التنفس في الحشرات الأرضية (Respiration in Terrestrial Insects)
1- التبادل الغازي Gaseous Exchange : يعبر الأوكسجين الداخل مع الهواء الثغور التنفسية ليصل عن طريق الجهاز القصبي إلى النسج ثم إلى الخلايا حيث الأجهزة الميتوكوندرية (Mitochondria) كي يؤدي دوره في عمليات الأكسدة أثناء النشاط الخلوي. ومن الجدير بالذكر أن جهاز السيتوكروم الأنزيمي (أنزيمات التنفس) يقع ضمن جسيمات الميتوكوندريا المنتشرة في الخلية. وغالباً ما تكون هذه الحبيبات أو الجسيمات كبيرة جداً وغزيرة في خلايا الأنسجة التي تستهلك كميات كبيرة من الأوكسجين مثل عضلات الصدر في الحشرات السريعة القوية الطيران مثل الرعاش ونحل العسل والذباب المنزلي. ويسلك غاز ثاني أوكسيد الكربون الناجم عن التنفس الخلوي طريقا معاكساً تماماً . وبذلك يكون ثمة جزءان للتبادل الغازي أحدهما يكمل الآخر، فالأول منهما يتم عبر الجهاز القصبي ويعرف بالانتشار الهوائي الأنبوبي، والثاني يتم من الجهاز القصبي إلى المحاليل المحيطة بالأنسجة ثم إلى الخلايا وسيتوبلازم الخلايا نفسها، وهذا ما يُعرف بالانتشار النسيجي .
2- الانتشار الغازي (Diffusion) : إن تجديد الهواء ضمن الجهاز القصبي يعود إلى عملية الانتشار الغازي. حيث يعتمد معدل الانتشار الغازي على الوزن الجزيئي للغاز في الهواء، كما يعتمد أيضاً على الفرق في تركيز الغاز بين نهايتي الجملة القصبية . ويختلف ثابت النفاذية rent.mo00) للغاز على حسب الوسط الذي يمر خلاله، فغاز الأوكسجين ينتشر في الهواء أسرع بحوالي (100000) مرة من انتشاره في الماء أو في النسج. ويقطع الأوكسجين مسافة بين الثغور التنفسية حتى بدء وصوله إلى النسج أطول بحوالي (10000) مـرة مما يقطعه ضمن النسج، ومع ذلك فإنه يقطع المسافة الأولى بزمن أقل حوالي عشر مرات منه في المسافة الثانية ، وذلك تبعاً لاختلاف مدى نفاذية الجملة القصبية عنها في النسج .
ونظراً لقابلية الانحلال الكبيرة لغاز ثاني أوكسيد الكربون فإن نفاذيته في النسيج أكبر بحوالي (36) مرة من الأوكسجين ، وعلى الرغم من كون وزنه الجزيئي أعلى مما هو عليه في الأوكسجين فإنه ينتقل في النسج أسرع من الأوكسجين مخالفاً بذلك القاعدة العامة الموجودة في الهواء . ولما كان غاز ثاني أوكسيد الكربون شديد القابلية للانحلال فهو يوجد بتركيزات أعلى من الأوكسجين في النسج ، ولذلك فإن جزءاً من هذا الغاز ، بدل أن يطرح بالطريق الطبيعي بواسطة الجملة القصبية مباشرة، فإنه يمكن أن ينفذ خلال أنسجة الحشرة ليدخل الجهاز القصبي قرب الثغور التنفسية ويخرج عن طريق الثغور طبيعياً أو ينطلق من أماكن التمفصل في جدار الجسم . ويرتبط التبادل والانتشار الغازي بين الجملة القصبية والنسج إلى حدٍ ما بطبيعة جدران القصبات والقصيبات، وهذه الأخيرة تقوم بتوصيل غاز الأوكسجين إلى الخلايا بآلية معينة (شكل د) ، وهي كالتالي : إن الأطراف النهائية للأنابيب الهوائية الشعرية للقصيبات (Tracheoles) في معظم الحشرات مملوءة بسائل خاص شبيه بتركيبه بدم الحشرة بدلاً من الهواء ، كما أن جدارها شبه نفوذ ويسمح بانتشار السوائل خلاله . فهي بذلك لا توصل الهواء باستمرار إلى الخلايا التي تنتهي إليها، بل تقوم بذلك عند حاجة هذه الأنسجة للأوكسجين. فإذا كانت هذه الأنسجة بدون نشاط فإن السائل يرتفع ضمن الأنابيب الشعرية لأنها تكون منطقة ذات ضغط أوسموزي عالي بالقياس إلى سوائل الأنسجة المحيطة بها. ولكن عند حدوث نشاط في هذه الأنسجة وعندما تأخذ العمليات الحيوية فيها مجراها ، فإنها تحتاج إلى طاقة ليتم لها ذلك. لذلك تبدأ فيها عمليات هدم داخلية، ولما كانت كميات الأوكسجين قليلة فإن نواتج الاحتراق للغليكوجين الموجود في أنسجة العضلات مثلاً تكون غير كاملة ويتخلف عنها أحماض عضوية وسطية مثل حمض اللبن (Lactic Acid) تعمل على رفع الضغط الأوسموزي للسائل بالأنسجة المحيطة بالقصيبات مؤدية إلى انسحاب ومرور سائل الأنابيب محملاً بالأوكسجين الذائب إلى الأنسجة المحتوية على الأحماض العضوية الوسطية ليؤكسدها فيحدث بذلك فراغاً في القصيبات يحل محله هواء يأتي من القصبات الهوائية وبالتالي يصل الهواء إلى الأنسجة والخلايا التي ، تأخذ كفايتها منه ، مما يؤدي إلى اكتمال عمليات الهدم والاحتراق وتكوين الأحماض العضوية الوسطية فينخفض الضغط الأوسموزي فيها مرة أخرى فيمر السائل مذاباً فيه ثاني أوكسيد الكربون من الأنسجة إلى نهاية القصيبات ويستمر ذلك حتى حدوث التوازن .

شكل يبين القصبات والقصيبات الهوائية في الحشرات (عن مصادر مختلفة)
3- تهوية الجهاز القصبي Ventilation)) : لا يكفي تبادل الغاز بطريقة الانتشار الغازي وحدها بالنسبة للحشرات التي تقوم بمجهود عضلي كبير لأنه غير قادر على إمدادها بالأوكسجين الكافي لها، بل لابد لها من مصدر إضافي آخر وهذا يتوفر لها عن طريق النقل الغازي الناتج عن التغيرات الميكانيكية في حجم الجملة القصبية وهذا ما يُعرف بالتهوية .
وتبدو معظم القصبات الهوائية في المقطع العرضي لها دائرية أو بيضاوية ، وبالتالي تكون أسهل في الانغلاق إذا ما تعرضت للضغط، وانغلاقها هذا يؤدي إلى طرد الهواء خارج الجسم في حين يؤدي انفتاحها مرةً أخرى إلى سحب وامتصاص الهواء نحو الداخل. على كل حال فإن هذه التغيرات الميكانيكية في القصبات الهوائية لا تؤدي إلا دوراً طفيفاً نظراً لضيق قطر القصبات هنا عموماً ، ولكن الأهمية الكبرى هنا والتي تسبب أكبر قدر ممكن من التبادل الغازي وتهوية الجهاز القصبي هي ما يطرأ على الأكياس الهوائية ذات الحجم الكبير من تغيرات مماثلة .
أما الضغط الذي يؤدي إلى انطلاق الهواء خارجاً أو ما يمكن تشبيهه بعملية الزفير (Expiration) فينتج بطريقة غير مباشرة بانقباض العضلات الظهرية البطنية التي تربط الترجات بالاسترنات ، وخاصة في منطقة البطن. فعند انطباقها تقترب الترجة من الاسترنة مؤدية إلى ارتفاع الضغط الدموي وبالتالي إلى حركة الأعضاء التي تضغط بدورها على الأكياس الهوائية مؤدية إلى انطباقها ودفع ما بها من غازات ، ولاسيما غاز ثاني أوكسيد الكربون . أما عند الارتخاء لهذه العضلات وتباعد الترجة عن الاسترنة وتمدد هذه الأكياس ثانية وحدوث ما يشبه عملية الشهيق Inspiration)) فيدخلها الهواء محملاً بالأوكسجين. وهكذا تتوالى عمليات الانقباض والانبساط (التمدد) فيندفع الهواء من وإلى الجملة القصبية من خلال الثغور التنفسية. ويمكن أن ينساب الهواء داخلاً وخارجاً من كل ثغر تنفسي وهذه الحركة الهوائية تدعى بالتدفق المدى - الجذري (Tidal-Flow) . ولكن ما يحدث في معظم الحشرات هو انفتاح وانغلاق ثغور معينة حسب الحاجة، ويكون ذلك متزامناً مع عمليات الضخ التي يؤديها البطن في عملية التهوية المذكورة. وهكذا يجري امتصاص الهواء عبر ثغور معينة، ويتم خروجه عبر ثغور أخرى، وهذا شكل من التهوية أكثر فعالية من حالة التدفق المدى – الجذري .
4- الوظيفة التنفسية للدم (The Respiratory Function of the Blood) : لابد أن يلعب الدم دور الوساطة بين لمعة النهايات القصبية وسيتوبلازم الخلايا نظراً لقابلية نفاذ جدران الجملة القصبية للغازات، ولاسيما غاز ثاني أوكسيد الكربون . وعموماً لا يلعب الدم دوراً مهماً في عملية التنفس لدى الحشرات الأرضية باستثناء حالات شاذة ، وهي:
أ - تزود الأورطة أو الأبهر لشغالة نحل العسل بعددٍ كبير من القصيبات الهوائية محققة بذلك نوعاً من الرئات تسمى بالرئات القصبية Tracheal Lungs)) وظيفتها تهوية الدم وإمداده بالأوكسجين وتخليصه من غاز ثاني أوكسيد الكربون كما تفعل الرئتان في الحيوانات الفقارية .
ب - تنتهي القصبات الهوائية في يرقات حشرة Hypoderma spp)) فجأة عن امتدادها الطبيعي وتتشعب إلى شعيرات طويلة ودقيقة تسبح حرة في تجويف الجسم دون أن تقصد الخلايا وتحيط بها، كما هو معروف في الحالة الطبيعية وتلاحظ الحالة نفسها في قصبات الثغور التنفسية الأمامية لعذارى فصيلة الذباب (Muscidae).
جـ - يلعب الهيموغلوبين الموجود حراً وذائباً في بلازما دم يرقات الهاموش(Chironomus sp.) ، ولاسيما ما يعيش منها في الطين في قاع البرك والمياه الضحلة الآسنة الفقيرة في الأوكسجين، دور مخزن للأوكسجين وإن كان ما يخزن عادة لا يكفي هذه اليرقات إلا وقتاً قصيراً جداً .