0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

الحياة الاسرية

الزوج و الزوجة

الآباء والأمهات

الأبناء

مقبلون على الزواج

مشاكل و حلول

الطفولة

المراهقة والشباب

المرأة حقوق وواجبات

المجتمع و قضاياه

البيئة

آداب عامة

الوطن والسياسة

النظام المالي والانتاج

التنمية البشرية

التربية والتعليم

التربية الروحية والدينية

التربية الصحية والبدنية

التربية العلمية والفكرية والثقافية

التربية النفسية والعاطفية

مفاهيم ونظم تربوية

معلومات عامة

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

في خطوته الأولى.. حرية للطفل وبعاد عن الأهل

المؤلف:  ماري الياس الاشقر

المصدر:  وقاية طفل وقاية وطن

الجزء والصفحة:  ج2، ص226 ــ 230

2026-08-19

46

+

-

20

يُعتبر المشي في عالم الطفولة الخطوة الأولى نحو الاستقلالية فيتأخر طفل في الاقدام، ويسارع آخر الى احتضان المساحات بقدميه الصغيرتين. وتجاه الكثير من المفاجآت والتعقيدات، يبقى الأهل، ليسألوا عن السبب. والسبب هو قرار لابد وأن يأخذه الطفل بنفسه.

نادر قرر أخيراً بأن يتحرر منا. كنا نشاهد التلفزيون، حين قرر اجتياز المسافة ما بين الخزانة والنافذة وخطا في دفعة واحدة عشرين خطوة. وحين مر امام اعيننا تبادلنا انا وزوجي نظرات الدهشة بدون التفوه بكلمة، وقد حبسنا أنفاسنا مخافة إزعاجه حتى اللحظة التي يترك فيها نفسه تنطرح ارضاً قرب النافذة، ودنا نحونا كما لو أنه يسألنا شيئا ما. كانت لحظة مؤثرة بالنسبة لنا وتلتها تهنئة منا له، وكنا فخورين أكثر منه. فقد حان الوقت ليقرر إذا بات من المعيق تحسسه بالتعلق بنا في الوقت الذي نعرف فيه تماما أنه قادر على التحرك والبعاد عنا منذ أكثر من شهر. فكل شيء قد أعد لهذه الخطوة، وجهزنا الغرفة لاستقبال خطواته الحشرية، فأزيلت كل معالم الخطر وكل ما قد يؤذيه رفع عن متناول يديه وقامته.

تتابع أم نادر شرح وسواسها حول قدرة ابنها على المشي وتقول: ان الصغار في العائلة مشوا في عمر السنة تقريباً وابني بقي حتى الشهر الخامس عشر من عمره بدون القيام بهذه الخطوة وهذا ما جعل القلق يدب في قلوبنا الى أن نفّذ ما نرجو منه.

سيدة ثانية تشرح بدايات مشي طفلتها فتقول:

بالطبع إنها لحظة مهمة جداً. فمع ناهدة كان الأمر بسيطاً، اذ بدأت المشي الفعلي قبل خمسة عشر يوماً من عيد مولدها الأول، وكانت بدأت بالتنقل منذ حوالي الشهر وهي متمسكة بالأثاث، وبالاتكاء على الجدران وبإمساك يد ممدودة لها، ومن وقت لآخر كانت تقبل بإنجاز خطوتين أو ثلاث للذهاب من ذراع أحد ما إلى ذراعي آخر. من ثم وذات يوم وجدناها في وسط ردهة الدخول بعيدة عن كل الجدران واجتازت الممر بين الغرف بهدوء، وانا بفمي المشدوه لم أستطع أن امنع نفسي من الصراخ، وقلت تهليلا حسنا حسناً إنك تمشين، كم انا سعيدة! لكن ردة الفعل كانت سريعة فناهدة توقفت عن المشي فورا، وتركت نفسها تقع على الأرض. ربما كانت سعادتي فوق الحدود، اذ انه من المتعب جداً أن يكون طفلنا على أهبة المشي ولكنه لا يتركنا ابدا، ويتردد في اتخاذ القرار الحازم ولقاء سعادتي التي عبرت عنها صراحاً. صمّت ناهدة آذانها لمدة عشرة ايام عما نقوله لها وعن تشجيعنا لها وعن إلحاحنا، ودأبت على عرض يدها دائما لنا معلنة رفضها المشي لوحدها، كما لو أنها فقدت كل شيء. ففكرت بأنها من جراء السقطة تلو السقطة في محاولتها للمشي قد تأذت ولم تعد تجرؤ على المحاولة من جديد ومن ثم ايقنت ولو بعد حين من أنها لو بدأت المشي، فهذا مفيد لها ولراحتها وليس إكراما لنا أو لفرحنا وهذا قرار تتخذه بنفسها.

