان واحترامه ويقول الإمام الباقر (عليه السلام): ((ثَلاث لا يزيدُ اللهُ بهن المَرَءَ المُسْلِمَ إِلا عِزَّا: الصَّفحُ عَمَّن ظَلَمَهُ، وإعطاءُ مَن حَرَمَهُ، والصَّلَةُ لِمَن قَطَعَهُ))(9).
وعلى هذا الأساس، فإنّ العفو في موضع القدرة، لا العجز، هو موضع التأكيد في النصوص الدينية. يقول الإمام علي (عليه السلام): ((مَتَى أَشْفِي غَيْظِي إِذَا غَضِبْتُ: أَحِينَ أَعْجِزُ عَنِ الإنتقام فَيَقَالُ لي لو صَبَرَتَ أمْ حِينَ أقدرُ عَلَيه فَيُقَالُ لي لَو عَفَوْتَ))؟(10).
ويستخدم علماء النفس فنّ العفو كأداة فعالة في تقليل الاستثارة الانفعالية. ويمكن للفرد أن يستخدم هذا الفن سواء في لحظة الغضب أو بعد أن يكون قد تجاوزها، بغية إنهاء هذا الانفعال السلبي. وإذا كان الشخص قد تجاوز لحظة الغضب، يُستحسن أن يُجري لنفسه ((طقوس العفو)). وفي هذا السياق، ينبغي له أن يختلي بنفسه ويسترجع ظلما تعرض له، ويتذكر تفاصيل الحادثة، ثمّ يقرّر لأسباب يعرفها هو جيدا أن يعفو عن من انتقص حقه. وإذا تمّ أداء طقوس العفو بنجاح، فلا ينبغي أن تبقى لدى الفرد أي مشاعر سلبية، ولا أن يحمل في نفسه شيئًا ضدّ الطرف الآخر. فإذا شعر بالارتياح التام حين يتذكر الشخص الذي ظلمه، وتمكّن من التفكير فيه بلا مشاعر سلبية، فهذا دليل على أنّه قد عفا حقًا؛ أما إذا بقيت لديه مشاعر سيئة، فمن الأفضل أن يُعيد طقوس العفو مرة أخرى.
6. الإهداء
إن الأثر النفسي للإهداء في إيجاد الميل والمودة نحو المهدي بالغ للغاية، حتى إنّه قد نُهي عنه في بعض الحالات، كالإهداء إلى الظالم أو الإهداء بقصد الرشوة، لما قد يترتب عليه من آثار سلبية، كما ورد ذلك في النصوص الدينية. فإنّ الأثر القهري والطبيعي للإهداء هو التليين. وبناءً على ذلك، فقد أوصت بعض الروايات باتخاذ الإهداء كوسيلة لمواجهة الغضب. يقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام): ((مَا اسْتُعْطِفَ السُّلْطَانُ وَلَا اسْتُسِلَّ سَخِيمَةُ الْغَضْبَانِ وَلَا اسْتُمِيلَ الْمَهْجُورُ وَلَا اسْتُنْجِحَتْ صِعَابُ الْأُمورِ وَلَا اسْتُدْفَعَتِ السُّرُورُ بِمِثْلِ الْهَدِية))(11).
ويُعدّ الإهداء موقفًا فريدًا في تخفيف الغضب، إذ يُزيل الانفعالات السلبية الناتجة عن المواجهات والمواقف المتوترة، وله تأثير إيجابي في تعديل الانحيازات المتشائمة. يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((تَهادَوا؛ فإِنَّ الهَدِيةَ تَسِلُّ السَّخائِمَ، وتُجلي ضَغَائِنَ العداوة والأحقادِ))(12).
كما أن الإهداء يولّد رؤية إيجابية ويُعزز العواطف والمشاعر الإيجابية والمحبة. يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((الهَدِيةُ تُورِثُ المَوَدَّة، وتَجدُرُ الأخُوَّةَ، وتُذهبُ الضَّغينةَ، تَهادُوا تَحابُّوا))(13).
ومن منظور أوسع، فإنّ الإهداء يُعين الإنسان على تجاوز التمركز حول الذات، والتحوّل إلى التمركز حول الآخر، مما يجعله أكثر قبولاً لدور الآخرين وحضورهم في حياته.
7. الاتصال الجسدي مع الأقارب
عادةً ما يحدث الاتصال الجسدي بين الأقارب في سياق عاطفي إيجابي، مثل المصافحة أو التقبيل وما شابه ذلك. ويبدو أن استحضار العاطفة الإيجابية قد يكون آلية فاعلة لمواجهة الغضب تجاه الأقارب، بحيث يعمل هذا الاتصال كالسكب بالماء على نار الغضب. وتعد هذه الحركة بمثابة أسلوب سلوكي إيجابي يسهم في تهدئة غضب الطرف الآخر. يقول الإمام الصادق (عليه السلام): ((أيمَا رَجُلٍ غَضِبَ عَلَى ذِي رَحِمٍ فَلْيدْنُ مِنْهُ فَلْيَمَسَّهُ فَإِنَّ الرَّحِمَ إِذَا مُسَّتْ سَكَنَتْ))(14).
ومع ذلك، فإنّ أيّ شكل من أشكال الاتصال الجسدي العنيف، كأن يكون عبر الضرب أو الضغط أو الدفع الذي يُعبّر عن الغضب والانزعاج، يُؤدّي إلى تصعيد العدوانية. فالحنان والغضب كلاهما ينتميان إلى الطبيعة العاطفية والانفعالية ذاتها، لكن الاختلاف في الاتجاه الإيجابي أو السلبي هو ما يميزهما. ولعلّ هذا التشابه الجوهري هو سرّ تأثير لمس القريب، مع ملاحظة أن نطاق هذا الأسلوب يقتصر على الحالات التي يجيز فيها الشرع لمس القريب.
النتيجة
يكشف التأمل الأعمق في الروايات أن تفعيل جميع الاستراتيجيات الموصى بها بصورة شاملة يجعل عملية المواجهة أكثر جدية وواقعية. ونظرًا إلى أن السلوك العدواني تصرف ذو أبعاد معرفيّة وعاطفية وسلوكية، فإنه من اللائق أن تعتمد طرق ضبطه أيضًا على أسس أوسع (معرفية، سلوكية، انفعالية، روحية، وبيولوجية).
ومن أمثلة ذلك، الرواية الواردة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، التي تتضمن توصيات سلوكية ومعرفية وعاطفية وروحية؛ إذ يقول للإمام علي (عليه السلام): ((يا علي! لا تَغضَبْ، فَإِذا غَضِبتَ فَاقِعُدْ وتَفَكرْ في قُدرَةِ الرَّبِّ عَلَى العِبادِ وحلمه عَنهُم، وإذا قيلَ لك: ((اتَّقِ اللَّهِ)) فَانبِذ غَضَبَك، وراجِعْ حِلَمَكَ))(15).
في هذه الرواية تتكامل عدة استراتيجيات للمواجهة: تبدأ بالتوصية السلوكية المتمثلة في الجلوس وتغيير الجو، تليها التوصية المعرفية المتمثلة في التفكير المنطقي الذي يزيد من قدرة التحكم في السلوك والانفعال، ثم يأتي تذكّر الله ومراعاته باعتباره حلاً روحياً، وأخيرًا يظهر الحلم كآلية مواجهة معرفية انفعالية للغضب والسلوك العدواني. إن التوصيات المركبة المذكورة آنفا تُعدّ من أكثر الوسائل تأثيرا ونجاحا في ضبط الانفعالات، ولا سيّما الغضب وتكمن الخصوصية الرئيسة لهذه التوصيات في تغيير النظرة الكونية للفرد نحو السلامة النفسية من جهة، وتصحيح الأخطاء المعرفية من جهة ثانية، وفي نهاية المطاف تغيير سلوكه تغييراً شاملاً يُبعد ذهنه عن موضوع الغضب.
وتوجد روايات كثيرة من هذا القبيل، تحتوي على الأقل على استراتيجيتين للمواجهة أو تضمّ الاستراتيجية الواحدة أبعادًا متعددة ومن ذلك، على سبيل المثال، ما جاء في وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مالك الأشتر بشأن ضبط الغضب: ((املك حمية أنفك، وسَورَةَ حَدَّك، وسَطوَةَ يدك، وغَربَ لسانك، وَاحْتَرَس مِن كلَّ ذلك بكفّ البادِرَةِ، وتَأخِيرِ السَّطَوَةِ، [وَارفَعْ بَصَرَك إلى السَّماءِ عِندَ ما يحضَرُكَ مِنْهُ] حَتَّى يسكن غَضَبُكَ فَتَملك الاختيار، ولَن تَحكم ذلِكَ مِن نَفْسِكَ حَتَّى تُكثِرَ هُمُومَكَ بِذِكرِ المَعادِ إِلى رَبِّكَ))(16).
تقدّم هذه الرواية رزمةً متكاملة لضبط الغضب، حيث تجمع بين الإمساك باللسان الذي هو ترجمان الفكر وبين تأجيل السطوة البدنية والامتناع عن القوّة والعنف، مع تغيير الفضاء برفع النظر إلى السماء، والتفكير في العاقبة والمصير، مما يشكل شبكة مترابطة من الوسائل المخصصة لمعالجة هذا الموقف الظاهري البسيط: الغضب.
وفي العصر الراهن، تتجه معظم الأساليب العلاجية النفسية الفعالة نحو نموذج متعدّد الأبعاد. وكما يقول إليس، ((المستقبل للعلاج متعدد الأبعاد)). ويُعد لازاروس الرائد في هذا المجال؛ إذ يرى أنّ معظم أساليب العلاج النفسي الحالية ذات اتجاه أحادي أو ثنائي أو في أفضل الأحوال ثلاثي الأبعاد، بينما تتيح المنهجية المتعددة الأبعاد تحويل طيف واسع من الاستراتيجيات إلى أدوات مرنة ومنطقية.
كما تمكن الشخص من استخدام مجموعة من الطرائق ((التشاركية غير التدميرية)). وهو يركز بالتوازي على سبعة أبعاد أساسية: السلوك الشعور الاستقبال الحسي، التصوير الذهني، المعرفة، العلاقات بين الأفراد، والبعد البيولوجي.
__________________________
(1) الكافي، ج 2، ص118-119.
(2) كنز الفوائد، ج 1، ص 199؛ بحار الأنوار، ج 1، ص 160.
(3) كتاب من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 392.
(4) بحار الأنوار، ج 71، ص 168.
(5) شرح نهج البلاغة، ج 20، ص 285.
(6) الكافي، ج 8، ص 149؛ بحار الأنوار، ج 57، ص 99.
(7) شرح نهج البلاغة، ج20، ص 279.
(8) غرر الحكم ودرر الكلم، ص 102، ح 1875.
(9) الكافي، ج 2، ص 109، ح 10.
(10) نهج البلاغة، ج 4، ص 45؛ خصائص الأئمة (عليه السلام)، ص112.
(11) مستدرك الوسائل، ج 13، ص 207، ج 71.
(12) الكافي، ج 5، ص 143، ح 7.
(13) بحار الأنوار، ج 77، ص 166، ح2.
(14) الكافي، ج 2، ص 303؛ وسائل الشيعة، ج 15، ص 358؛ بحار الأنوار، ج70، ص 264.
(15) تحف العقول، ص 14.
(16) نهج البلاغة، ص 444، رسالة 153 تحف العقول، ص 148.
الاكثر قراءة في مشاكل و حلول
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)