سجل يان الثاني (لمَّا طلبت دولة تشين من جلالة الملك)
المؤلف:
ليو شيانغ
المصدر:
سياسات الدول المتحاربة
الجزء والصفحة:
ص 629 ــ 632
2026-07-28
29
طلبت دولة تشين إلى الملك شاو، حاكم يان، الذهاب إليها (على عجل) فقرر أمره على الذهاب إلا أن سوداي اختلف معه في ذلك، بل منعه منعًا صريحًا من تلبية طلبها، قائلًا لجلالته: «قد خسرت دولة تشو أرضها، على الرغم مما كانت قد حصلت عليه، (عاد إلى سيادتها) من أراضي منطقة «جيدي» وكذلك هلكت دولة تشي، على الرغم مما سبق أن حازته من أرض سونغ، ثم إن هاتين الدولتين تشي وتشو لم تعتبرا أن حصولهما على تلك الأراضي سبب كافٍ يدعوهما للذهاب إلى دولة تشين لتقديم الاعتراف بالسيادة لها، لماذا؟ لأن كل البلاد المنتصرة تصبح قذًى في عين تشين، فلا تلبث إلا أن تمقُتها وتنظر إليها بكل البُغض والكراهية. إن سياسة تشين التي ترمي إلى السيطرة على الممالك التي فوق الأرض: [حرفيًّا: «التي تحت السماء»] لا تهدف إلى نشر لواء العدل والرحمة، بل إلى تحقيق السيادة المطلقة والطغيان والاستبداد، وفي سبيلها إلى هذه الغاية، فقد صرحت بنواياها إلى تشو، قائلة لها، دون مواربة، ما نصه: «إن قوات «شودي» سوف تمخر عباب الماء وتسرع بحذاء الشاطئ، حتى تدخل نهر اليانغتسي، مستغلة في ذلك ارتفاع المد إبان شهور الصيف، وفي خلال خمسة أيام ستصل إلى «إينغ». أما القوات المتمركزة في «هانجون»، فسوف تنطلق بحرًا من منطقة «طاباشان»، وتنتهز فرصة المد النهري في شهور الصيف، فتسافر عبر نهر «هان» حتى تصل بعد أربعة أيام إلى «أوتشو»، بينما نقوم نحن (ملك تشين) بحشد القوات في منطقة «أودي» [تنطق كما في «أوديب»] ثم ننطلق صوب الشرق لمداهمة أرض «صودي»، فلا يكاد السياسي النجيب يجد وسيلة للتخطيط (السريع لمواجهة الموقف الداهم) ولا الشجاع يجد وقتًا للانفعال والتحمس، فأنطلق إلى أهدافي كوثبةِ الباشق أو كانقضاض النسر المُتحفز، بينما يبقى جلالة ملك تشو لحين انتهاء الأمراء من ضرب «هانكو»؛ أليس هذا أفضل كثيرًا بالنسبة لكم (وأكثر نأيًا عن مغبة الحوادث؟).» وبسبب ذلك فقد بقي ملك تشو، يقوم على خدمة مصالح تشين مدة سبعة عشر عامًا.
كما قد سبق لملك تشين أن قال بصراحة تامة، ودون مواراة، لدولة هان: «سوف أنطلق بالقوات من منطقة «ساوتشي» حتى أبلغ في مسيرة يومٍ واحد، ما يُمكِّنني من قطع الطريق الرئيسي في «تايشين» ثم أنطلق بالجيش من «إيانغ» حتى أصل إلى «بينيان» فأنزل على الدول الست بعد مسيرة يومَين، (كما تنزل العاصفة) فأزلزل أركانها، ثم أُخلف ورائي دولتي جو كلتيهما مُتجهًا إلى أرض «جنغ» مما يمكنني — بعد خمسة أيام — من مهاجمة بلادكم فلا أدع فيها حجرًا قائمًا على حجر.» ووقع في روع دولة هان أن الأمور يمكن أن تمضي على هذا النحو حقًّا، فذهبوا إلى تشين وقدموا إليها الخضوع والطاعة.
كما أن ملك تشين تحدث بنفس اللهجة الصريحة إلى ملك وي قائلًا: «سوف أهاجم منطقة «آني» لكي أقطع طرق المواصلات الرئيسية في «نيوجي» ثم أقطع خطوط المواصلات بين هان وتايشين، ثم أتقدَّم من منطقة «جيدي»، فأحاصر دولتي جو (الشرقية والغربية) وأنتهز فرصة ارتفاع المد في النهر في هذا الوقت من السنة، فأنطلق في المراكب أخوض إلى الأمام، تسبقني السهام الطائرة عن قوسي، وتردفني الرماح والنصال المُدببة حتى يتم لي الاستيلاء على مصب نهر «شينزي» وهنالك تكون مدينة طاليان قد وقعت في قبضتي تمامًا، فأشق نهر «بايما» وأتقدم حتى تستسلم لي منطقة جيانغ (من أعمال وي)، ثم إذا بلغتُ مصب نهر «شوشيو» فستكون دولة وي قد خسرت منطقتي «شيودي» و«طونشيو»، وإذا حاربت في البر، فستكون لي الغلبة على «هيني»؛ أما إذا هاجمتكم من البحر فسوف أدك حصون طاليان دكًّا شنيعًا.» ولم تلبث دولة وي، وقد هالها أن تتحقق تلك الخطة، أن هُرعت إلى أعتاب تشين تعلن الخضوع والطاعة. وأرادت تشين مهاجمة «آني»، لكنها قدرت أن دولة تشي سوف تهب لنجدتها، فتنازلت لها عن أرض سونغ، وكان أن تحدث، حينئذٍ، ملك تشين، قائلًا: «إن ملك دولة سونغ يسلك قبيح المسالك والسبل اللاأخلاقية؛ فقد بلغني أنه يصنع دُمى خشبية شبيهة بي، لها نفس ملامحي، ثم يصوب عليها بسهامه متخذًا منها هدفًا للرماية، والمسافة بين أرضنا ودولة سونغ بعيدة جدًّا، فيصعب عليَّ مهاجمتها، فاخرج إليها وارفع عليها سيفك، فإذا بسطتَ فوقها نفوذك، فسوف تُحقق لي رغبتي، كأنني أنا الذي استوليتُ عليها.» وبعد أن تم لدولة تشين احتلال «آني» وقطع طرق المواصلات بمنطقة «نيوجي» (أخذت تنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة …) وصارت تعتبر ما قامت به تشي من غزو سونغ جريمةً لا تُغتفر[!!]
وكذلك بَدَا لدولة تشين أن تهاجم «هان»، لكنها — في الوقت نفسه — كانت تتحسب لاحتمال أن تقوم الدويلات بمساندتها، فألقت إليهم بدولة تشي فريسةً يُقطعون أوصالها، قائلة لهم: «سبق لدولة تشي أن وقَّعت معي المواثيق والاتفاقيات أربع مرات ولم تفِ في واحدةٍ منها بعهدها، بل قادت الدويلات الستِّ لمهاجمتي أكثر من مرة؛ لذلك فلن تُظلنا وإياها سماء واحدة؛ فإما تشي ولا تشين، أو العكس، وبالتالي فلا بد من دحرِها، بل لا مفرَّ من إبادتها. فلمَّا تم لها الاستيلاء على مناطق: «إيانغ»، و«شاوتشي»، وقامت باحتلال منطقتي: «لين» و«شي»؛ اعتبرت أن ما قامت به الدول الست من مهاجمة وتدمير تشي عملًا إجراميًّا وجناية عظمى. ولما فكر ملك تشين في شن الغارة على دولة وي ظن أن دولة تشو يمكن أن تقف إلى جانبها (فتحبط مسعاه) فما كان منه إلا أن ألقى إليها (الطُّعم … المتمثل في …) «نانيانغ»، قائلًا لها: «أفكر جديًّا في قطع العلاقات مع هان؛ لذلك فقد رأيت أن مهاجمة منطقة «جونلين» وإغلاق ممر «مين»، يعد تصرفًا على قدر كبير من الأهمية، فإذا استطعت أن تبادر إليه، فستنظر إلى الأمر بوصفه أمنية غالية قد تحققت على أيديكم، ولئن رأيتم في هذا نفعًا وغنيمة، فكأننا نحن الذين أصبنا الغنيمة وفزنا بها.» وسارعت وي إلى تنحية تحالفاتها جانبًا، وعقدت الوحدة مع تشين التي عادت بعد قليل، تعُدُّ ما قامت به تشو من إغلاق ممر «مين» خطأً فاحشًا تؤاخَذ عليه.»
لم يحدث أن فكرت تشين في تقدير دور ومكانة باقي الدول، إلا عندما وقعت في أزمة (الحصار) بمنطقة «لينجون» وحينئذٍ فقط، أبدت التقدير والاحترام لدولتي يان وجاو، فأعادت منطقة «جياودون» إلى دولة يان، وسلمت أرض «جيشي» إلى دولة جاو، وقامت بالتصالُح مع دولة وي وأرسلت الأمير «يان» رهينةً لضمان السلام بين البلدَين، ورافقت قوات وي بقيادة «كونسونيان» في حملاتها المتواصِلة ضد دولة جاو، فلمَّا لاقت قواتها انتكاسةً في منطقتي «ليشي»، و«مالينغ»، أبدت فائق الاهتمام والتقدير لدولة وي، فسلمتها إقليمي «إيا»، «تساي»، وبعد أن عقدت الاتفاقات الودية مع دولة جاو، بدأت تُمارس ألوانًا من الضغط على دولة وي، إلا أنها لم تستسلِم، ولم تتنازل لها عن أية أراضٍ. وهكذا يتضح أن دولة تشين كانت مُستعدة — تحت ضغط الحصار والأزمة الخانقة التي أحاطت بها — أن تسعى للمصالحة (لدرجة أنها أنابت الملكة الأم، و«رانخو» في إجراء مفاوضات التصالح …) فلما ظفرت بالنصر، خذلت رانخو والملكة الأم وجعلت من احتلال منطقة «جياودون» موضوعًا لانتقاد وفضح وابتزاز دولة يان، ثم استغلت ما قامت به جاو من احتلال «جيشي» لتوجيه اللوم العنيف لها، بل اعتبرت ما قامت به دولة وي من احتلال منطقتي «إيا»، و«تساي» تُكأَة لانتقادها، ثم رأت فيما أقدمت عليه دولة تشو من إغلاق ممر «مين» عملًا يستوجِب المؤاخذة (ولم تكتفِ بكل ذلك، بل …) وجهت اللوم لدولة تشي على ما أقدمت عليه من احتلال دولة سونغ. (وهكذا، اعتادت تشين أن تدور بكلامها من وجه إلى آخر مناقض له تمام التناقض …) حتى صارت الحرب أيسر لديها من تطريز منديل بالورود، لم تمنعها الوعود التي بذلتها الملكة الأم ولا المواثيق التي عقدها «رانخو» [أخو الملكة].
قد أراقت تشين دماء الضحايا الذين يُقدر عددهم بالملايين من أهل «سانجين»، وغيرهم في حروبها العديدة: بدءًا من حرب «لونجيان» و«آنمن» و«فنلين» وانتهاء بمعارك؛ «قاوشان» و«جاوشوان»، بل إن الأحياء الآن، من أهالي «سانجين» ليسوا إلا الثكالى واليتامى الباقين بعد الحرب، (والجدير بالذكر، أن …) نصف أهالي سانجين قد ماتوا في أحداث الاستيلاء على ما وراء نهر «شي»، وأرض «شانلو»، و«سانشوان» و«جيندي». إن أكثر ما يُحزنني ويحزُّ في نفسي، في الأمر كله، ما يحاوله الكثير من أهالي دولتي يان وجاو، من استرضاء دولة تشين، وعلى الرغم من كل تلك الأهوال والفظائع، التي وقعت على يدَيها، أملًا في الاعتراف بالسيادة والطاعة لها واستجلابًا لرضا ملوكهم.»
ولم يذهب ملك يان إلى تشين، وبلغت مكانة سوداي أضعاف ما كان يتصور من التبجيل والاحترام، وراحت دولة يان تجرى الاتفاق مع الدويلات للانضمام إلى التحالف الرأسي، وعلى الرغم من أن بعضها لم يوافق على دخول التحالف، إلا أن الجميع أبدى تقديرًا جليلًا (للدور الذي قام به سوداي في تنشيط كيان …) التحالف الرأسي. وقد عاش «سوداي» و(أخوه الأصغر) «سولي» عمرًا مديدًا، وبعد أن انقضى أجلهما، صارت الممالك تذكرهما على الأيام لما حظِيَا به من شهرة ومجد.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في تاريح الحضارة الصينية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة