

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية


القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي


المجموعة الجنائية


قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي


القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية


القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني


قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية


المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات


علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية
الآثار المترتبة على تحقق اختلال التوازن المعرفي
المؤلف:
صبا علي داود
المصدر:
اختلال التوازن المعرفي في عقود الاستهلاك في مرحلة تنفيذ العقد
الجزء والصفحة:
ص 21-38
2026-05-02
37
تؤدي المعلومات والبيانات دوراً مهماً في العلاقة العقدية الاستهلاكية بالنسبة للمستهلك ، ويرجع السبب في ذلك يرجع الى انعدام التكافؤ بينهما من حيث العلم والمعرفة ، فوجود طرف يعلم بكل خفايا العقد المراد إبرامه بحكم خبرته وممارسة نشاطه على سبيل الانتظام ، وطرف آخر جاهل لا علم له بصدد المعلومات والبيانات التي يحوزها المهني والتي من شأنها التأثير على رضاه ويقدم على أبرام الصفقة وهو غير مدرك بصورة كافية بصدد التعامل المقدم عليه وما يترتب عليه من تبعات خلال مرحلة تنفيذ العقد ، خاصة في أطار السلع ذات التركيب المعقد من حيث المواد الداخلة فيها ، ومن ناحية اخرى وفي ظل المنافسة بين مقدمي السلع والخدمات أستخدم هؤلاء شتى وسائل الترويج والتسويق لهذه السلع والخدمات والتي غالباً ما تحتوي على معلومات مضللة كاذبة بغية اصطياد المستهلكين للتعاقد معهم من أجل تصريف هذه السلع والخدمات والحصول على ارباح هائلة . كل هذه المعطيات من شأنها التأثير على رضا المستهلك الذي يقدم على ابرام العقد بإرادة معيبة غير ملم بصدد المعلومات والبيانات حول موضوع العقد (1)
لذا سنخصص الفرع الأول من هذا الموضوع للبحث بتحقق هذا العيب في رضا المستهلك ، فضلاً عن ان عدم التكافؤ المعرفي بين الطرفين المتعاقدين أتاح للطرف الاقوى معرفياً الى الانفراد بصياغة العقود وتضمينها ما يشاؤون من الشروط التي غالباً ما تكون تعسفية بغية من وراء ذلك الحصول على ارباح هائلة على حساب المستهلك الضعيف معرفياً لضمان استمرار نشاطهم ، بناء على ذلك سنخصص الفرع الثاني من هذا الموضوع لبحث في تعسف الطرف القوي في فرض الشروط ، ويضاف الى ذلك ان اختلال الجانب الموضوعي للتوازن العقدي بين الحقوق والالتزامات للأطراف و الذي قوامه المساواة في العلم والمعرفة بصدد عناصر العقد بين الاطراف يحول دون تحقيق التوازن المعرفي فيما بينهما مما يؤدي الى ترسيخ اختلال التوازن العقدي بين أداءات الطرفين جراء اختلال في التوازن المعرفي للإحاطة بفكرة هذا الاختلال وعلاقته بالاختلال التوازن المعرفي ، سنخصص له الفرع الثالث من الموضوع .
الفرع الأول
فقدان التبصير وتحقق العيب في رضا المستهلك
يعد الرضا ركناً اساسياً في العقد الذي يتم إبرامه ، ويشترط لوجوده أن يكون هذا الرضا صحيحاً صادراً عن ارادة حرة واعية لحقيقة التصرف المقدم عليه غير أن التقدم العلمي والتحولات التكنولوجية التي شهدها العالم ، وما ترتب جراء ذلك من انعدام المساواة في العلم والمعرفة بين أطراف العلاقات العقدية ، ادت الى ان يجد المتعاقد نفسه بمركز ضعيف معرفياً ، يفتقد الى المعرفة والعلم بمواصفات وخصائص السلعة او الخدمة ، من شأن ذلك التأثير على ارادته فيندفع لإبرام العقد وهو جاهل لا علم له بصدد المعلومات والبيانات الجوهرية الخاصة بالسلعة او الخدمة ، مما يؤدي الى وقوع أرادته في عيب من عيوب الرضا ( الغلط، التغرير مع الغبن الفاحش والتي يقابلها التدليس في القانون المدني المصري ) (2) ، حيث يعد رضاه موجوداً لكنه معيب بأحدى هذه العيوب ،لذا سوف نوضح هذه العيوب التي يقع فيها المستهلك جراء اختلال التوازن المعرفي في فقرتين مستقلتين :-
أولاً : وقوع المستهلك في عيب التغرير مع الغبن الفاحش :-
يقصد بالتغرير كعيب يصيب ارادة المستهلك نتيجة لاختلال التوازن المعرفي هو استعمال المهني مقدم السلعة أو الخدمة طرق احتيالية سواء بذكر أمور مغايرة للحقيقة أو أن يقوم باتخاذ اجراءات من شأنها أيهام المستهلك بغير حقيقة التصرف المقدم عليه فيدفعه ذلك الى التعاقد (3) التغرير وأن كان غلطاً يوقع في ذهن الشخص المستهلك فيحمله على التعاقد الا أنه غلط مدبر يوقعه به المهني المتعامل معه مقدم السلعة او الخدمة ليتم ايقاعه في الوهم، وهذا ما نصت عليه المادة (121) من القانون المدني العراقي وتقابلها نص مادة (143) من القانون المدني المصري الذي اعتبر التدليس عيب من عيوب الارادة اذ نصت بالقول " يجوز ابطال العقد للتدليس اذا كانت الحيل التي لجأ أليها أحد المتعاقدين أو نائب عنه من الجسامة بحيث لولاها لما أبرم الطرف الثاني العقد " ويقابلهما عيب التدليس في القانون المدني الفرنسي اذ نصت المادة (1116) من القانون المدني الفرنسي بالقول " التدليس لا يفترض ، ويجب على من يدعيه أثباته ، فإذا أثبت استخدام أحد طرفي التعامل لوسائل ومناورات احتيالية ، فأن هذا يؤدي الى أمكان المطالبة بأبطال العقد ، بشرط أن يثبت على وجه اليقين أن من تعرض للتدليس لم يكن ليتعاقد الا بسبب هذه الوسائل التدليسية " ، ومن ثم نستنتج من خلال هذه النصوص ، بأن التغرير الذي اخذ به المشرع العراقي والتدليس الذي اخذ به المشرع المصري والفرنسي لا يفترض على المستهلك ويجب على المستهلك الذي وقع ضحيته ان يثبت توافر شروطه ، من استعمال طرق احتيالية غير مشروعة وأن يتصل استعمالها من قبل المتعاقد معه أو نائبه وان يؤدي استخدامها الى توجيه ارادته الى التعاقد معه ، حتى يمكنه القول بأن هذه الوسائل التدليسية التي استخدمها المهني المتعاقد معه من شأنها التأثير على ارادته وجعلته يندفع الأبرام العقد من دون ارادة واعية مدركة بصورة كافيه للتصرف المقدم عليه وعلى هذا ينبغي توافر الشروط الآتية لكي يعتبر التغرير مع الغبن الفاحش عيباً من عيوب الرضا .
أ- استعمال طرق احتيالية غير مشروعة :-
لا يمكن للمهني مقدم السلعة او الخدمة اللجوء الى التغرير ودفع المتعامل الى التعاقد معه الا باستخدام وسائل احتيالية غير مشروعة ، أن هذه الوسائل الاحتيالية تشمل كل ما يؤدي الى ايهام المتعاقد المستهلك بغير الحقيقة وسواء باتخاذ المهني موقفاً ايجابياً أو سلبياً ، كأن يقوم المهني مقدم السلعة أو الخدمة المعروضة للاستهلاك ، والذي يملك العلم والمعرفة بالمعلومات والبيانات الكافية بصدد ماهية وخواص السلعة أو الخدمة المتعاقد عليها ، بتقديم معلومات مخالفه لحقيقتها ، كما لو كانت السلعة المتعاقد بشأنها مثلا جهاز كهربائي معين يعمل بسرعة معينة ، لكن المهني يذكر للمستهلك انه يعمل بسرعة معينة مخالفة لسرعته الحقيقية او ينفي وجود صفة غير حسنة موجودة في سلعة ما بالرغم من وجودها لو علم بها المستهلك لما ابرم العقد معه ، وهذا يسمى بالكذب التغريري (4) . كما يمكن ان يتحقق التغرير بهذا الكذب من خلال اعلانات تجارية كاذبة مضللة، يقوم بها المهني بهدف التسويق والترويج للسلع والخدمات محل هذه الاعلانات لأغراء المستهلكين واصطيادهم للتعاقد معهم من دون تفكير وتبصير في امر التعاقد، كأن يقترن هذا الاعلان بمقطع أو صورة تظهر فيه السلعة أو الخدمة بألوان زاهية مغرية بشكل مخالف لحقيقتها او تقتصر هذه الاعلانات بذكر معلومات عنها فقط ، كذكر معلومات وبيانات تخص مواصفاتها وخصائصها على نحو يخالف حقيقتها ايضاً بهدف خداع المستهلك الذي لا علم له بهذه المعلومات (5) .
