السجن المؤبد أو المؤقت بوصفه عقوبة أصلية لجريمة القتل العمد
المؤلف:
محمد حسن صلاح مهدي الجواهر
المصدر:
جريمة القتل العمد والظروف المشددة فيها
الجزء والصفحة:
ص 144-147
2026-06-20
39
يمثل السجن المؤبد أو المؤقت العقوبة الأصلية لجريمة القتل العمد متى بقيت الواقعة في صورتها المجردة، أي خارج الأحوال التي جعلها المشرع سبباً لنقل الجزاء إلى الإعدام فنص المادة (405) من قانون العقوبات العراقي جاء مقرراً أن " من قتل نفساً عمداً يعاقب بالسجن المؤبد أو المؤقت". ومفاد ذلك أن الأصل العقابي في القتل العمد البسيط هو سلب الحرية، لا سلب الحياة، وأن الإعدام لا يدخل إلا بوصفه أثراً استثنائياً مرتبطاً بالصور المشددة المنصوص عليها في المادة (406) ، لا بمجرد قيام النتيجة المتمثلة بإزهاق الروح. وقد نصت المادة (87) من قانون العقوبات العراقي على " السجن هو إيداع المحكوم عليه في إحدى المنشآت العقابية المخصصة قانوناً لهذا الغرض لمدة عشرين سنة إن كان مؤبداً والمدة المبينة في الحكم إن كان مؤقتاً ومدة السجن المؤقت أكثر من خمس سنوات إلى خمس عشرة سنة ما لم ينص القانون على خلاف ذلك. ولا يزيد مجموع مدد العقوبات السالبة للحرية على خمس وعشرين سنة في جميع الأحوال وإذا أطلق القانون لفظ السجن عد ذلك سجناً مؤقتاً. ويكلف المحكوم عليه بالسجن المؤبد أو المؤقت بأداء الأعمال المقررة قانوناً في المنشآت العقابية "، ويظهر من هذا النص أن السجن المؤبد في القانون العراقي ليس مؤبداً بمعناه اللغوي المطلق، وإنما هو محدد قانوناً بعشرين سنة، في حين يقع السجن المؤقت بين أكثر من خمس سنوات وخمس عشرة سنة، ما لم يرد نص خاص بخلاف ذلك (1). ويتخذ السجن المؤبد أو المؤقت في جريمة القتل العمد أكثر من موضع داخل البناء العقابي. فهو أولاً الجزاء الأصلي للقتل العمد المجرد وفق المادة (405)، وهو ثانياً جزاء جوازي في بعض صور القتل العمد المشدد التي جعلت المادة ( 406/2) عقوبتها الإعدام أو السجن المؤبد، وهو ثالثاً العقوبة التي قد ينزل إليها الحكم عند قيام العذر المخفف أو ظرف الرأفة في الجناية المعاقب عليها بالإعدام. وبذلك لا يحضر السجن في القتل العمد بوصفه درجة عقابية واحدة، بل بوصفه أصلاً في صورة وخياراً تشريعياً في صورة، ونتيجة لتفريد العقوبة في صورة أخرى.
ولا يقتصر أثر السجن على الجريمة التامة، لأن الشروع في القتل العمد يفضي هو الآخر إلى عقوبات سالبة للحرية بحسب العقوبة المقررة للجريمة لو تمت. فقد نصت المادة (31/ أ - ب) من قانون العقوبات العراقي على " يعاقب على الشروع في الجنايات والجنح بالعقوبات التالية ما لم ينص القانون على خلاف ذلك: أ- السجن المؤبد إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة الإعدام. ب- السجن لمدة لا تزيد على خمس عشرة سنة إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة السجن المؤبد". وعلى هذا الأساس يتسع حضور السجن في نطاق القتل العمد ليشمل الجريمة التامة والشروع فيها، مع اختلاف المقدار بحسب العقوبة المقررة للجريمة الأصلية. غير أن السجن المؤبد في التشريع العراقي يجب أن يبقى متميزاً عن السجن مدى الحياة. فالسجن المؤبد، وفق المادة (87)، محدد بعشرين سنة، أما السجن مدى الحياة فيراد به أن يقضي المحكوم عليه ما تبقى من حياته داخل السجن. وقد اتجه جانب من الفقه إلى أن عقوبة السجن مدى الحياة تعني بقاء المدان في السجن بقية عمره، وهو معنى لا ينطبق على السجن المؤبد في قانون العقوبات العراقي ما دام المشرع قد حدده بعشرين سنة. ومن ثم لا يجوز استعمال السجن المؤبد في القتل العمد العراقي بمعنى السجن مدى الحياة، إلا إذا كان النص الخاص قد استعمل هذا المعنى صراحة (2) " . وقد برز نظام السجن مدى الحياة في العراق في سياق استثنائي ارتبط بتعليق عقوبة الإعدام. فقد جاء في القسم الثالث من أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (7) لسنة 2003 أن " تعلق عقوبة الإعدام في كل حالة تكون فيها عقوبة الإعدام هي الوحيدة المنصوص عليها لمعاقبة مرتكب الجناية. ويجوز للمحكمة أن تستعيض عنها بمعاقبة المتهم بالسجن مدى الحياة أو بفرض عقوبة أخرى عليه أقل منها وفقاً لما ينص عليه قانون العقوبات. وهذا النص لم يبدل معنى السجن المؤبد