نشأة الراديو وانتشاره في العالم:
الراديو ببساطة أحد وسائل الاتصال الإلكترونية الجماهيرية يتم من خلاله توصيل الرسالة Messager لأعداد هائلة من المستقبلين في وقت واحد بدون أسلاك، فهو وسيلة لاسلكية Wireless، وهو من الناحية الوظيفية العلمية يشتمل على أجهزة وعمليات الإرسال والاستقبال معا، وإذا تأملنا كلمة إذاعة Broadcasting وجدنا أنها تتكون من مقطعين، الأول Broad وتعني واسع أو ممتد أو فسيح، والثاني Casting وتدل على النشر أو التوزيع. وبالتالي فإن كلمة Broadcasting تعني النشر أو التوزيع على نطاق واسع، وهذا تماما ما يقوم به الراديو كوسيلة اتصال جماهيرية حيث ينشر الرسالة ويبثها إلى جماهير عريضة متنوعة تنتشر على مساحات شاسعة وذلك هو مدلول كلمة Broad بمعنى الاتساع، فهي إذن عكس كلمة Narrow أي ضيق ومحدود، على هذا الأساس فإن الـ Narrow Casting تعني النشر أو التوزيع على نطاق محدود (غير جماهيري) عكس مدلول كلمة Broadcasting كما سبقت الإشارة.
وتعود الإرهاصات الأولى لظهور الإذاعة إلى عشرينيات القرن التاسع عشر، فقد شهد ذلك العصر ثورة صناعية وتكنولوجية ظهرت معها الحاجة إلى استكشاف أساليب سريعة لتبادل المعلومات التجارية والصناعية، حيث لم تكن أساليب الاتصال القائمة آنذاك يمكنها الوفاء بهذا الغرض. ومما دعم "الأمل" في التوصل إلى أساليب حديثة في الاتصال أن الكهرباء كانت قد اكتشفت وبرزت العديد من الأفكار المعبرة عن الاقتناع بإمكانية استخدامها في التوصل إلى أساليب اتصال جديد تلائم مقتضيات الثورة الصناعية والأسواق التجارية الشاسعة بالإضافة إلى المتطلبات الاجتماعية الجديدة التي ظهرت نتيجة للتطور الاقتصادي والصناعي آنذاك، ولم تكن معطيات الموجـة الاستعمارية - بأبعادها المختلفة - بمعزل عن تعميق ضـرورة وجود أساليب اتصالية حديثة، فالصراع الاقتصادي والعسكري واتساع نطاق الحركة والانتقال، والإنتاج والتوزيع الجماهيريين - كلها مظاهر غذتها الحركة الاستعمارية وتطلبت وسائل اتصال تتناسب وهذا الواقع الجديد.
كان لابد أن تنعكس هذه المعطيات على مضمون وأساليب البحث العلمي التجريبي، وهذا ما حدث بالفعل، ففي عام 1824م، اكتشف العالم الإنجليزي وليم سترجون William Sturgon الموجات الكهرومغناطيسية Electro-Magnetic Waves ، واستخدمت هذه الموجات في الاتصالات السلكية، حيث استطاع العالم "سورس" استخدامها عام 1837م فيما يعرف الآن بالتلغراف وخلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن التاسع عشر اكتشف العالم الألماني هيرتز Hertz الذبذبات الموجية، وكيف أن هـذه الذبذبات Cycles تتم في زمن قصير جدًا يتم حساب عدد الذبذبات في الثانية وتقاس بالهيرتز نسبة إلى العالم هيرتن كانت هذه الاكتشافات ذات تأثير خطير الشأن في المجتمعات الأوربية والولايات المتحدة، حيث انتشرت شبكات التلغراف السلكي في الدول الأوربية، وتم مـد هـذه الشبكات تحـت البحار، وقامت بدور هام في نقل وتبادل المعلومات.
بالاستفادة من فكرة الذبذبات والموجات الصوتية والكهربائية والمغناطيسية، ظهر التليفون كوسيلة لنقل الصوت البشري عبر الأسلاك، وذلك على يد جراهام بل عام 1876م، وقامت فكرة التليفون على تذبذب قطعة من المعدن بتأثير صوت الشخص، وتكون ذبذبات القطعة المعدنية هي نفس ذبذبات الصوت وتحول الموجة الصوتية إلى تيار كهربائي يسري عبر الأسلاك إلى مسافات بعيدة، ويماثل الصوت المنقول، الذي بدوره يمكن سماعه على الجانب الاخر.
وعلى الرغم من أن ظهور التليفون وتطوره أضاف إمكانيات هائلة للاتصالات وتبادل المعلومات بين المؤسسات والأفراد، إلا أن طموح البشرية - ممثلا في عقول وجهود العلماء والباحثين، لم يقف عند هذا الحد، ولم يكن من الممكن أن يقف هكذا بطبيعة الحال، ففكرة نقل الصوت لاسلكيًا عبر مسافات بعيدة - أخذت تلح على العلماء والباحثين وأجريت تجارب ومحاولات جادة في هذا الشأن. وعلى الرغم من مظاهر الفشل والإخفاق، إلا أن هذه الفكرة تحققت عمليا على يد الشاب الإيطالي ماركوني G. Marconi عام 1896. ولم تكد تمضي ثلاث سنوات حتى أصبح بإمكان جهاز ماركوني أن يرسل الصوت لاسلكيًا عبر القنال الإنجليزي بين فرنسا وبريطانيا، وفي عام 1901م أمكنه إرسال الصوت لاسلكيًا عبر المحيط الأطلنطي بين أوربا والولايات المتحدة.
لقد جاء اختراع ماركوني بمثابة تطور جوهري له طبيعة حاسمة في عالم الاتصالات، ولفت انتباه الرأي العام والمؤسسات العلميـة والرسمية، كمـا أجريت تجارب نقل الصوت لاسلكيًا أمام بعض الإدارات الحكومية، وكلفت جريدة ديلي اكسبرس بدبلن شركة ماركوني بنقل أنباء بعض المسابقات الرياضية بالراديو من "كنجزتاون" وأرسلت فعلاً تقارير عن تلك المباريات باستخدام كود "مورس" والتليفون، كما استخدم الراديو في مجال الاتصال البحري لتمكين السفن من الاتصال بالشاطئ ومتابعة تحركاتها في البحر بحيث تبتعد عن المخاطر وترسل إليها نجدة الإنقاذ إذا ما كانت مهددة بالغرق، وعلى الرغم من هذه الاستخدامات الأولى للراديو، إلا أن الإذاعة الصوتية لم تصبح حقيقة واقعة إلا عام 1906م ، عندما تمكن فيسيندن Fessenden من جامعة بتسبرج من إنشاء أول إذاعة تنقل الكلام والموسيقى إلى مسافات بعيدة، ومع حلول عام 1909م نجح شارلز ديفيد هيرولد Charles David Harold في إرسال أول نشرة إذاعية وذلك في سان جوزي San Jose بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث قام ببناء محطة إذاعية صغيرة، وفي عام 1910م قام ديفورست الفرنسي بإذاعة برنامج أوبرالي. بعد أربع سنوات تقريبًا عام 1914م أسس برنارد البلجيكي أول إذاعة عامة غطى إرسالها بلجيكا وشمال فرنسا، وقد أغلقت هذه الإذاعة مع قيام الحرب العالمية الأولى، وفي عام 1916م كانت التجارب تجري على الإرسال الصوتي في بتسبرج بالولايات المتحدة، وتم إرسال موسيقى مسجلة على اسطوانات جذبت مستمعين كثيرين، وفي هذه الأثناء حدثت تطورات تقنية مكنت من تحسين نوعية الإشارة وانتشرت العروض العلنية للإذاعة في الولايات المتحدة، وظهرت مجموعات الهواة المتحمسين لها، غير أن قيام الحرب العالمية الأولى أثرت سلبيًا على تطور الراديو، فالأنشطة الصناعية والاقتصادية وجهت إلى المجهود الحربي، واستولت الحكومات على أجهزة الإرسال البسيطة لخدمة الأغراض العسكرية، ولكن ما أن انتهت الحرب العالمية الأولى حتى واصلت صناعة الراديو تقدمها، وظهرت الدعوة إلى ضرورة استخدام الراديو في الأغراض السلمية، وبدأت محطات الإذاعة تنتشر في دول العالم المتقدم ومنها إلى بقية الدول.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية بدأت إذاعة .K. D. K. A بثها في نوفمبر 1920م باعتبارها أول إذاعة يصدر لها تصريح رسمي بإذاعة البرامج والمواد المختلفة، وهنا يلاحظ وجود عدة إذاعات في الولايات المتحدة ترى كل منها أنها المحطة الأولى التي صدر لها تصريح بالعمل، مثل محطة .K. Q. W بولاية ديترويت، ومحطة.J.W. W، وكذلك محطة .W. H. A بولاية ويسكنسون، وعلى الرغم من ذلك، فإن الشائع أن محطة .A .K .D .K هي أول محطة يصر لها تصريح رسمي بالعمل، ليس فقط على مستوى الولايات المتحدة وإنما على مستوى العالم وبصرف النظر عن هذا التضارب، فإن المحطات الإذاعية أخذت تنتشر بسرعة في الولايات المتحدة، وساعد على ذلك وفرة أجهزة الاستقبال، ففي سنة 1922م تم صنع حوالي مائة ألف جهاز وبعد ذلك بسنتين تم إنتاج 1.5 مليون جهاز، وفي حوالي منتصف سنة 1923م كانت محطات الإذاعة تزيد على 500 محطة، أما في بريطانيا، فقد قامت جريدة الديلي ميلي في 15 يونيو (حزيران) عام 1920م بتنظيم برنامج إذاعي في تشلنسفورد وسرعان ما انتشرت المحطات الإذاعية بعد قيام شركة الإذاعة البريطانية، تلك الشركة التي فوضت لبناء وتشغيل ثمان محطات إذاعية في يناير 1923م، وقد سيطر على الشركة ستة من كبار منتجي الأجهزة الإذاعية (منهم ماركوني) واحتكروا بيع هذه الأجهزة، الأمر الذي مكنهم من تمويل الإذاعة بكفاءة، وقد وصل عدد رخص أجهزة الاستقبال إلى حوالي مليون ومائة وأربعين ألف رخصة عام 1925م ارتفع عام 1927م إلى مليونين.
وفي فرنسا بدأت البرامج الإذاعية الأولى من برج إيفل في باريس عام 1922م، وفي عام 1923م ظهرت ثلاث خدمات إذاعية تبث برامجها على ذبذبات مختلفة اهتمت الخدمة الأولى ببث تقارير عن الحالة الجوية وبعض الموسيقى، وكانت الخدمة الثانية تبث برنامجا تعليميًا، أما الخدمة الثالثة فقد أدارها منتجو أجهزة الاستقبال وكانت تبث تقارير عن الأوراق المالية وأخبارًا وموسيقى، ومع نمو المحطات الإذاعية في فرنسا بدأت الحكومة في إصدار قرارات تنظم عمل هذه المحطات ابتداء من نوفمبر عام 1923م.
في تلك الأثناء كانت المحطات الإذاعية تواصل انتشارها في دول العالم المتقدم مثل ألمانيا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورج، كما بدأت الإذاعة تنتشر في بقية دول العالم، في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وفي عام 1925م كان يوجد في العالم حوالي 600 محطة، ارتفع إلى أكثر من الضعف عام 1935م، وفي عام 1960م كان عدد محطات الراديو يقدر بحوالي سبعة آلاف وخمسمائة محطة.
إذا ما انتقلنا إلى العالم العربي، سنجد أن هناك نوعا من التضارب في تواريخ ظهور الراديو في الدول العربية، ومع أخذ هذا التحفظ في الاعتبار فإن بدايات ظهور الراديو في هذه الدول كانت كالآتي:

وقد واصل الراديو انتشاره في كافة أنحاء العالم، بحيث أصبح أكثر وسائل الاتصال الجماهيرية وجودًا في كل وقت وفي كل مكان، فخلال الفترة من 1950م حتى 1975م زادت أجهزة استقبال الراديو بنسبة 417% وخلال الفترة نفسها زاد عدد هذه الأجهزة لكل ألف من السكان بنسبة 95%، كما تضاعفت طاقة البث أكثر من ثلاث مرات منذ الخمسينات وحتى السبعينات، ففي عام 1950م كانت توجد خمسين دولة في العالم ليس لديها إمكانية إذاعية، تناقص هذا العدد إلى سبع دول عام 1960م وفي عام 1973م أسفر مسح واقعي لـ 187 دولة تبين أن 184 دولة منها لديها هذه الإمكانات. وتدل إحصائيات اليونسكو على تزايد إمكانيات الراديو باستمرار، سواء فيما يتعلق بطاقة البث (أجهزة الإرسال) أو فيما يتعلق بأجهزة الاستقبال.