إن اللحظة التي يتبنى فيها الطفل قرار المشي هي بمثابة انقلاب في وجوده، كما في وجود أهله. فأهل نادر يلخصون الوضع من خلال عبارة محددة: نادر قرر أخيراً الانطلاق. كل الكلمات في هذه العبارة لها وزنها. فكلمة (اخيراً) تشير الى أهمية ورغبة الأهل في أن يمشي صغيرهم والى انعدام صبرهم تجاه مقدرته المتأخرة في الظهور وذلك يعود الى كونه محباً للتأخير وللالتصاق بأهله. وكلمة (قرر) تبرز أن المشي ليس فقط امكانية تحريك القدمين، ولكنه نتاج ارادة هدفها الاستقلالية. وكلمة (الانطلاق) تشير الى تعقيد الخطوة التي تمت. إن والدة نادر لا تقول إنه قرر أخيراً، ترك يدنا مثلاً ولكنها تستعمل معنى لغوياً لا شعورياً، يفسر على هذا النحو: إن نادر بانطلاقه يتركها هي بذاتها ويترك بذلك نوعاً من الحماية لم يعد لها منفعة.

أم ناهدة تصر على المغامرة فتقول: وجدناها في وسط الغرفة بعيدة عن كل الجدران، وبطريقتها تحاول أن تفهمنا أهمية هذه الحركة حيث الطفل يستطيع الاعتماد على نفسه في بعاده عن كل حماية، لمواجهة وسع المساحات فوسط الغرفة رأته الوالدة كما لو أنه عرض البحر بالنسبة لصغيرتها.

اختلاف وتشابه: إن لهذين الطفلين نقطة مشتركة، وهي انطلاقهما في المشي في وقت انشغال أهلهم عنهم، الثنائي الأول بمشاهدة التلفزيون والثاني في غرفة أخرى أو في الخارج. ويتبين من هذا أمر مهم، وهو أن المشي لا يتم حسب طلبنا نحن من خلال استمرارية إرشادنا وحثنا للطفل على الاقدام عليه، ولكنه يتم في اللحظة التي يأخذ فيها الطفل مكانه، وفي حالة معينة حيث لا يكون تحت عيون أهله المتنبهة، فيتحكم بنفسه ويقوم بخطواته الأولى.

إن أهل نادر اظهرا انعدام الصبر بوضوح من خلال ما قالته الام، عن أن البيت جهز لهذه المرحلة، فكل غرض بإمكانه الحاق الأذى بالطفل قد أزيل أو ابعد، وهما بذلك الأكثر وعياً وتفهماً لهذه الخطوة الجبارة التي يقوم بها طفلهما، فهما يتبادلان النظرات بدهشة بدون التفوه بكلمة، كي لا يزعجانه ويفشلان انجازه. وهكذا فإن نادر الصغير قد قام لوحده برحلة عبور صغيرة، اكتشف خلالها وبتركيزه على نفسه رغبته وخوضه المصاعب. وهو إن طمح الى شيء فبالتفاتة نحو أهله وهو تطمين على ما قام به. إن أهل ناهدة هما ايضاً في خضم وقع المفاجأة السعيدة، بعدما وجدا ابنتهما في وسط الغرفة، صدر عنهما تعليق سريع واطراء ربما لم تطلب منه الكثير: حسناً إن الأمر قد سوّي، انت تمشين، كم نحن سعداء! فكان لهذه الكلمات أثرها السلبي، وكلها تؤدي الى انحراف في التركيز مع التأثير المباشر الذي لاحظته الام:

السقطة، وقرار ناهدة لمدة عشرة ايام بعدم الإقدام على المشي فما الذي حصل لها؟

الذي حصل هو أن تشوق ناهدة واتخاذها بلهفة المشي قد توقفا كما لو أن كلمات أمها تضيعها وتشتت تركيزها. فإن ناهدة لا تريد الانطلاق لأن كلمات أمها تحرمها من رونق ما تنجزه، فلا يعود المشي بكليته للطفلة، وتشعر بأن شيئا ما ليس في مكانه، وامتناع ناهدة عن المشي ليس إلا تعبيراً عن انتظارها للحظة التي تنفرد بها بإنجازها، لتشعر به ملكاً لها وحدها.