الوارد في المادة (87)، وإنما أدخل عقوبة أخرى أشد من السجن المؤبد ،العراقي، لأنها لا تحدد بمدة عشرين سنة بل تستغرق الحياة الطبيعية للمحكوم عليه وتكشف آثار الأمر رقم (7) لسنة 2003 أن السجن مدى الحياة كان بديلاً عن الإعدام في مرحلة تعليق هذه العقوبة، لا بديلاً دائماً عن السجن المؤبد في قانون العقوبات العراقي. فقد أدى الأمر إلى تعليق الإعدام في الجرائم التي بقيت عقوبتها الإعدام، واستبداله بالسجن مدى الحياة أو بعقوبة أخرى أخف وفقاً لقانون العقوبات، ثم أعيد العمل بالإعدام لاحقاً بالنسبة إلى جرائم معينة، ومنها المادة (406) من قانون العقوبات ولذلك تعود صور القتل العمد المشدد إلى نطاق الإعدام بعد إعادة العمل به، ويبقى السجن مدى الحياة مرتبطاً بالمرحلة التشريعية التي أفرزته أو بالنص الخاص الذي يقرره (3) . ولا يجوز الخلط بين السجن المؤبد، والسجن مدى الحياة، ومجموع العقوبات السالبة للحرية عند التعدد. فقد نصت المادة (143/أ) من قانون العقوبات العراقي على " إذا ارتكب شخص عدة جرائم ليست مرتبطة ببعضها ولا تجمع بينها وحدة الغرض قبل الحكم عليه من أجل واحدة منها، حكم عليه بالعقوبة المقررة لكل منها ونفذت جميع العقوبات عليه بالتعاقب على أن لا يزيد مجموع مدد السجن أو الحبس التي تنفذ عليه أو مجموع مدد السجن والحبس معاً على خمس وعشرين سنة "، وهذا القيد يجعل تنفيذ العقوبات السالبة للحرية عند التعدد محكوماً بسقف قانوني، يمنع أن يتحول الجمع الحسابي للعقوبات إلى سجن مؤبد فعلي خارج الحدود التي رسمها المشرع (4) .
وتبدأ مدة السجن من اليوم الذي يودع فيه المحكوم عليه السجن تنفيذاً للعقوبة المحكوم بها عليه، مع تنزيل مدة التوقيف عن الجريمة المحكوم بها. فقد نصت المادة (90) من قانون العقوبات العراقي على " تبدأ مدة العقوبة المقيدة للحرية من اليوم الذي أودع فيه المحكوم السجن تنفيذاً للعقوبة المحكوم بها عليه على أن تنزل من مدتها المدة التي قضاها في التوقيف عن الجريمة المحكوم بها . كما نصت المادة (295) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي على " تنزل مدة التوقيف من مدة العقوبة او التدبير السالب للحرية الصادر على المحكوم عليه في نفس الجريمة وإذا تعددت العقوبات في نفس الدعوى فتنزل من العقوبة الأخف". وبذلك لا ينفصل السجن، بوصفه عقوبة أصلية في القتل العمد، عن طريقة حساب مدته وما يسبق الحكم من توقيف واجب التنزيل (5).
وعليه، فإن السجن المؤبد أو المؤقت في جريمة القتل العمد لا يمثل عقوبة احتياطية أو درجة أدنى على نحو مجرد، بل يمثل الأصل العقابي في القتل العمد البسيط، والخيار الممكن في بعض صور القتل المشدد، والنتيجة التي قد ينتهي إليها تفريد العقوبة عند النزول من الإعدام أما السجن مدى الحياة فيبقى نظاماً مختلفاً لا يختلط بالسجن المؤبد العراقي المحدد بعشرين سنة، ولا يستعمل في نطاق القتل العمد إلا بقدر ما يثبته النص الخاص أو المرحلة التشريعية التي أفرزته. وبذلك يستقر موضع السجن داخل العقوبات الأصلية بوصفه الجزاء السالب للحرية في القتل العمد، على أن تُرحّل آثاره التابعة كالحرمان من الحقوق ومراقبة الشرطة، إلى موضعها في العقوبات التبعية والتكميلية .
________
1- د. علي حسين الخلف، د. سلطان عبد القادر الشاوي، المبادئ العامة في قانون العقوبات العائك لصناعة الكتاب، القاهرة، توزيع المكتبة القانونية، بغداد، ص 421
2- د. براء منذر كمال عبد اللطيف عقوبة السجن مدى الحياة دراسة مقارنة مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية، المجلد 14، العدد 8، أيلول 2007، ص 311
3- د. براء منذر كمال عبد اللطيف عقوبة السجن مدى الحياة، مصدر سابق ص 320-321.
4- د. علي حسين الخلف، ود. سلطان عبد القادر الشاوي، المبادئ العامة في قانون العقوبات، مصدر سابق ، ص 464 .
5- د. محمد إسماعيل إبراهيم المعموري، حسن خنجر عجيل، السياسة الجنائية وتنفيذ العقوبات الأصلية دراسة مقارنة، مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية، جامعة بابل - كلية القانون المجلد 9، العدد ،3، 2017، ، ص 293-294.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون العقوبات العام
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة