1. الدعاء والقضاء والقدر: القضاء والقدر هما أمران حقيقيان مسلم بهما فقد قدر الله سبحانه وتعالى جميع الامور منذ الازل وهو عالم بها جميعا ويدخل الدعاء كذلك ضمن اطار القضاء والقدر لا في مقابلهما لأن البداء[1] جزء من عالم الطبيعة (المادة) الذي هو محل الحركة والتغير والتحول[2]. ومعنى ذلك أن الله سبحانه قدر أنه اذا ما تحقق الدعاء الفلاني أو قبلت صدقة شخص ما أو عمل بصلة الرحم وغير ذلك فإن العمل الفلاني سيدعو وسيثاب على دعائه وأن شخصا آخر سيدعو كذلك لكن دعاءه لن يستجاب اذا فلا شك في علم الله تعالى ولا وجود للحيرة والقلق في عالم الوجود.
وبعبارة أخرى: فإن هناك نقطتين تتعلقان بهذا الامر هما: 1. نطاق لوح المحو والإثبات حيث نظم الله عز وجل الامور بعللها وأسبابها منذ الازل ومن بين تلك العلل المتعلقة بعالم الطبيعة هو الدعاء واعطاء الصدقة وما شابهما ويقع الدعاء وهو العامل المسبب في ايجاد التغييرفي بعض الامور في القسم الادنى من لوح المحو والإثبات لا ضمن المجردات الثابتة المصانة من التغيير.
2. نطاق اللوح المحفوظ (أم الكتاب) وهو عالم القضاء المحض والمحتوم وهو أعلى من مجال التحول ومجال لوح المحو والإثبات وفي هذا النطاق حيث يكون كل شيء محفوظا ومصانا من التغيير والزوال وحتمية الوقوع فإنه لا أثر اطلاقا للدعاء أو الصدقة أو غيرهما على سبيل المثال فإن مبدأ موت الانسان مدون في اللوح المحفوظ ولا أحد مطلقا مستثنى من هذا القضاء الالهي الحتمي وفقا للآية الشريفة: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ[3])، أما العمر المخصص لكل إنسان ووقت وفاته فهما عرضة للتغيير في لوح المحو والإثبات والله سبحانه وحده يعلم أن الشخص الفلاني سيطول عمره لحسن تصرفه واختياره ودعائه أو دوامه على صلة الرحم فيما سيحرم شخص آخر من هذه النعمة لسوء تصرفه وعقوقه لوالديه أو قطع رحمه وغير ذلك.
وبهذا التفسير لا يبقى مجال لشبهة الجبر[4] إذ إن كل أمر قابل للتغيير والتبديل ما لم يصل حد ما لم يصل حد العلة التامة ليصبح بعد ذلك في اطار القضاء الالهي غير القابل للتغيير والتبديل وإذا علم الله سبحانه أن شخصا ما سيدفع صدقة أو يدعو دعاء معينا فإنه يعتبر ذلك من مبادئ اختياره.
تذكير: يستفيد من الاية الشريفة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ[5]). معنى القضاء وما اذا كان بعض أنواع القضاء قابلا للتغير أم لا لأن الاجل المقضي يقابل الاجل المسمى وهذا الاخير لا يعلمه إلا الله وما عند الله تعالى فهو ثابت: (وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ[6])، ولما كان التقابل مانعا للاشتراك فإن الاجل المقضي قابل للتغير ونشير الى أننا سنختتم هذا البحث بتفاصيله عند تفسيرنا الاية الثانية من سورة الانعام[7].
2. الدعاء والقضاء المبرم: يعتبر الدعاء جزءا من تأثيرات الفعل الالهي أي أن فعل الله سبحانه في هذه التنشئة يتطابق مع قابليات الافراد وقدراتهم ودعاء الداعي هنا يمثل أحد الشروط الفعالة في تحقيق نصاب القدرة والاستعداد.
قال تعالى: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ[8])، فالواجبات وكل عمل خير يقوم به الانسان للتقرب الى الله سبحانه يعتبر وسيلة: (وما تقرب الي عبد بشيء أحب الي مما افترضت عليه[9])، رغم أن بعض الوسائل كالإيمان بربوبية الله عز وجل (ويتوسل اليك بربوبيتك[10])، والولاية: (ونحن الوسيلة الى الله[11])، والإقرار بالذنوب (فقد جعلت الاقرار بالذنب اليك وسيلتي[12]). أقول: رغم أن تلك الوسائل منصوص عليها وهي أقوى من البعض الاخر.
أما مقدار التأثير الذي تحدثه كل وسيلة من الوسائل فهو الاخر مقدر ومحدد وفقا لمبدأ عام لأن الله سبحانه لا يفعل شيئا إلا بحكمه منه وليس من وسيلة يمكنها تغيير مسار حكمته تلك: (ويا من لا تبدل حكمته الوسائل[13]). فإذا شاءت حكمة الله شيئا مثلا أو قضت أمرا ما فلن يكون بمقدور الدعاء أو التوسل أو الصدفة أو صلة الرحم أو أي شيء آخر إحداث التأثير أو التغيير في ذلك وعليه لا بد هنا من الانتباه الى ثلاث نقاط مهمة هي:
- تكون اجابة الدعاء بمقتضى الحكمة[14].
- اذا بلغ شيء ما عليته التامة فلن يكون بالإمكان تغييره بأي وسيلة، ومعنى ذلك أنه إذا وصل مقتضى الحكمة الى نصاب العلة التامة فإن القضاء المبرم سيتحقق لا محالة ومن المستحيل أن يحدث فيه أي تقدم أو تأخر كقوله تعالى: (إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ[15])، لأن الفاعل لا يمنح فيضه إلا وفقا للقابليات والاستعدادات وقد فقد الممنوح قابليته واستعداده وفي هذه الحالة لن يكون للدعاء الاثر المتوقع والمطلوب وإن دعا له الرسول الأعظم ﷺ نفسه كما في قوله عز وجل: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ[16]). فجميع أبواب التوبة وتصرفهم ولهذا فحتى دعاء النبي ﷺ لن ينفعهم موتهم رغم تأثير الدعاء المذكور للداعي.
- اذا تمت شروط تحقق شيء ما دون أن تزول موانعه أي بقي في اطار الاقتضاء لا العلة التامة فإنه يكون غير مبرم بعد وهنا سيؤثر فيه الدعاء والصدقة وصلة الرحم وغير ذلك.
وبالنظر الى النقاط الثلاث المذكورة يكون المقصود مما ورد في بعض الروايات من أن الدعاء يستطيع تغيير القضاء المبرم كذلك: (ان الدعاء يرد القضاء وقد نزل من السماء وقد أبرم ابراما[17])، هو امكانية أن يستطيع الدعاء تغيير القضاء وإن بلغ هذا الاخير حدود العلة التامة والنصاب الكامل ولا شك في أن منعى الابرام الوارد في قول الامام عليه السلام وقد أبرم ابراما هو الابرام النسبي أي الذي يكون على مشارف الاكتمال والدليل على ذلك والقاسم المشترك لجميع الروايات ما نقل عن الامام الكاظم عليه السلام قوله: (عليكم بالدعاء فإن الدعاء لله والطلب الى الله يرد البلاء وقد قدر وقضي ولم يبق إلا إمضاؤه فإذا دعي الله عز وجل وسئل صرف البلاء صرفة[18]).
[1] راجع كتاب التوحيد: 331 - 333، الهامش. تُعتبر مسألة البداء ذات خصائص معينة سنبحثها في الوقت المناسب عند تفسير الآية الشريفة (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) والآيات الأخرى.
[2] البداء في أصل اللغة بمعنى الظهور، وقد اكتسب في الاستعمال اختصاصاً في ظهور رأي جديد في أمر. (تفسير الأصفى الفيض الكاشاني: 3 / 451).
[4] مضى بيان وشرح مسألة الجبر والتفويض والمنزلة المتوسطة بينهما. (راجع: تفسیر تسنیم: 2 / 529 – 535)
[7] (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ)
[10] مصباح المتهجد 778، دعاء کمیل بن زیاد.
[11] بحار الأنوار: 25 / 23
[13] الصحيفة السجادية: الدّعاء الثالث عشر (دعاؤه عليه السلام في طلب الحوائج).
[14] راجع: الحكمة المتعالية: 6 / 404 ، كلام ابن سينا في التعليقات. قال الملا صدرا: «قال الشيخ {ابن سينا} في تعليقاته: سبب إجابة الدعاء توافي الأسباب معاً للحكمة الإلهية، وهي أن يتوافى سبب دعاء رجل مثلاً فيما يدعو فيه وسبب وجود ذلك الشيء معاً عن الباري تعالى، فإن قيل: فهل كان يصح وجود ذلك الشيء من دون الدعاء وموافاته لذلك الدعاء؟ قلنا: لا؛ لأنّ علتها واحدة وهو الباري، وهو الذي جعل سبب وجود ذلك الشيء الدعاء كما جعل سبب صحة هذا المريض شُرب الدواء وما لم يشرب الدواء لم يصح، فكذلك الحال في الدعاء وموافاة ذلك الشيء له فلحكمة ما توافيا معاً على حسب ما قدر وقضى. فالدعاء واجب وتوقع الإجابة واجب فإن انبعاثنا للدعاء يكون سببه من هناك ويصير دعاؤنا سبباً للإجابة وموافاة الدعاء لحدوث الأمر المدعو لأجله وهما معلولا علة واحدة، ورتها يكون أحدهما بواسطة الآخر. وقال أيضاً: إذا لم يستجب الدعاء لذلك الرجل وإن كان يرى أنّ الغاية التي يدعو لأجلها نافعة فالسبب فيه أنّ الغاية النافعة إنّما تكون بحسب نظام الكل لا بحسب مراد ذلك الرجل وربما لا يكون الغاية بحسب مراده نافعة فلذلك لا يصح استجابة دعائه. وقال أيضاً: والنفس الزكية عند الدعاء قد يفيض عليها من الأوّل قوة تصير بها مؤثرة في العناصر فتطاوعها العناصر منصرفة على إرادتها فيكون ذلك إجابة الدعاء، فإنّ العناصر موضوعة لفعل النفس فيها واعتبار ذلك في أبداننا، صحيح، فإنا ربما تخيلنا شيئاً فيتغير أبداننا بحسب ما يقتضيه أحوال نفوسنا وتخيلاتها. وقال أيضاً: وقد يمكن أن يؤثر النفس في غير بدنها كما تؤثر في بدنها وقد تؤثر النفس في نفس غيرها كما يُحكى عن الأوهام التي تكون لأهل الهند إن صحت الحكاية، وقد يكون المبادئ الأول تستجيب لتلك النفس إذا دعت فيما تدعو فيها إذا كانت الغاية التي تدعو فيهـا نافعة بحسب نظام الكل. وقال أيضاً: كل دعاء فإنّه لا يمتنع أن يُستجاب ووجه اللامتناهية أنه يكون معلوماً للأوّل وإن كان بواسطة الداعي وكلما يكون معلوماً له، فإنه كان إذا لم يكن هناك معلوم آخر يمانعه ومعنى ممانعة المعلوم الآخر الذي يمانعه هو مثلاً أن يكون داع يدعو على إنسان بالبوار وبواره يتم بفساد مزاجه ويكون معلوماً له أيضاً من جانب آخر أن ذلك المزاج يجب أن يكون صحيحاً، فلا يصح أن يكون الدعاء مستجاباً».
[17] الكافي: 2 / 469. عن أَبي عَلِيَّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ بِسْطَامَ الزَّيَّاتِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام .
[18] المصدر السابق: 470 .