وبهذا الصدد يثار تساؤل ؟ هل كل كذب بهدف الترويج والاعلان للمنتوجات يشكل تغريراً او تدليساً؟ للإجابة على هذا التساؤل ميز الفقه بين نوعين من الكذب المباح والممنوع ، الكذب المباح الذي يبالغ فيه المهني بأظهار محاسن السلعة أو الخدمة في حد معقول لا يشكل تغريراً او تدليساً ، مالم يثبت المستهلك لديه نية خداعة ، أما الكذب الممنوع الذي ينصب على معلومات تخص السلعة أو الخدمة وتعد مهمة للمستهلك لإبرام هذا العقد يشكل تدليساً لما ينطوي عليه من اضرار بالمستهلك (6) كما يمكن أن يتحقق التغرير باتخاذ المهني موقفاً سلبياً بالسكوت عن الادلاء بالمعلومات والبيانات الجوهرية عن المنتجات، لا سيما مصدرها وثمنها وصفاتها وخصائصها الاساسية وأي بيانات اخرى ملزماً بتقديمها بمقتضى نصوص قانون حماية المستهلك ، ان السكوت كأصل عام لا يشكل تغريراً الا عندما يكون الكتمان يتعلق بمعلومات لها اهمية بالنسبة للطرف المقابل وملزما بتقديمها ولا سيما اذا ما علمنا انه في اطار عقود الاستهلاك تعد هذه المعلومات مهمة بشكل اساسي بالنسبة للمستهلك ، ومن ثم فأن كتمانها يشكل تغريراً يترتب من جرائها فقدان التبصير والتنوير لإرادة المستهلك (7) وبناء على ذهبت المادة (6) و (7) من قانون حماية المستهلك العراقي رقم (1) لسنة 2010 بإلزام المهني بتقديم جملة من المعلومات والبيانات للمستهلك والامتناع عن ممارسة الغش والتضليل والتدليس حفاظاً على حقوق المستهلك وعدم الاضرار به ، و ذهبت المادة (125ف 2) مدني المصري الى القول " يعتبر تدليسا السكوت عمداً عن واقعة أو ملابسة اذا اثبت ان المدلس عليه ما كان ليبرم العقد لو علم بتلك الواقعة أو هذه الملابسة " لا يكفي لتحقق التدليس او التغرير مع الغبن الفاحش استعمال المهني هذه الوسائل الاحتيالية بل لابد ان يقترن استعمالها بنية التضليل ، بمعنى ان يكون نية المهني من وراء تقديم معلومات مغايرة للحقيقة او كتمانها بهدف خداع المستهلك للتوصل الى ابرام الصفقة .
2- دفع ارادة المغبون الى أبرام العقد :-
اشترطت المادة ( 126 ف 1) مدني المصري والمادة ( 1116) مدني الفرنسي ان تكون الوسائل الاحتيالية الدافعة الى التعاقد ، لما لها من التأثير على ارادة المستهلك، بحيث لولاها لما ابرم المستهلك العقد هي ويرجع في تقدير ذلك من حيث مدى تأثير هذه الوسائل الاحتيالية على ارادة المستهلك واندفاعه الى ابرام العقد الى قاضي محكمة الموضوع هو الفيصل في ذلك ، بالنظر الى حالة الشخص وما أحاط ابرام العقد من ظروف ، اي بمقتضى معيار شخصي قوامه الشخص المدلس عليه فهنالك من الاشخاص يسهل خداعهم وهنالك من الناس يصعب ذلك (8) .
في حين نجد أن المشرع العراقي وبمقتضى نص المادة (121) من القانون المدني لم ينص على توافر هذا الشرط ، بل يكتفي بتحقق التغرير ووقف العقد لصالح المستهلك ، بصدور وسائل الاحتيالية من المهني وتحقق من جراء ذلك غبن فاحش على حساب المستهلك .
3- أن يقترن التغرير بالغبن الفاحش :
انفرد بهذا الشرط المشرع العراقي بموجب نص المادة (121) التي ذهبت بالقول " اذا غرر أحد المتعاقدين بالآخر وتحقق في العقد غبنا فاحشاً .." ، حيث ان التغرير الذي اوقع المستهلك بالغلط دفعه الأبرام العقد من غير ارادة مدركة مستنيره لحقيقة المحل المتعاقد عليه ، لكي يعد عيباً يصيب ارادة المستهلك بموجب المادة المذكورة، فأنه يقتضي أن يترتب عليه غبن فاحش والذي يقصد به عدم التعادل بين البدلين اي ان تكون المنفعة التي يتقاضها المستهلك لا تتناسب مع المقابل الذي قدمه بمناسبتها .
ثانيا :- وقوع المستهلك في عيب الغلط :
النقص أو فقدان العلم والدراية بصدد المسائل الفنية أو التكنولوجية للسلعة او الخدمة او شروط العقد او أية معلومات اخرى من شأنها التأثير على ارادة المستهلك والتي تجعله يتصور او يعتقد بوجود خصائص او مواصفات في المحل المتعاقد عليه غير موجودة أصلاً أو العكس ، يؤدي به هذا الوهم الى ابرام العقد على غير بيئة من أمره لو يعرف بحقيقة الامر لاتخذ موقف مغاير بصدد التصرف الذي أقبل عليه ، مما يؤدي الى وجود رضا معيب بعيب الغلط (9) ، ويقصد بهذا الغلط كعيب يصيب رضا المستهلك نتيجة لاختلال التوازن المعرفي ، وصف نفسي يقوم في ذهن الشخص يتخيل بمقتضاها الواقع على غير حقيقة لا يتفق مع ما عينته الارادة أصلاً ومن شأنه يؤدي به الى ابرام التصرف ما كان ليبرمه لو علم بحقيقة المحل المتعاقد عليه (10) .
عدت التشريعات الدول محل المقارنة ان هذا الغلط كأحد العيوب التي تصيب رضا المتعاقد وضمنتها بنصوص قانونية في تشريعاتها حيث نظم المشرع العراقي عيب الغلط في نصوص المواد (118-121) من القانون المدني العراقي ، ويقابلها المشرع المصري بنصوص المواد (120- 124) من التقنين المدني ، وكذلك الحال بالنسبة للمشرع الفرنسي نص على عيب الغلط المادة بموجب (1110) من التقنين المدني والجدير بالذكر وبالاستناد الى نصوص هذه التشريعات فأنه ليس كل غلط يقع به المستهلك يحظى بالحماية التشريعية ، بل لا بد من توافر شروط نصت عليها ، أولهما ان يكون الغلط الذي وقع به المستهلك جوهرياً، وثانيها ان يتصل هذا الغلط الذي وقع به المستهلك بعلم المتعاقد الآخر كالآتي :-
1- أن يكون الغلط جوهرياً
يقصد بجوهرية الغلط ، ان يكون الغلط الذي وقع به المستهلك، سواء كان في الشيء محل العقد او صفه من صفاته او شخص المتعاقد ، قد بلغ حداً من الجسامة والأهمية بالنسبة للمستهلك ، وهذا ما ذهبت اليه المادة (118) من القانون المدني العراقي بقولها " لا عبرة بالظن البين خطاه فلا ينفذ العقد " .
1- اذا وقع غلط في صفة للشيء تكون جوهرية في نظر المتعاقدين أو يجب اعتبارها كذلك للظروف التي تم فيها العقد ولما ينبغي في التعامل من حسن النية .
2- اذا وقع في ذات المتعاقد أو صفة من صفاته ، وكانت تلك الذات أو هذه الصفة السبب الوحيد او السبب الرئيسي في التعاقد وتقابلها بذات السياق مادة (121) من القانون المدني المصري .
إن التقدم العلمي والتطور الذي شهده العالم أجمع بمجالات الحياة كافة ، وما ترتب عليه ، كما بينا ، من غزو الاسواق والمحلات بكم هائل من السلع والخدمات ذات تركيب فني معقد ، غالباً ما يكون المستهلك يفتقد الى الخبرة والمعرفة والدراية بصددها لكي يتسنى له تمييز بين هذه السلع والخدمات من حيث جودتها وتركيبها و ثمنها وصلاحيتها للمعرفة بحقيقتها ومدى ملائمتها لحاجته الشخصية ، جميع هذه المعطيات تجعله يعتقد بوجود صفة معينة موجودة في المبيع غير موجودة اصلا ، كما لو أشترى شمعداناً معتقدناً انه مصنوع من الفضة وفي حين أنه مصنوع من النحاس المطلي بالفضة (11)
ويثار بهذا الصدد التساؤل فيما يتعلق بالمعيار الخاص بتحديد الصفة الجوهرية للغلط في الشيء، هل يقاس بمعيار موضوعي قوامه مادة الشيء ام بمعيار شخصي قوامه الصفة في نظر المستهلك؟ للإجابة على هذا التساؤل فأنه يمكن القول باختلاف موقف التشريعات ، فيما يتعلق بموقف المشرع الفرنسي ، ذهب في بادئ الأمر بالاستناد الى نص المادة (1110) من القانون المدني بقولها " لا يكون الغلط سبباً لبطلان الاتفاقية الا اذا وقع على جوهر الشيء بالذات الذي يشكل موضوع الاتفاقية" ، ان الغلط لا يعيب الارادة الا اذا كان واقعاً في مادة الشيء ، أي استند الى معيار موضوعي قوامه مادة الشيء لتحديد الصفة الجوهرية للغلط الا انه عدل عن موقفه هذا بعد أن أدرك جمود هذه المادة وما تضيقه من مجال حماية المستهلك ولا سيما ما شهده العالم من التقدم العلمي، وظهور اشخاص مختصين يملكون العلم والمعرفة ، وظهور ما يسمى بالعقود النموذجية التي يكتنفها الغموض لأيهام المستهلك نبذ هذا المعيار المادي ، وأخذ بالمعيار الشخصي الذي قوامه الصفة الجوهرية للشيء في نظر المتعاقد (12) بموجب المادة (1132) من القانون المدني الفرنسي الجديد رقم 131 لسنة 2016 بقولها ".. يكون سبباً لبطلان العقد عند وقوعه بالصفات الاساسية للخدمة المستحقة او تلك الخاصة بالطرف المتعاقد "
وتأكيداً لذلك قضت محكمة استئناف باريس بإبطال عقد بيع سيارة لان المشتري كان يرغب في الحصول على سيارة جديدة في حين أنه تحصل على السيارة التي كانت معروضة للجمهور مما ادى الى وقوعه في غلط حول الصفة الجوهرية في الشيء المبيع (13) ، اما فيما يتعلق بموقف المشرع العراقي والمصري فإنهما كانا أكثر وضوحاً اذ اخذا بالمعيار الشخصي الذي قوامه الصفة الجوهرية في اعتبار المتعاقد وهذا ما ذهبت له المادة (118) مدني العراقي بقولها " يكون الغلط جوهرياً اذا بلغ حداً من الجسامة بحيث يمتنع المتعاقد معه على ابرام العقد لو لم يقع بهذا الغلط " وتقابلها بذات السياق المادة (121) من القانون المدني المصري، فالعبرة في معرفة اذا كان الغلط جوهرياً الشخص المتعاقد الذي وقع في الغلط ، فالباعث الدافع ذو طبيعة نفسية كامن داخل النفس ويقوم بتوجيه الارادة وتحريكها لأبرام التصرف واظهارها الى العالم الخارجي ، فالباعث الدافع هو الذي اكسب هذا الغلط المعيار الشخصي الذي قوامه الشخص المتعاقد فلا يؤخذ في هذا المجال بالمعيار الموضوعي ، مما يقتضي البحث في توافر هذه الصفة من عدمها وفي مدى تأثيرها على رضاء المتعاقد الذي وقع ضحيته (14) ، ان جوهرية الغلط الذي يقع به المستهلك لا يقتصر على هذه الصفة في الشيء ، قد يقع هذا الغلط بذات المتعاقد او صفة من صفاته وتكون هي الدافع الرئيس الى اقدامه لأبرام التصرف معه ، كما لو تعاقد مع مهني لمهارته وخبرته الطويلة بأنتاج سلعة أو تقديم خدمة ثم يتضح له بعد ذلك ان يتعامل مع شخص آخر غير الشخص الذي يقصده بسبب تشابه الاسماء بينهما ، أو يبرم هذا المستهلك عقداً عبر شبكة الانترنيت ويقع في غلط بموقع الويب الذي يعرض سلعة أو خدمة ما ، بسبب تشابه مع موقف آخر (15) ، ولا تقتصر جوهرية الغلط على ما ذكرناه ، قد يكون الغلط جوهرياً نظراً لظروف التعاقد وما يقتضيه مبدأ حسن النية ، كما لو ادرج المهني المتفوق معرفيا بمفردة شروط غامضة غير مفهومة تحمل أكثر من معنى ، يوقع المستهلك في غلط بفهم هذه الشروط او ما تخصصه له من منافع ومزايا تكون هي الدافع الرئيس الى التعاقد ، وبهذا الصدد قضت محكمة النقض الفرنسية " بعدم اظهار الشرط الذي ينص على عدم امكان الاستفادة بالقرض الا بعد مرور عدة سنوات في مكان متميز من العقد ، فأن الشركة المقرضة تكون قد اوقعت عمليها في غلط جوهري متعلق بأحد شروط العقد الاساسية، مما يتيح للعميل طلب أبطال العقد (16) .
2- ان يتصل الغلط بعلم المتعاقد الآخر :-
لا يكفي للتمسك بالغلط نتيجة لاختلال التوازن المعرفي ان يكون الغلط جوهرياً ، بل يقتضي ان يكون هذا الغلط الذي وقع فيه المستهلك قد اتصل بعلم المهني مقدم السلعة او الخدمة ، وهذا امر بديهي حيث ان المهني بحكم خبرته والتخصص في مزاولة نشاطه على سبيل الانتظام والاستمرار بإنتاج أو توزيع او بيع سلعة او تقيم خدمة ما ، يكون عالماً بالبيانات والمعلومات التي تخصها كافة ، حيث افترض المشرع بموجب قوانين حماية المستهلك علم المهني والزمه بتقديم المعلومات بصدد السلعة أو الخدمة المتعاقد عليها بنصوص أمرة من خلال احكام مادة (6) من قانون حماية المستهلك العراقي وتقابلها مادة (4) من قانون حماية المستهلك المصري ومادة (111) من قانون حماية المستهلك الفرنسي ، ومن ثم لا يمكن ان يدعي بجهلها او عدم علمه بالغلط الذي وقع فيه المستهلك (17) .
الفرع الثاني
تعسف الطرف القوي في فرض الشروط
التفاوت الصارخ في المعرفة بالمعلومات والبيانات بين طرفي العلاقة العقدية الاستهلاكية ، دفع المهنيين المحترفين الى الانفراد بوضع شروط العقد والتي غالباً ما تكون تعسفية ، معدة مسبقاً على الوجه لا يسمح للمستهلك التفاوض بشأنها سواء بالاضافة او التعديل او الحذف، فلا يملك الا القبول بهذه الشروط كما هي أو رفضها بمجملها ، كما لو ادرج شرطاً من شأنه يحدد المهني فيه قيمة الشرط الجزائي عند العدول عن العقد اكبر من الامكانيات المادية للمستهلك ولا يتناسب مع الضرر الذي يترتب جراء اخلال المستهلك بتنفيذ التزامه او يدرج شرطاً يكون بمقتضاه غير مسؤول عن المنتج متى ما كان غير للمطابق للمواصفات المطلوبة عند تسليمه للمستهلك مما يترتب عليه ظهور علاقة عقدية مختلة التوازن ، (18) ، مما يقتضي معرفة المقصود بهذه الشروط التعسفية ، وهل كل شرط يدرجه المهني في وثيقة العقد يعد تعسفياً ام يقتضي توافر عناصر معينة ، وماهي أمثلة هذه الشروط التي لابد من معرفتها وتجنبها في أطار التعاملات ؟ للاجابة عن ذلك منقسم هذه الفرع على ثلاث فقرات ، الفقرة الأولى البحث بتعريف الشرط التعسفي ، والفقرة الثانية ستكون لبحث عناصر الشرط التعسفي ، أما الفقرة الثالثة ستكون خاصة بأمثلة الشروط التعسفية :-
أولاً : تعريف الشرط التعسفي :-
نتيجة عدم تحقق التكافؤ المعرفي بصدد المعلومات والبيانات الخاصة بالمحل المتعاقد عليه ، فأن الطرف القوي أنفرد بأدراج شروط العقد بغية من وراء ذلك تحقيق ميزة فاحشة على حساب المستهلك، لضمان استمرار نشاطه مما يؤدي الى اختلال التوازن العقدي بين الحقوق والالتزامات بالنسبة للاطراف ، وان كان هذا المقصود بالشرط التعسفي بصورة عامة الا ان الفقه اورد تعريفات عديدة له ، عرفه البعض بأنه " شرط يفرض على طرف المتعاقد يوجد في مركز يعاني من عدم المساواة الاقتصادية ، لصالح الطرف الذي اشترطه يترتب عليه عدم التوازن العقدي بينهما " (19) نلاحظ ان هذا التعريف ينظر الى الشرط من ناحية اختلال التوازن الاقتصادي بين الاطراف ، في حين أن اختلال المراكز بين الاطراف لا يقتصر على الناحية الاقتصادية ، بل يوجد اختلال في مراكز الاطراف من الناحية المعرفية الذي يشكل جوهر عقد الاستهلاك ولا يقل شأناً عنه ، ومن ثم لا يمكن ان نعول عليه .
وعرفه البعض الآخر بأنه " هو ذلك الشرط الذي يفرضه المزود نتيجة التعسف في استعمال الأخير سلطته الاقتصادية على المستهلك بغرض الحصول على ميزة مجحفة " (20) نلاحظ ان هذا التعريف ، وان بين عناصر هذا الشرط بصورة موجزة ، الا انه يتفق مع التعريف السابق كونه ينظر الى الجانب الاقتصادي فقط ، اذ كان الاجدر ان ينظر الى الجانب المعرفي الذي لا يقل خطورة عن التفاوت الاقتصادي .
وعرفه البعض الآخر ايضا بأنه " بند يدرجه الطرف الأقوى في العلاقة العقدية، فارضاً ارادته على الطرف الضعيف الذي لا يملك الا الاذعان لهذه البنود نتيجة القوة والنفوذ الذي يتمتع بها من يفرضه عليه، بهدف الحصول على منفعة مفرطة غير مألوفة منتقصاً من حقوق الطرف الضعيف " (21) هذا التعريف ينظر الى الشرط التعسفي كونه بند يدرجه الطرف الأقوى مستغلا نفوذه ، فلا يحصرها على نفوذ معين وهو امر جيد أذ يدخل ضمن نطاقه النفوذ المعرفي ، فضلاً عن ما بينه من العناصر الخاصة بالشرط التعسفي فهو أمر جيد أيضاً .
وان كانت هذه التعريفات تبين المقصود من الشرط التعسفي الا ان التشريعات لا تخلو أيضا من بيان المقصود منها بصدد موقف التشريعات العربية ، فيما يتعلق بموقف المشرع العراقي نجد وبالرجوع الى نصوص قانون حماية المستهلك رقم (1) لسنة (2010) لم يشر في نصوصه الى بيان المقصود من الشرط التعسفي الا انه يمكن الرجع الى احكام القانون المدني رقم (40) لسنة (1951) المعدل ، فقد أشار بين طيات نصوصه الى تعريف عقد الاذعان الذي يشكل المجال الخصب لهذه الشروط ومنح صلاحية لقاضي محكمة الموضوع تعديل الشروط التعسفية واعفاء الطرف المذعن منها من خلال نص مادة ( 167) التي نصت بالقول " اذا تم العقد بطريق الاذعان وكان قد تضمن شروطاً تعسفيه جاز للمحكمة ان تعدل هذه الشروط او تعفي الطرف المذعن منها وذلك وفقاً لما تقضي به العدالة .."
اما فيما يتعلق بموقف المشرع المصري حيث بالرجوع الى قانون حماية المستهلك المصري رقم 181 لسنة 2018 ، لم يورد بين نصوص هذا القانون المقصود بمفهوم الشرط التعسفي ، وان كان قد بين مفهومه بموجب مادة (10) من قانون حماية المستهلك رقم 67 لسنة 2006 السابق، ومن ناحية اخرى و بالرجوع الى القواعد العامة المنصوص عليها بموجب قانون المدني رقم 131 لسنة 1948 المعدل، نجد انه أوضح تعريف لعقد الاذعان وما يتضمنه من شروط تعسفية ، ومنح للقاضي صلاحية تعديل هذه الشروط او اعفاء الطرف المذعن منها ، هذا ما ذهبت اليه مادة (149) بقولها "اذا تم العقد بطريق الاذعان ، وكان قد تضمن شروطاً تعسفية جاز للقاضي أن يعدل هذه الشروط أو ان يعفى الطرف المذعن منها .."، الا انه لم يبين المقصود من هذا الشرط .
اما فيما يتعلق بموقف المشرع الفرنسي فقد عرفه بموجب مادة (1-132) من قانون حماية المستهلك في مواجهة الشروط التعسفية بالقول " تعتبر الشروط التعسفية في العقود المبرمة بين المهنيين وغير المهنيين او المستهلكين تلك التي يكون موضوعها او من آثارها إحداث اختلال واضح بين حقوق والتزامات الاطراف "
اما على صعيد القضاء فقد عرفته محكمة النقض المصرية بأنه " هو الشرط الذي يأتي متناقضاً مع جوهر العقد باعتباره مخالفاً للنظام العام " (22)
من خلال هذه التعريفات التي أوردها الفقه والتشريع والقضاء يمكن ان نعرف الشرط التعسفي بأنه" هو شرط يدرجه المهني في وثيقة العقد الذي يربط بيه وبين المستهلك ، مستغلاً بذلك نفوذه المعرفي او الاقتصادي، بهدف الحصول على ميزة فاحشة منتقصاً بذلك من حقوق المستهلك ، مما يترتب عليه اختلال التوازن العقدي بين الحقوق والالتزامات للاطراف "
ثانياً : عناصر الشرط التعسفي
من خلال استقراء التعريفات السابقة نجد أن الشرط لكي يوصف بأنه تعسفي لابد من توافر العناصر الآتية :-
أ- إن يكون الشرط مكتوباً ويرد في وثيقة عقد الاستهلاك :-
يستخلص هذا الشرط من خلال نص مادة ( 1-132 ) من قانون حماية المستهلك الفرنسي في مواجهة الشروط التعسفية ، ومن خلال ما أورده الفقه من التعريفات المذكورة اعلاه، ويمكن القول بأن هذا الشرط لكي يوصف بأنه تعسفي فأنه يقتضي أن يكون مدرجاً في العقود المبرمة بين اشخاص يمتهنون تقديم السلع والخدمات والمستهلكين ، ويطلق على هذا العقد المنشئاً لهذه العلاقة العقدية بعقد الاستهلاك . لكن يثار التساؤل بهذا الصدد اذا كان هذا الشرط مدرج في العلاقة العقدية التي تربط بين شخصين محترفين و يكون أحدهما في مركز أضعف من الآخر ، كما لو كان العقد مبرماً بين منتج السلع الالكترونية واجهزة الحاسوب الآلي والموزع الذي يشتري هذه السلع لغرض بيعها ، فهل يوصف بأنه عقد استهلاك لكي يوصف الشرط بأنه تعسفي ويمكن الاستفادة من الحماية التشريعية ؟ للأجابة عن هذا التساؤل فقد ذهب رأي من الفقه بالقول ان الضعف المعرفي ليس مقتصراً على المستهلك الشخص البسيط ، وأن طبيعة المستهلكين تشمل كل من يتعامل من أجل الحصول على سلعة أو خدمة غير عالم بخفاياها ، وان الشخص مهما كان محترفاً يتمتع بمقدرة اقتصادية ومعرفية عاليا بصدد نشاطه لا يستطيع ان يكون كذلك على دوام ، وذلك عندما يتعاقد خارج نشاطه (23) ، وذهب رأي آخر من الفقه ، وهذا هو الرأي الراجح ، ان الشرط لكي يكون تعسفياً لابد ان يكون مدرجاً في عقد مبرم بين المستهلك والمهني ، و حجيتهم في ذلك ان قوانين حماية المستهلك وضعت أساساً لحماية المستهلك كونه الطرف الضعيف ، وان المهني بحكم خبرته في مجال التعامل وقدرته الاقتصادية والمعرفية ، يستطيع ان يدرك بوجود هذا الشرط ويرفض التعامل بشأنه، ومن ثم فأن العقود التي تبرم بين الممتهنين لا توصف بأنها عقود استهلاك (24)، ولا يكفي لكي يوصف الشرط بأنه تعسفي ان يكون مدرجاً في عقد الاستهلاك مكتوباً وسواء كانت هذه الكتابة بموجب سند رسمي موثق من دائرة مختصه او بموجب سند عادي كان يرد هذا الشرط ضمن فاتورة او وصل التسليم او سند ضمان وأي شكل آخر (25) .
2- ان يكون الشرط مدرجاً من قبل المحترف مستغلاً بذلك نفوذه الاقتصادي والمعرفي :-
يقتضي لكي يوصف هذا الشرط بأنه تعسفي ، فأنه لابد ان يكون مدرجاً من قبل محترفي تقديم السلع والخدمات ، ... ان التفوق المعرفي والفني للمحترفين حدا بهم بأن ينفردوا في صياغة العقود وتضمينها ما يشاؤون من الشروط وأقحامها في وثيقة هذا العقد وبهدف تقليص من الالتزامات المترتبة على عاتقهم، سواء كان بالاعفاء منها أو التخفيف على حساب المستهلك ، ومن ناحية أخرى أن حاجة المستهلك لأشباع حاجاته ومتطلباته بشكل دوري ومستمر ، هيأ لهم من الأوضاع في استخدام نفوذه (26) ، وليس بالضرورة ان يكون المهني مالكاً شركات ومعدات والالات ضخمة ، بل قد يكون في صورة شخص بسيط لكن مع ذلك تحيط به اوضاع ومؤهلات، تؤهله لأن يستخدم في ضلها نفوذه في فرض شروطه التعسفية (27) .
3- أن يتسبب الشرط بإختلال التوازن العقدي بين حقوق والالتزامات للأطراف :-
وأخيراً ان الشرط أياً كان موضوعه ، و لكي يوصف بأنه تعسفي ، فأنه يقتضي ان يترتب عليه اختلال التوازن العقدي بين الحقوق والالتزامات للاطراف اي عدم التناسب بين الاداءات للطرفين ، اذ تكون بذلك المنفعة التي يهدف المستهلك في الحصول عليها سواء كانت مادية او معنوية لا تتناسب مع المقابل الذي قدمه بمناسبتها (28) ، وبهذا الصدد ذهبت الفقرة الخامسة من المادة (132) من قانون حماية المستهلك الفرنسي في مواجهة الشروط التعسفية بالاشارة ، أن الطابع التعسفي للشرط وما يترتب عليه من اختلال بين الحقوق والالتزامات الاطراف ، يقدر وقت ابرام العقد وبالاستناد الى جميع الظروف التي احاطت بأبرام العقد من تعسف المهني والضعف المعرفي للمستهلك وحاجته الشديدة للسلعة او الخدمة ، اما اذا تعلق الأمر بتقدير الطابع التعسفي للشرط وما ترتب عليه من اختلال التوازن بين الحقوق والالتزامات الواردة في عقد معين سبق ابرامه ، فأن ذلك يتم تقديره بالاستناد الى معيار شخصي قوامه الشخص المستهلك والظروف التي ابرم العقد في ظلها (29) ، أما بصدد موقف التشريعات العربية المصري والعراقي فأنهما لم يشيرا الى وقت تقدير الاختلال وما يترتب عليه من اختلال في التوازن بين الحقوق والالتزامات للاطراف .
ثالثاً :- أمثلة الشروط التعسفية :-
بعد بيان المقصود بالشرط التعسفي والعناصر التي يتكون منها ، فأنه يقتضي منا بيان نماذج من هذه الشروط لكي يتسنى لأي متعامل معرفتها وتداركها متى ما كانت مدرجة في وثيقة العقد ، ان الشروط التي تدرج لا تخلو من ثلاثة أمور بصدد مراحل العقد، اما تتعلق بمرحلة ابرام العقد اما تتعلق بمرحلة تنفيد العقد أو تتعلق بمرحلة أنهاء الرابطة العقدية ، وبذلك سوف نقسم هذه الشروط على الفقرات الثلاثة الآتية :
أ- أمثلة الشروط التعسفية المتعلقة بمرحلة أبرام العقد :-
في هذه المرحلة يحدد بشكل اساسي محل العقد متمثلاً بالخدمة او السلعة وثمنها ، ومن امثلة هذه الشروط التعسفية التي يدرجها المحترف ، شرط يدرجه يحتفظ فيه بإمكانية تسليم السلعة أو المنتوج من غير المواصفات المتفق عليها ، أو يحتفظ لنفسه بحق تحديد السلعة او الخدمة من حيث جودتها ومواصفاتها بمفرده ، كذلك بصدد الثمن كما لو ادرج شرطاً يحتفظ بنفسه بحق تحديد الثمن بمفرده على وجه لا يقبل التفاوض بشأنها ، أو يدرج شرطاً فيه يلزم المستهلك بتسديد الثمن مقدماً قبل تسليمه للسلعة او الخدمة (30) .
2 - أمثلة الشروط التعسفية المتعلقة بمرحلة تنفيذ العقد :-
كل شرط يدرجه المحترف يهدف من ورائه الى التخفيف من التزاماته او الاعفاء منها يعد تعسفيا ، ومن أمثلتها ، شرط يدرجه المحترف يكون بمقتضاه غير مسؤول عن العيب الخفي الموجود في المنتوج ، او يحدد للمستهلك اجلاً قصيراً اذا لم يكتشف هذا العيب خلالها يسقط ضمان المحترف بوجود العيب الخفي ، او يدرج شرطاً يكون بمقتضاها غير مسؤول عن التأخير في تسليم المنتوج وما يحدث بها من نقص او تلف ، او ان يدرج شرطاً يحدد بمقتضاه قيمة الشرط الجزائي اكبر من الامكانيات المادية للمستهلك لا يتناسب مع الضرر الذي يترتب عليه جراء اخلال المستهلك بتنفيذ التزاماته (31) .
3- أمثلة الشروط التعسفية المتعلقة بصدد أنهاء العقد :-
من أمثلة الشروط بصدد هذه المرحلة ، كما لو ادرج المحترف بنداً يتحفظ لنفسه بحق فسخ العقد بإرادته المنفردة وحرمان المستهلك من مراجعة المحاكم للمطالبة بالتعويض عن الضرر المترتب جراء ذلك او ان يدرج بنداً يمنع المستهلك من مراجعة المحاكم لتسوية النزاعات بينهما ، ويتم تسويتها بموجب محكم يختاره المحترف بمفرده، وغيرها من البنود والشروط (32) .
الفرع الثالث
اختلال التوازن العقدي
إن التطور التكنولوجي والتقدم العلمي جعل المستهلك من جراء ذلك محاط بالعديد من المؤثرات والعوامل التي ادت الى تنامي مقومات ضعفه ومعرفته بصدد البيانات والمعلومات بشأن السلع والخدمات المتعاقد عليها ، في مقابل المهنيين المحترفين الذين يملكون مقومات العلم والمعرفة ، وأدى ذلك الى حصول اختلال في درجة العلم والمعرفة بينهما ، وقد استغل هؤلاء هذا التفاوت المعرفي بينهما عن طريق املاء الشروط التي يريدوها ، وغالباً ما يتحايل المحترفين بصياغتها بعبارات غامضة تحمل أكثر من معنى ، بغية تحقيق غايات ومنافع على حساب المستهلك الضعيف معرفياً الذي لا يملك المعرفة الكافية بصدد ماهية التصرف المقدم عليه ، مما ادى الى ظهور علاقة غير متوازنة تعاني من اضطراب او انقلاب في توازنات العقد وأداءاته اي عدم التعادل بين ما يدفعه المتعاقد وما يأخذه و تسمى بإختلال التوازن العقدي (33) ، ولغرض الاحاطة بمفهوم هذا الاختلال وعلاقته بإختلال التوازن المعرفي الذي يشكل سبباً في عدم التوازن بين الاداءات ، سنتناول هذا الفرع في فقرتين مستقلتين ، الفقرة الأولى نخصصها لبيان مفهوم اختلال التوازن العقدي، والفقرة الثانية نخصصها لبيان علاقة التوازن العقدي بالاختلال في التوازن المعرفي .
أولاً : مفهوم إختلال التوازن العقدي :-
يعرف الخلل في التوازن العقدي بصورة عامة بأنه عدم التناسق في مضمون العقد (34)، مما يؤدي الى إختلال العدالة العقدية ويتحقق هذا الاختلال من جراء أمرين اما ان مراكز الاطراف تكون غير متساوية من الناحية الاقتصادية او الارادية وهذا يخرج عن نطاق دراستنا ، او ان العقد مصاب تلقائياً وبصورة افتراضيه بإختلال التوازن المعرفي لوجود طرف المهني لديه الخبرة والمعرفة في كل الأمور المتعلقة بعمله او حرفته وطرف الاخر المستهلك يفتقر الى البيانات والمعلومات المتعلقة بالعقد وهذا يظهر بوضوح في أطار عقد الاستهلاك الذي محله سلعة أو خدمة ما ولكي يتحقق اختلال التوازن العقد كأثر لاختلال التوازن المعرفي لا بد من توافر شروط معينه في هذا الخلل ، و للاحاطة بهذا الخلل وشروطه سوف نبحث الموضوع في فقرتين :
1) تعريف إختلال التوازن العقدي :-
تعددت التعريفات التي ساقها الفقه لتحديد المقصود بإختلال التوازن العقدي، حيث عرفه البعض بأنه " توقف العقد عن تحقيق الفائدة التي تم ابرامه لتحقيقها " (35) ونلاحظ ان هذا التعريف ينظر الى الإختلال من زاوية المنفعة اي صوب الهدف من وراء ابرام العقد ومجرد توقفه عن تحقيق المنفعة يشكل بذلك اختلال ، وهذا التعريف غير دقيق أذ أنه لا يبن سبب توقف تحقيق المنفعة ، ليتسنى معرفتها فيما اذا كانت على درجة من الاهمية ام لا ، ولا سيما هنالك حالات يتوقف العقد عن تحقيق المنفعة بصورة مؤقته نتيجة عائق مؤقت لا يترتب عليه اختلال التوازن العقدي .
وعرفه البعض بأنه ما هو الا (( حالة يصل اليها العقد عند اختلال المعادلة بين التقديمات العقدية ، نشأت وقت التعاقد وفقاً لإرادة الاطراف ، بسبب ظروف غير متوقعة تؤدي اما الى زيادة تكاليف التنفيذ بصورة جوهرية اما الى نقص الاداء المقابل )) (36) نلاحظ على هذا التعريف بأنه ينظر الى الاختلال بأنه حدث عرضي طارئ يحدث نتيجة التغير في الظروف التي ابرم العقد في ظلها ، من شانه ان يؤدي الى اضطراب في التقديمات العقدية للأطراف، وان كان ذلك نتيجة الطبيعية لتغير في الظروف ، الا انه كان الاجدر الا ينظر الى الاختلال من زاوية التغير في الظروف وحصره بهذا السبب فقط ، كون الاختلال وصف يتعلق بالعقد ذاته ، وكلما حدث سببب ما يؤثر على اداءات الاطراف ادى الى ظهور هذا الاختلال، ومن اسبابه ...، عدم المساواة المعرفية بين الاطراف .
وعرفه البعض الآخر بأنه نقص يصيب أحد العوضين بأن يكون احدهما أقل مما يساويه عند التعاقد تطغى فيه مصلحة احد المتعاقدين على مصلحة المتعاقد الآخر ، فتكون المقابلة بين العوضين غير عادلة (37) ونلاحظ على هذه التعريف بأنها تنظر الى الاختلال من زاوية الغبن الذي ينصب على الثمن ، ولتحديد هذا الاختلال يقتضي المقارنة بين قيمة السلعة في السوق وقيمة السلعة التي نتج عنها الخلل و يقدره الخبراء بغض النظر عن الاحوال المالية للمتعاقدين ، كان الاجدر ان لا ينظر الى الاختلال من ناحية الثمن فقط بل ينظر الى العملية التعاقدية بمجملها وما أحاط ابرامها من ظروف ، وحتى العقود المرتبطة بهذا العقد .
نلاحظ من خلال استقراء هذه التعريفات ، عدم اتفاق الفقه على وضع تعريف محدد لاختلال التوازن العقدي كل منهم ينظر اليه من زاويته الخاصة ، ونلاحظ ايضاً بأنهم ينظرون الى الاختلال بمعيار مادي بحث يتجمد بعدم التعادل بين الاداءات ، وفي حين نجد ان التوزان العقدي يقتضي ولكي يتحقق ان تكون هنالك مساواة بين الاطراف من حيث الحرية والمعرفة والتي تشكل الجانب الذاتي ، ويقتضي أيضاً التعادل بين الاداءات والذي تشكل الجانب المادي ، ومن ثم بالتالي يتطلب وضع تعريف لاختلال التوازن العقدي جامع بينهما اذ يمكن تعريفه بأنه (( إختلال فادح في الأداءات والذي يتصل بضعف أحد طرفي العقد ، ويكفي في ذلك ان يكون ضعفاً اقتصادياً أو معرفياً أو نفسياً ، مما يترتب عليه إختلال العدالة العقدية في مرحلتي ابرام العقد وتنفيذه )) .
2) شروط الخلل في التوازن العقدي بين الحقوق والالتزامات :
ليس كل خلل في التعادل بين الاداءات الاطراف يتحقق به الخلل في التوازن العقدي، فلا بد من توافر شروط معينه وكالأتي :-
أ- أن يكون الخلل مؤثر
إن يكون الخلل في التعادل ما بين الاداءات قد بلغ حداً من التفاوت بحيث يترتب عليه عدم استطاعة المستهلك من الحصول على كامل المنفعة التي يروم في الحصول عليها لإشباع حاجته الشخصية ، أي ان هذا الخلل في التعادل حال دون الحصول على جزء ما منها ، كما لوكان المبيع معيب بعيب خفي لا يحقق جزء ما من الفائدة أي من شأنه أن ينتقص جزء منها ولا يعدمها كلياً ، مما يترتب جراء ذلك اختلال العدالة العقدية ، ولا سيما اذا ما علمنا ان العقد لكي يوصف أنه عادل ونافع محقق لهذه العدالة ، يجب ان يتوافر فيه توافر عنصريه هي المنفعة والتناسب ما بين الاداءات للاطراف ، فمتى ما كانت المنفعة التي حصل عليها المستهلك عند تنفيذ العقد لا تتناسب مع الاداء المطلوب القيام منه بمناسبتها فأنه يختل التوازن العقدي بين حقوق والتزامات الاطراف لتخلف الجانب المادي وعلى وجه لا تتحقق معه العدالة العقدية لتخلف احد عنصريها (38) ، وهذا ما اشترطته مادة ( 1-132) من قانون حماية المستهلك الفرنسي في مواجهة الشروط التعسفية . عند تعريفها للشرط التعسفي ، أذ لكي يكون البند تعسفياً فأنه يقتضي أن يكون الخلل ظاهراً مؤثراً بين الحقوق والالتزامات للاطراف
ب - عدم جسامة الخلل في التوازن العقدي بين الحقوق والالتزامات
ومن شروط الخلل في التوازن العقدي بين الحقوق والالتزامات للاطراف هو الا يكون هذا الخلل جسيماً اي على درجة من الاهمية بحيث لا يستطيع المتعاقد المستهلك الحصول على اي جزء من المنفعة ، كما لوكان المبيع المعقود عليه غير صالح لما أعد له او غير متطابق للاستعمال الذي خصص له ، فمتى كان هذا الخلل من شأنه أن يعدم العقد كلياً على وجه تزول معه اي منفعة للمتعاقد يوصف بأنه جسيماً (39) لعدم قدرة هذا العقد بترتيب أثره وتحقيق الفائدة المرجوه منه .
ثانياً -: علاقة إختلال التوازن العقدي بالاختلال في التوازن المعرفي :-
بعد أن بينا مفهوم اختلال التوازن العقدي ، يقتضي أن نبحث بعلاقته بالاختلال في التوازن المعرفي الذي يشكل محور دراستنا ، ففيما يتعلق بهذه العلاقة ظهر هنالك أتجاهان الاتجاه الأول يرى بوجود علاقة ارتباط بين التوازن العقدي وإختلال التوازن المعرفي وان عدم المساواة في العلم والمعرفة الذي يشكل قوام هذا الاختلال يكون سبباً منشئاً لعدم تحقق التوازن العقدي بين الحقوق والالتزامات ، والاتجاه الثاني يرفض وجود علاقة بينهما حيث ينظر الى التوازن العقدي بمنظور مادي مستقل قوامه التعادل بين الاداءات ، بعيداً عن الجانب الذاتي او الموضوعي وقوامه المساواة بين الاطراف بالعلم والمعرفة ، على هذا الاساس سنبحث هذه الفقرة ببندين مستقلين :-
أ ) الإتجاه المؤيد بوجود ارتباط بين أختلال التوازن العقدي والاختلال في التوازن المعرفي
ان نظرة هذا الاتجاه الفقهي الى التوازن العقدي تدور حول فكره مفادها أن التوازن العقدي يجب ان ينبسط على المساواة بين الاطراف من حيث الحرية والمعرفة عند ابرام العقد ، الذي يشكل المعيار الذاتي و قوامه التوازن الارادي والمعرفي بين مراكز الاطراف ، كما يجب ان ينبسط من جانب آخر على نتيجة العلاقة العقدية من حيث التناسب بين الحقوق والالتزامات المتقابلة للاطراف ، والتي تشكل المساواة بين مراكز الاطراف من حيث الحرية والمعرفة الضامن الوحيد لتحقيقها (40) ، بمعنى ان تكون ارادة الطرفين على مستوى واحد من حيث الحرية والمعرفة عند اتجاهها الى الدخول في الرابطة العقدية ، وفي حالة غيابه احدهما يمثل السبب المنشئ لعدم التوازن العقدي فلما كان العقد وليد ارادة حرة وقائم على أساس المساواة بين حرية الاطراف ، فأن لكل طرف حرية التعاقد من عدمه والمناقشة فيما يعرضه الطرف المقابل ، ومن ثم يكون هذا الاتفاق بين ارادة الاطراف هو الكفيل بتحقيق التكافؤ بين الاداءات ، مادام هم الذين يحددون محتوى العقد بإرادة حرة مختارة فلا يمكن بعد ذلك ان تخطئ في تحقيق هذا التوازن العقدي بين الحقوق والالتزامات فيما بينهما (41) . ومع ذلك ادرك هذا الاتجاه الفقهي ، على الرغم من اهمية الاتفاق ، ان الارادة وحدها قائمة على منظور شخصي ارادي لا تكفي لتحقيق التوازن العقدي بين الاداءات ، و أن التطور الاقتصادي وما رافقة من مستجدات في نواحي الحياة كافة ، كما بيناها سابقاً، أثرت على مراكز الاطراف في العلاقات العقدية وجعلتها غير متساوية بصدد المعلومات والبيانات الخاصة بالمعقود عليه، وبوجه خاص بصدد العلاقة العقدية الاستهلاكية التي محلها سلعة او خدمة ما ، فإن القوة المعرفية للمهني والضعف المعرفي للمستهلك يؤثر على محتوى العقد بالشكل يعكس عدم التكافؤ بين الاداءات التي يرتبها العقد (42) و نستنتج من خلال ما ذهب اليه هذا الفقه الى ان اختلال التوازن المعرفي بين مراكز الاطراف يكون سبباً منشئاً لعدم تحقق التوازن العقدي وذلك لاختلال الجانب الذاتي كأحدى العناصر التي يتكون منها التوازن العقدي ، وبغية سد هذه الفجوة المعرفية بين مراكز الاطراف لضمان تحقيق التوازن العقدي بين الاداءات .
نجد ان التشريعات في الدول محل المقارنة اتجهت الى تقرير الالتزام بالاعلام بموجب نصوص تشريعية خاصة بحماية المستهلك سنذكرها في محلها ، كوسيلة لإعادة التوازن المعرفي في مستوى العلم والمعرفة وهي رهينة بتحقيق التوازن العقدي، ومع وجاهة ما ذهب اليه هذا الاتجاه الفقهي الا انه تعرض للانتقاد ، حيث انه ينظر الى التوازن العقدي بأنه تركيب مزدوج يتكون من جناحين ، الجناح الأول يتعلق بالتوازن او المساواة بين الاطراف ولا سيما من حيث درجة العلم والمعرفة بعناصر العقد ، والجناح الثاني يتعلق بالتوازن في الاداءات التي تترتب على العقد ولا يستغنى أحدهما عن آخر ، وان تحقيق التوازن المعرفي من خلال سبل معالجته هو الرهين بتحقيق التكافؤ بين الاداءات ، مما يجعل الكلام يدور حول ان وقت تقدير تحقيق التوازن العقدي بين الاداءات يكون وقت ابرام العقد (43) ، ان هذا الامر يثير صعوبة ولا سيما في اطار التعامل بين الغائبين الذين لا يجمعهم مجلس واحد ، فمن ثمار التطور في مجال الاتصالات ، زيادة المستهلكين الذين يتعاقدون عبر شبكات الانترنيت ، بغض النظر عن الضعف المعرفي الذي يعتري المستهلك في اطار هذه العقود ، حيث أن هذا البيع يثير اشكاليات بصدد وقت ابرام العقد لكي يتم تقدير وجود تكافؤ بين الاداءات من عدمه، ولما كان وجود الطرفين في مكانين مختلفين يجعل التساؤل يدور حول وقت انعقاد العقد ، هل وقت صدور القبول ام وقت علم الموجب به ام غير ذلك ، وبالرجوع الى تشريعات الدول محل في المقارنة ، ذهب المشرع العراقي بموجب المادة (87) القانون المدني بالقول " يعتبر التعاقد ما بين الغائبين قد تم في الزمان وفي المكان اللذين يعلم فيهما الموجب بالقبول مالم يوجد اتفاق او نص قانوني يقتضي بغير ذلك ونلاحظ من خلال هذه المادة ان العقد ينعقد من الوقت الذي يعلم به الموجب بالقبول الا ان هذا الحكم ليس من النظام العام فيجوز للمتعاقدين الاتفاق على ما يخالفه مثلاً يتفقا ان العقد يتم بمجرد الاعلان عن القبول وقبل وصوله الى علم الموجب او غير ذلك ، من شأن ذلك ان يخلق صعوبة في الاثبات متى ما حصل خلاف بينهما ، ومن ثم يؤدي الى عدم استقرار المعاملات ، بالسياق نفسه ذهب المشرع المصري بموجب المادة (97) من القانون المدني ، الا ان المشرع الفرنسي جاء بقاعدة آمرة لا تتيح للأطراف الاتفاق على خلافها بموجب المادة ( 1121) من القانون المدني بقولها " يبرم العقد حال وصول القبول الى الموجب ، ويعتبر العقد مبرماً في مكان وصول القبول " بموجب هذا المادة يعد العقد قد انعقد نهائياً وقت وصول القبول الى الموجب اذ ان من هذا الوقت يصبح القبول نهائيا ولا يمكن للقابل استرداده وان جاء المشرع بقاعدة امره الا انه الوصول مجرد واقعة مادية لا قيمة قانونية له اذا لم يتصل بعلم الموجب ، كان الأفضل أن ينص يبرم العقد من لحظة وصول القبول الى علم الوجب ، ولا سيما اذا ما علمنا ان التعبير عن الارادة لا ينتج اثره الا اذا اتصل بعلم المتعاقد الاخر والقبول مادام تعبير عن ارادة الطرف الثاني فانه لا ينتج اثره الا اذا اتصل بعلم المتعاقد معه .
ب ) الاتجاه الرافض بوجود علاقة بين التوازن العقدي والاختلال في التوازن المعرفي
ذهب هذا الاتجاه الفقهي الى الرفض القاطع بوجود علاقة بين التوازن العقدي والاختلال في التوازن المعرفي ، و حجة هذا الاتجاه الرافض لتلك العلاقة ، أن من ثمار التقدم العلمي ظهور سلع وخدمات تمتاز بتقنية عالية ذات تركيب فني معقد ، كالأجهزة الكهربائية المعقدة والالات الميكانيكية أو خدمات طبية او استشارة هندسية او قانونية، ان المحترف ذو الخبرة المعرفية والتخصص بها ، وهو وان ادلى للمستهلك المعلومات والبيانات التي تخصها ، فأن عدم التوازن المعرفي يبقى بينهما قائماً مادامت هذه المعلومات التي تخصها ذات تقنية عالية يصعب على المستهلك فهمها ، وان عدم كفاية هذه الوسيلة لمعالجة التفاوت المعرفي وتحقيق التوازن العقدي بين حقوق و الالتزامات كأثر لذلك (44) ، ومن ناحية أخرى يرى ايضاً انصار هذا الاتجاه الى ضرورة الرجوع الى القواعد العامة والتي نجد فيها ان المشرع يتدخل بتحديد محتوى العقد ويفرض العديد من الالتزامات على عاتق المتعاقدين ، دون انتظار الاتفاق بشأنها بهدف تحديد اداء كل منهما بصورة متناسبة ومتقابلة مع اداء المقابل سعياً لتحديد التكافؤ بين الاداءات ، فمثلاً نجد في أطار عقد البيع يتدخل المشرع بفرض العديد من الالتزامات على عاتق البائع منها الالتزام بنقل ملكية المبيع وتسليم المبيع وضمان التعرض والاستحقاق وهو ما ذهب اليه المشرع العراقي في المواد (531 -570) مدني العراقي وما ذهب اليه المشرع المصري من مواد (206-422) والمشرع الفرنسي من مواد (1199-1245 ) القانون المدني ، فهي كفيلة بتحقيق التكافؤ بين الاداءات (45) .
بناء على هذه الحجج ، نستخلص ان اصحاب هذا الاتجاه الفقهي يرون عدم كفاية القواعد الخاصة المنصوص عليها بموجب قوانين حماية المستهلك ، لا سيما الالتزام بالاعلام في محاربة التفاوت المعرفي بين الاطراف وبالتالي تحقيق التكافؤ بين الاداءات ، ومن ثم يقتضي الامر ان نبتعد عن سبب اختلال التكافؤ بين الاداءات ، وينظر الى التوازن العقدي بمنظور مادي بحت يتجسد بالتكافؤ بين الاداءات كونه النتيجة المترتبة على العلاقة العقدية ، مستقلاً عن اسبابه وما رافق ابرامه من ظروف وما اعترى المستهلك من ضعف معرفي وآليات علاجها ، ومن ناحيه اخرى ومادام الالتزامات التي نص عليها المشرع بموجب القواعد العامة بغية تحديد محتوى العقد بصوره متقابلة متناسبة ، يتم تنفيذها بمرحلة تنفيذ العقد ، فإن وقت تقدير تحقيق التوازن العقدي بين الالتزامات والحقوق من عدمه يتم اثناء تنفيذ العقد وعلى القاضي أن يتدخل عقب تنفيذ العقد مباشرة من أجل تقدير وجود التكافؤ من عدمه (46) مع وجاهة ما ذهب اليه انصار هذا الاتجاه الفقهي الا ان الاتجاه الأول في وجهة نظري جدير بالتأييد حيث ان اختلال التوازن المعرفي يمكن ان يكون سبباً في اختلال التكافؤ بين الاداءات وما يترتب عليه من ولادة علاقة عقدية تعاني من اضطراب في توازنات العقد ، حيث ان النفوذ المعرفي الذي يتمتع به المهني يجعل من العقد اداة بيده بتحديد محتوى هذا العقد وتضمين العقد ما يريده من البنود والشروط غالباً ما تكون تعسفية من شأنها ان تؤدي الى اختلال التوازن العقدي بين الحقوق والالتزامات ، ومن ثم فأن كليهما فكرة مرتبطة بالأخرى لا يمكن النظر الى احداهما بصورة مستقلة إن فرض المشرع جملة من الالتزامات ... لا تكفي بذاتها لتحقيق التكافؤ بين الاداءات غالبا ما و نجد ، وبالرجوع الى هذه القواعد ، عبارة مالم يتفق الاطراف على خلاف ذلك ، ومن ثم فأن ذلك يعطي فرصة للمحترف بفرض ارادته وتقليص التزاماته على حساب المستهلك ، وخير مثال على ذلك ما ذهب اليه المشرع العراقي بموجب (ماده 556) التي ذهبت بقولها " يجوز للمتعاقدين باتفاق خاص ان يزيدا من ضمان الاستحقاق او ان ينقصا منه او ان يسقطا هذا الضمان وبذلك نستنتج ان عدم كفاية وقصور هذه القواعد العامة ، ومن المبررات أيضاً ، ان المعلومات والبيانات التي تخص السلعة او الخدمة المتعاقد عليها ، تشكل محل التزام بالاعلام الواقع على عاتق المهني ، لقد تطورت اصبحت اليوم هذه المعلومات ذات قيمة مالية كجزء لا يتجزء من الاداءات المتبادلة التي تشكل محل التوازن العقدي (47) ، ولا سيما اذا ما علمنا ان المال لا يقتصر على الجانب المالي فقط ، بل يشمل كل حق له قيمة مالية، و هذا ما ذهب اليه المشرع العراقي عند تعريفه للمال بموجب ماده (65) من القانون المدني العراقي بقولها "المال" كل حق له قيمة مالية ، ومن ثم فأن نقل هذه المعلومات الى المستهلك يمكن ان يحقق التوازن العقدي بين الحقوق والالتزامات للاطراف ، و من خلال هذه المعطيات السابقة نستنتج بأن هنالك ارتباطاً بين التوازن العقدي واختلال التوازن المعرفي اذ لا يمكن النظر الى احدهما بشكل مستقل عن الآخر.