على الطريق نحو الحرية: إن اللحظة التي يبدأ فيها الطفل بالمشي، ترون تاريخا مهما في نموه، والتغييرات التي يُحدثها المشي في عالمه هي مهمة معتبرة، اذ يغير رؤيته للعالم ويرفعه الى مصارف الكبار الذين يتنقلون بزهو. إن اكتساب المشي شبيه باكتساب اللغة، وليس مسألة تعلم. وفي الواقع إن هذا العمل رهان ومجازفة تغير علاقة الولد بالعالم وبمحيطه، اذ يتناسب مع اكتشاف للعلو، ومع كسب للحرية وللاستقلالية وبالقيام بكل التفاهات التي حلم بها ولم يكن بإمكانه القيام بها. ويعني ايضا اكتشاف حدود جديدة، وبالوصول الى ما كان ممنوعا عليه، ويثير حشريته وبشكل آخر انه الدخول في عالم من الاستقلالية والذاتية في مواجهة أهله، وبالتخلي عن حصانتهم. فتحين اللحظة التي يقرر فيها الإقدام والانعتاق، يتماهى الطفل مع طرق من أهله وبالتحديد مع الذي يحمله ويُمسكه من يده، أي الذي يطمئنه في تنقلاته. فالمشي، رغم المخاطرة، هو الوعي والثقة لمقدرة الطفل الخاصة، وبسعادة بالغة، وفي بعض الاحيان مع تهليل وابتهاج.

إن الطفل بتنفيذه لخطواته الأولى، يزرع لدى الأهل أحاسيس مختلطة، منها الفخر حين يقال مثلاً: إنه يمشي! يمشي! بحدث ونتيجة منتظرة لمرحلة معاشة - وفي بعض الاحيان بدون صبر حين لا نعلم من يجعل الآخر يمشي كما أن هذا الإنجاز، هو بمثابة ضربة ساطعة لأنه انفصال مقرر ومتوقع من قبل جميع الاطراف. فالطفل يبدأ بالمشي لوحده، بدون أن يُسهم الأهل في هذا الأمر مساهمة فعالة. فالقرار له في النهاية، وهو يمشي بدونهم، وأبعد ما يكون عن رغبتهم وتشوقهم، لإتمام هذا العمل. ان كسب الاستقلالية يخلق حالة جديدة، تقلب العادات، وتجعل الكبار يكتشفون صغيرهم وقد كبر قليلا.

إن هذا التوازن الجديد في ساقيه يُحدث ايضاً توازناً جديداً مع أهله. وبالنقيض لما يجوز اعتقاده فان الأهل لا يعيشون دوما بسلام هذه المرحلة، ومثال على ذلك ردة فعلهم حين يترك الطفل فجأة اليــد التـي نمدها له في سيره على الطريق، وكيف يتقبل الاب بين ذراعيه صغيراً اكتشف لتوه جمال المشي في احد المحلات فيهوج ويزأر غضباً لهذا السجن ويتوق للإفلات، وللعبث بكل شيء يثير الحشرية، أو ما العمل حين يمتنع عن المشي فجأة لأنه تعب أو لأن الأمر لم يعد يروق له فيطلب اللجوء الى يدي أمه المرهقة بالرغم من كل المخاوف والمحاولات والصدمات، فان المشي يحدث تغييرا في كل شيء فهو تقدم للصغير وراحة للأهل بتوقفه عن إزعاج ايقاع حياة أهله، اذ نجده كائناً صغيرا مستقلا في وقفته مزهوا بها. وقد قرر في نفسه أن يكون هذا الصغير الكبير وذلك وفق الظروف والأوقات. 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد