تحمّل أشجار الفاكهة للصقيع
الصقيع هو عبارة عن انخفاض حاد في درجات حرارة الهواء أو التربة إلى دون الصفر المئوي باستثناء الصقيع الربيعي الذي يحدث عند توافر درجات الحرارة المرتفعة عن الصفر المئوي.
وللصقيع أضرار كبيرة تسبب موت بعض أشجار الفاكهة غير المتحمّلة لهذه الظاهرة، بينما تتحمّل بعض أشجار الفاكهة وتقاومها وما ذلك إلا نتيجة للتطور الطبيعي للنبات وذلك من التوزع الجيوغرافي للمجموعات النباتية وتأقلمها مع شروط البيئة السائدة.
وللصقيع أنواع عديدة تختلف فيما بينها، وهذا تبعاً لطبيعة تشكله وزمن حدوثه، والأضرار التي يسببها للنبات، وهذه الأنواع هي:
1- الصقيع المتحرك:
يحدث الصقيع المتحرّك عندما تتقدّم كتلة هوائية باردة، أو جبهة هوائية باردة إلى منطقة ما، مما يؤدي ذلك إلى انخفاض حاد في معدلات درجات الحرارة اليومية، حيث تقل السعة الحرارية اليومية، وكنتيجة لتجدّد الهواء البارد باستمرار فإنّ إمكانية تحمــل مثل هذا النوع من الصقيع ضعيفة جداً، ومن المعروف بأنّ الصقيع المتحرك يحدث غالباً في فصل الشتاء، أي عندما تكون أشجار الفاكهة في طور السكون، وبالتالي تكون قادرة على تحمل درجات الحرارة المنخفضة ويؤدي هذا النوع من الصقيع إلى تضرر الأعضاء الحديثة في شجرة الفاكهة حيث تتلف وتبدو سوداء اللون.
2- الصقيع الإشعاعي الساكن:
يحدث الصقيع الإشعاعي عادة في الليالي الصافية من الغيوم وقليلة الرياح، نظراً لأنّ صفاء الجو من الغيوم ما هو إلا نتيجة لقلة احتوائه على بخار الماء، وهذا يساعد بذاته على زيادة إشعاع الأرض ليلاً مما يؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة على سطح الأرض والتربة بشكل خاص والمسطحات الخضرية للنباتات ويتم هذا بسرعة فائقة.
وعندما تقترن هذه الظاهرة بسكون الرياح فإنّ انخفاض درجات الحرارة فوق سطح التربة يستمر ويؤدي إلى انخفاض درجة حرارة الطبقة الهوائية الملامسة لها، مكوناً بذلك طبقة هوائية باردة تستقر فوق المسطحات الخضراء (الحقول) وخاصة الحقول غير المستوية، حيث تزداد سماكة الطبقة الهوائية الباردة وذلك بحدود (2) متر، فتظهر على النباتات بلورات جليدية بيضاء وغالباً ما يحدث هذا النوع من الصقيع في الربيع وهـو أشد خطراً من الصقيع المتحرك نظراً لأنه يحدث في فترة النمو وخاصة فترة الإزهار أي في بداية نيسان بالنسبة لمجموعة أشجار اللوزيات وفي منتص فه لمجموعة أشجار التفاحيات.
3- الصقيع الإشعاعي المتحرك:
ويحدث هذا النوع من الصقيع عند تحرّك كتلة هوائية باردة وخالية من الغيوم في أجزائها الجافة، ولذلك يُعد هذا النوع من أخطر أنواع الصقيع، على أشجار الفاكهة. يتأثر حدوث الصقيع بأنواعه المختلفة بعوامل عديدة أهمها:
1) طبوغرافية الأرض: يُعد موقع الحقل طبوغرافيا من حيث التضاريس وغيرها عاملاً مهما في حدوث الصقيع، وعلى سبيل المثال: فإن القمم المرتفعة تكون عـرضة للصقيع المتحرك، حيث يتكرر أكثر من الصقيع الإشعاعي، بينما يحدث الأخير في مناطق الوديان والمنخفضات نظراً لأنّ الهواء البارد يكون بتماس مباشر مع الأرض، حيث يبقى محصوراً وغير متجدداً ويرافقه الهواء البارد القادم من السفوح المجاورة الذي بدوره ينساب بارداً بسبب كثافته ومنحدراً إلى المنخفضات فيزيد من حدّة الصقيع الإشعاعي مؤدّياً إلى رفع السعة الحرارية اليومية في هذه المنخفضات.
2) الارتفاع عن سطح البحر: يؤثر الارتفاع عن سطح البحر في درجات الحرارة الجوية بشكل كبير، إذ إن ارتفاع كل مئة متر عن سطح البحر يقابلها انخفاض حرارة بمعدل 0.6 مْ وهذا الانخفاض يعادل 98% في الهواء الجاف، بينما يعادل 0.4 م في الهواء المشبع بالرطوبة.
(3) الغيوم: تزداد شدة الصقيع عندما تكون السماء صافية من الغيوم، كما أنّ لنوعية وكمية (سماكة) الغيوم تأثيراً مباشراً في شدّة الصقيع، فالغيوم الكثيفة تحدّ كثيراً من شدة الصقيع نظراً لأنها تعيد قسماً كبيراً من إشعاع الأرض إليها ثانية فتحفظ بذلك حرارة الأرض.
(4) الرطوبة: يؤدي ارتفاع بخار الماء الموجود في التربة والهواء الجوي إلى الحد من الانخفاض المفاجئ لدرجات حرارة الهواء والتربة، فعندما يتجمد بخار الماء ينطلق قدراً من الحرارة يعمل على تخفيض شدة الصقيع، كما أنّ بخار الماء في الجو يعمل على حفظ حرارة الأرض خلال الليل إذ يقلل من إشعاع الأرض.
(5) سرعة الرياح: تؤدي سرعة الرياح إلى خلط ميكانيكي للهواء، وذلك بين الطبقات الباردة والملامسة لسطح التربة (الأرض)، وذلك في أثناء حدوث الصقيع الإشعاعي، وبين الطبقات الدافئة التي تعلوها، مما يؤدي إلى الحد من خطر الصقيع الإشعاعي، بينما تؤدي زيادة الرياح إلى حدوث أضرار بالغة أثناء حدوث الصقيع المتحرك.
(6) الصفات الفيزيائية للتربة والغطاء النباتي: تؤدي حراثة التربة إلى زيادة المسافات البينية فيها مما يقلل من ناقليتها للحرارة وذلك من الطبقات العميقة إلى الطبقات السطحية، ولذلك ينصح بعدم القيام بحراثات عميقة في الأراضي المعرضة لحدوث الصقيع. إن طبقات الهواء الجاثمة فوق الأراضي ذات الغطاء النباتي العشبي تكون أكثر برودة من الطبقات الهوائية الجاثمة فوق الأراضي العارية من الأعشاب، ولذلك ينصح بقص الأعشاب حول أشجار الفاكهة في الربيع للحدّ من خطر وقوع الصقيع الربيعي.
(7) الكتل الهوائية الباردة: تؤدي الكتل الهوائية الباردة إلى انخفاض درجات الحرارة، وبالتالي حدوث الصقيع بأنواعه المختلفة.
ونتيجة للتوزع الطبوغرافي لأشجار الفاكهة من جراء التطور الطبيعي لها، فقد تولّدت ظاهرة مقاومة هذه الأشجار للصقيع، حيث يؤكد Micurin أن الأصناف المتحمّلة للصقيع في ظروف مناخية معينة ليست بالضرورة متحملة لها في ظروف مناخية أخرى مختلفة عنها.
هذا وتؤثر في ظاهرة تحمّل الصقيع عوامل عديدة أهمها:
1- العوامل التشريحية:
للصفات التشريحية كانت للخلية أم للأنسجة الأخرى في شجرة الفاكهة، كحجم الخلية وشكلها وتركيبها وغيرها من الصفات التشريحية أهمية كبيرة في مجال حماية الأنسجة والخلايا من الصقيع.
2- العوامل الكيمياحيوية والفيزيولوجية:
لهذه العوامل تأثير مباشر وغير مباشر في شدة ظاهرة تحمل الصقيع، إذ إنّ التوقف المبكر لنمو الأفرع والبدء بإنهاء الفترة الحضرية في الصيف، وكذلك تجمع المواد العضوية الاحتياطية في أنسجة الشجرة، والإنبات تحت درجات الحرارة بحدود الـ 5 م تنتج مواد وعناصر تحمّل الصقيع، وخاصة الدهون والسكر، إضافة إلى إمكانية هدرجة محتوى الخلية وتقوية تركيز العصير الخلوي، حيث تقوم الدهون بالضغط على الماء فتمنعه من التشكل الكريستالي الجليدي في الأنسجة والذي يؤدي إلى تمزقها، كما أنّ زيادة فترة السكون الشتوي من خلال تواجد بعض المثبطات الهرمونية مثل الـ Nerengimin و Dormin وغيرها، وكذلك السيولة الجيدة للماء وتخفيض شدة التنفس يؤديان إلى الإسراع بتحوّل النشاء إلى سكر.
كل هذا يُعد من العوامل الكيمياحيوية والفيزيولوجية التي تساعد على زيادة تحمّل أشجار الفاكهة للصقيع.
هذا وقد قام العالم الياباني Sar بتجارب عديدة في مجال زيادة تحمّل الصقيع عند الكرمة واستطاع من خلالها إثبات نتائج عديدة أهمها تقول بأن بعض أصناف الكرمة المتحمّلة للصقيع تعتمد بذلك على التركيب الكيميائي للعنصر الخلوي الذي ينتقل في بداية الفترة الخضرية بشكل سريع ويحتوي على أيونات غير عضوية وعلى بعض المواد العضوية بكميات محدودة إضافة إلى احتوائه على عنصر الكربون وبعض الأحماض العضوية والأمينية وغيرها.
ومن المعروف من خلال التحليل الكيميائي لأصناف الكرمة المتحمّلة للصقيع أن العصير الخلوي الخاص فيها يحتوي على الآزوت العضوي (أحماض أمينية) بكميات كبيرة وعلى الآزوت غير العضوي (نترات أمونياك) بكميات قليلة، بينمـا يحتـوي العصير الخلوي لأصناف الكرمة غير المتحمّلة للصقيع على كميات قليلة من الآزوت العضوي وكبيرة من الآزوت غير العضوي. ولتحديد نسبة تحمل النباتات بأجزائها المختلفة للصقيع توجد عدة طرق أهمها طريقة Sar حيث يمكن ذلك بوساطة استخدام جهاز قياسي (فوتومتري) والذي يعتمد على أشعة أولترا الضعيفة.
ومن المؤكد وجود إمكانيات متعددة لزيادة نسبة تحمل النباتات وأشجار الفاكهة بشكل خاص للصقيع وذلك برشها بهرمونات خاصة كمثبطات النمو لبعض أجزاء الشجرة، ومن هذه المثبطات: MH, -30, SADH, ABA وغيرها، وهي أسماء أو رموز تجارية.
هذا وقد أثبت العالم الروسي Semina في عام 1972 بأن درجة تحمّل الأشجار المثمرة للصقيع تعتمد على نسبة التوافق بين الأصل والطعم.