___________
1- محمود عبد الرحيم الشريفات ، التراضي في تكوين العقد عبر الانترنيت، ط 1 ، دار الثقافة العربية ، الاردن ، 2009 ص 95.
2- د. علاء عمر محمد الجاف ، الآليات القانونية لحماية لمستهلك في عقود التجارة الالكترونية ، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت ، 2017 ، ص 76 .
3- د. عبد المجيد الحكيم و د. عبد الباقي البكري و د. محمد طه بشير ، الوجيز في نظرية الالتزام في القانون المدني العراقي ، مكتبة العاتك ، بغداد ، ج 1 ، السنة 1980 ص 86 .
4- . د . عمر عبد الفتاح السيد عبد اللطيف، التوازن المعرفي في العقود المدنية ، ط1 ، دار الجامعة الجديدة ، الاسكندرية ، 2019، ص258
5- د. علاء عمر محمد الجاف ، الآليات القانونية لحماية لمستهلك في عقود التجارة الالكترونية ، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت ، 2017 ، ص 132
6- د. حسن عبد الباسط جميعي ، أثر عدم التكافؤ بين المتعاقدين على شروط العقد ، ط ا ، دار الثقافة العربية ، القاهرة 1997، ص 72
7- آمانج رحيم احمد ، حماية المستهلك في نطاق العقد ، ط 1 ، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ، لبنان ،2010، ص 108
8- د. أنور سلطان الموجز في النظرية العامة للالتزام ، دار الجامعة الجديدة للنشر ، الاسكندرية ، مصر ، 2005 ، ص 106
9- د. علاء عمر محمد الجاف ، الآليات القانونية لحماية لمستهلك في عقود التجارة الالكترونية ، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت ، 2017 ص 76
10- مكي فلة ، حماية الطرف الضعيف في عقد الاستهلاك ، اطروحة دكتوراه، جامعة الجزائر ، كلية الحقوق ، الجزائر السنة 2016-2018 ، ص 105
11- د. عبد المنعم موسى ابراهيم ، حماية المستهلك ، ط1 ، منشورات الحلبي الحقوقية ، لبنان ، 2007 ، ص 57
12- د. علاء عمر محمد الجاف ، مصدر سابق ، ص 319
13- حكم محكمة استئناف باريس الصادر بتاريخ 1992/9/13 ، نقلاً عن عديدة نبيل ، الالتزام بالأعلام وتوابعه في مجال قانون الاستهلاك ، أطروحة دكتوراه، جامعة وهران ، كلية الحقوق ، السنة 2018/2017 ، ص 357
14- د. حسين عبد القادر معروف ، النزعة الشخصية والموضوعية في التصرف القانوني ، رسالة ماجستير ، جامعة بغداد ، كلية القانون ، السنة 1999، ص 65
15- د. علاء عمر محمد ، مصدر نفسه، ص 322
16- حكم محكمة النقص الفرنسية الصادر بتاريخ 1976/1/24 ، نقلاً عن حسن عبد الباسط جميعي ، أثر عدم التكافؤ بين المتعاقدين على شروط العقد ، ط 1 ، دار الثقافة العربية ، القاهرة 1997، ص 81
17- محمد خليفه كرفة ، التوازن العقدي في قانون المستهلك ، أطروحة دكتوراه، جامعة الجزائر ، 2019 0 ص 54
18- آمانج رحيم احمد ، حماية المستهلك في نطاق العقد ، ط 1 ، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ، لبنان ،2010، ص 202
19- د. نسرين حسين ناصر الدين ، القوة الملزمة للعقد في ظل قانون حماية المستهلك ، ط 1 مكتبة زين الحقوقية والادبية ، لبنان ، 2014 ، ص 95
20- عبدالله ذيب محمود ، حماية المستهلك في التعاقد الالكتروني ، ط 1 ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، عمان ، ،2012 ، ص 71.
21- د. علاء عمر محمد ، مصدر سابق، ص 0264
22- نقض المدني مصري بتاريخ 21 / نيسان / 1960 ، نقلاً عن آمانج رحيم احمد ، حماية المستهلك في نطاق العقد ، ط 1 ، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ، لبنان ،2010، ص 206
23- د. عبد المنعم موسى ابراهيم ، حسن النية في العقود ، منشورات زين الحقوقية ، لبنان ، 2006 ، ص 22 0
24- د. نسرين حسين ناصر الدين ، القوة الملزمة للعقد في ظل قانون حماية المستهلك ، ط 1 مكتبة زين الحقوقية والادبية ، لبنان ، 2014 ، ص 100
25- المادة 4-132 من قانون حماية المستهلك الفرنسي في مواجهة الشروط التعسفية " يمكن ان ينجز العقد على شكل فاتورة او سند ضمان او جدول او وصل التسليم او اي وثيقة اخرى مهما كان شكلها او سندها .. " .
26- فراس جبار كريم، الحماية القانونية من الشروط التعسفية ، رسالة ماجستير ، جامعة كربلاء ، كلية القانون ، السنة 2013، ص 57
27- د . أيمن سعد سليم ، العقود النموذجية ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2005 ، ص 33 .
28- منصور حاتم محسن ، العدالة العقدية ، بحث منشور في مجلة جامعة بابل ، المجلد 25 ، العدد 6 ، السنة 2017 ، ص 2587 .
29- ره نج آزاد محمد سعيد ، حكم الشروط التعسفية في عقد الاستهلاك ، ط1 ، مركز الدراسات العربية ، السنة 2022 ، ص 34 0
30- حسن عبد الباسط جميعي ، مصدر سابق، ص 112
31- فراس جبار كريم، الحماية القانونية من الشروط التعسفية ، رسالة ماجستير ، جامعة كربلاء ، كلية القانون ، السنة 2013، ص 071
32- د . حسن عبد الباسط جميعي ، أثر عدم التكافؤ بين المتعاقدين على شروط العقد ، ط ا ، دار الثقافة العربية ، القاهرة 1997، ص 114
33- محمد خليفه كرفة ، التوازن العقدي في قانون المستهلك ، أطروحة دكتوراه، جامعة الجزائر ، 2019 ص 52
34- نور الصباح مزيحم، الفقدان الجزئي لسبب الموجب في العقد ، رسالة دبلوم ، الجامعة اللبنانية ، كلية الحقوق ، لبنان ، السنة 2017 ، ص 48 .
35- محمد محسن على ، الالتزام بإعادة التفاوض في عقود النفط ، دار الجامعة الجديدة ، الاسكندرية ، سنة 2019 ، ص 240
36- علي كاظم عزيز ، اعادة التوازن العقدي بالوسائل الاتفاقية في عقود التجارة الدولية ، اطروحة دكتوراه ، جامعة بغداد ، كلية القانون ، العراق ، السنة 2013 ، ص 35 .
37- سماعيلي ليديه وقاسم لاميه ، اختلال توازن التزامات المتعاقدين ، رسالة ماجستير ، جامعة بجاية ، كلية الحقوق ، الجزائر ، السنة 1014-2015، ص 10
38- منصور حاتم محسن ، العدالة العقدية ، بحث منشور في مجلة جامعة بابل ، المجلد 25 ، العدد 6 ، السنة 2017 ، ص 2586 .
39- محمد خليفة كرفة ، مصدر سابق ، ص 51
40- د. حسين عبد القادر معروف ، أثر جانحة كورونا في إختلال التوازن العقد في الايجار وآليات معالجته ، مصدر سابق ، ص 211 .
41- د. نسرين حسين ناصر الدين ، القوة الملزمة للعقد في ظل قانون حماية المستهلك ، ط 1 مكتبة زين الحقوقية والادبية ، لبنان ، 2014 ص 28
42- د. ابراهيم عبد العزيز داود ، عدم التوازن المعرفي في العقود ، دار الجامعة الجديدة الإسكندرية 2014 ، ص 70 – 71
43- د . ابراهيم عبد العزيز داود ، عدم التوازن المعرفي في العقود ، دار الجامعة الجديدة الإسكندرية 2014 ، ص 74
44- د میرفت ربيع عبد العال ، الالتزام بالتحذير في مجال عقد البيع، دار النهضة العربية ، القاهرة ، السنة 2005 ، ص 33
45- ابراهيم عبد العزيز داود، مصدر سابق نفسه ، ص 80
46- آمانج رحيم احمد ، حماية المستهلك في نطاق العقد ، ط 1 ، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ، لبنان ،2010، ص 75
47- د. عمر عبد الفتاح السيد عبد اللطيف، التوازن المعرفي في العقود المدنية ، ط1 ، دار الجامعة الجديدة ، الاسكندرية ، 2019، ص 110
الاكثر قراءة في القانون المدني
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)