حتمية الترابط
المؤلف:
جيمس بيني
المصدر:
الفيزياء الفلكية: مقدمة قصيرة جدًّا
الجزء والصفحة:
ص8
2026-06-28
58
كان جيمس كليرك ماكسويل، الابن الوحيد لمحامٍ ثريٍّ من إدنبرة، يتمتع بموهبةٍ كبيرة في الرياضيات والفيزياء منذ صغره، وقد قدَّم إسهاماتٍ رئيسية في نظرية الغازات والحرارة وديناميكا حلقات زحل، ولكن إنجازه الأعظم تمثَّل في توسيع قوانين الكهرومغناطيسية باستخدام التفكير النظري البحت. تصوَّر ماكسويل تجربة تشمل دائرة كهربائية يمُر بها تيارٌ متردد، وتحتوي على مكثف، وهو جهاز يتكون من لوحَين معدنيَّين تفصل بينهما طبقةٌ رقيقة من مادةٍ عازلة، ربما تكون في بعض الأحيان طبقةً فراغية. يتدفَّق التيار إلى أحد اللوحَين، فيُكسبه شحنةً موجبة، ويخرج من اللوح الآخر، شاحنًا إياه بشحنةٍ سالبة. طبَّق ماكسويل على هذه الدائرة قواعد حساب المجال المغناطيسي المتولد من الدائرة، التي وضعها أندريه-ماري أمبير. في عام 1865، أظهر أن هذه القواعد تعطي نتائجَ مختلفة تمامًا بناءً على طريقة تطبيقها، ما لم يكن هناك تيارٌ يمُر بين لوحَي المكثف عَبْر المادة العازلة. قاده هذا الاكتشاف إلى فرضية مفادها أن المجال الكهربائي المتغير زمنيًّا يُولِّد «تيار الإزاحة». رياضيًّا، شكَّل تيار الإزاحة المُفترض حدًّا إضافيًّا في المعادلة التفاضلية التي تربط التيار الاصطلاحي بالمجال المغناطيسي الذي يُولِّده.
كانت النتيجة المذهلة للحد الإضافي في المعادلة أنه أتاح للمجالات الكهربائية والمغناطيسية أن يدعم كلٌّ منهما الآخَر دون الحاجة إلى وجود شحنات؛ فحتى ذلك الحين، كان المجال الكهربائي هو ما يحيط بجسمٍ مشحون، والمجال المغناطيسي هو ما يحيط بسلك يحمل تيارًا. لكن مع الحد الإضافي، أنتج المجال الكهربائي المتغير زمنيًّا مجالًا مغناطيسيًّا متغيرًا زمنيًّا، وكان مايكل فاراداي قد أثبت بالفعل أن مثل هذا المجال المغناطيسي يُولِّد مجالًا كهربائيًّا متغيرًا زمنيًّا. ومن ثَم، أصبح المجال المغناطيسي يُعيد توليد المجال الكهربائي الأصلي دون حاجة إلى وجود شحنات! هل يمكن أن يكون هذا الاستنتاج المذهل صحيحًا، أم أن الحد الإضافي في المعادلة كان خطأً غبيًّا؟
استطاع ماكسويل حساب سرعة انتشار التذبذبات المترابطة للمجالات الكهربائية والمغناطيسية في الفضاء الفارغ، ووجد أن هذه السرعة تتوافق، في حدود أخطاء القياس، مع سرعة الضوء المَقيسة. استنتج ماكسويل أن الحد الإضافي كان صحيحًا وأن الضوء كان في جوهره تذبذبات مترابطة ومتجددة بين المجالات الكهربائية والمغناطيسية. وبالنظر إلى أن الطول الموجي للضوء كان معروفًا بكونه قصيرًا للغاية (حوالي 0٫0005ملم)، فإن تردُّد التذبذبات يجب أن يكون مرتفعًا للغاية. أما التذبذبات ذات التردُّدات المنخفضة، فترتبط بموجاتٍ ذات أطوالٍ موجية أطول. في عام 1886، تمكَّن هاينريش هيرتز من توليد هذه الموجات «الراديوية» واستشعارها.
بهذا، قدَّم ماكسويل تفسيرًا جديدًا لظاهرة قديمة، وهي الضوء، وتنبأ بظاهرة جديدة كليًّا من خلال تطبيق قوانين الفيزياء التقليدية في تجربة فكرية، كما رأى أن القوانين تحتاج إلى تعديل لضمان «اتساق النظرية». كانت هذه خطوةً رائدة في مسار العلم.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مواضيع عامة في علم الفلك
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة