أجمع الإلهيون على أنّ العلم من صفات الله الذاتيّة الكماليّة ، وأنّ العالم من أسمائه العليا ، وهذا لم يختلف فيه اثنان على إجماله. ولتبيين الحال نمهّد بمقدمة :
ما هو العلم؟
عرّف العلم بأنّه صورة حاصلة من الشيء على صفحة الذهن ، أو أنه انعكاس الخارج على الذهن عند اتصال الإنسان بالخارج. وقد أخذ الحكماء هذا التعريف من العلوم الرائجة عند الإنسان.
ولكن التّعريف ناقص لعدم شموله لبعض أقسام العلم. فإنّ العلم ينقسم إلى حصولي وحضوري ، والتعريف المذكور يناسب الأول دون الثاني. وإليك توضيح القسمين :
إنّ الإنسان عند ما يطلّ بنظره إلى الخارج ويلاحظ ما يحيط به في الكون من شجر وحجر ، وشمس وقمر ، يصبح مدركا والشّيء الخارجي مدركا ولكن بتوسط صورة بين المدرك والمدرك تنتزع تلك الصورة من الخارج بأدوات المعرفة ثم تنتقل إلى مراكز الإدراك. فالشجر هو المعلوم بالعرض ، والصورة هي المعلوم بالذّات ، والإنسان هو العالم وإنما أسمينا الشيء الخارجي معلوما بالعرض والصورة معلوما بالذّات ، لأن الخارج معلوم لنا بواسطة هذه الصورة ولولاها لانقطعت صلة الإنسان بالواقع.
وبعبارة أخرى : إنّ الواقعية الخارجية ليست حاضرة عندنا بهذه السّمة. لأن الشيء الخارجي له أثره الخارجي ، من الحرارة في النار ، والرطوبة في الماء ، والثقل في الحجر والحديد. ومعلوم أنّ الشيء الخارجي لا يرد إلى أذهاننا بهذه الصفات. ولأجل ذلك أصبح الشيء الخارجي معلوما بالعرض ، والصورة معلومة بالذّات لمزاولة الإنسان دائما للصور الذهنيّة.
وبذلك تقف على تعريف العلم الحصولي وهو : ما لا تكون فيه الواقعيّة الخارجيّة معلومة بنفسها ، بل بتوسط صورة مطابقة لها. والأدوات الحسّية كلّها موظّفة في خدمة هذا العلم. فهو يعتمد على ثلاثة ركائز: المدرك ، الخارج ، الصورة. ولا تظنّن هذا اعترافا بأصالة الصورة وفرعية الخارج ، إذ لا شك أنّ الأمر على العكس ، فالخارج هو الأصيل والصورة هي المنتزعة منه والحاكية عنه ، غير أنّ الذي يمارسه الذهن ويزاوله هو الصورة الموجودة عنده لا نفس الخارج. وهذه الصورة الذهنية وسيلته الوحيدة لدرك الخارج وإحساسه.
إلى هنا وقفت على تعريف العلم الحصولي.
وأما العلم الحضوري فهو عبارة عن حضور المدرك لدى المدرك من دون توسط أي شيء ، وله قسمان:
1 ـ ما لا يتوسط فيه بين المدرك والمدرك شيء مع كون المدرك غير المدرك حقيقة. وهذا كالعلم بنفس الصورة المنتزعة من الخارج. وذلك أنّ الخارج يدرك بواسطة الصورة ، وأمّا الصورة نفسها فمعلومة بالذات ولا
يتوسط بينها وبين المدرك أي شيء. فعند اتصال الإنسان بالخارج عن طريق الصورة الذهنية يجتمع هناك علمان : حصوليّ باعتبار علمه بالخارج عن طريق الصورة ، وحضوريّ باعتبار علمه بنفس الصورة وحضورها بواقعيتها عند المدرك.
وبذلك تقف على فرق جوهري بين العلمين وهو أنّ المعلوم في العلم الحصولي غير حاضر لدى المدرك بواقعيته كما عرفت ، وفي الحضوري يكون المعلوم حاضرا لديه بواقعيته وهذا كالصورة العلمية الذهنيّة فإنها بواقعيتها التي لا تخرج عن كونها موجودا ذهنيا ، حاضرة لدى الإنسان.
وبذلك يظهر أنّ الحصوليّ ثلاثيّ الأطراف والحضوريّ ثنائيّها في هذا القسم الأول منه.
2 ـ ما لا يتوسط فيه بين المدرك والمدرك أي شيء ولكنهما يتحدان بالذات ويختلفان باللحاظ والاعتبار. وذلك كعلم الإنسان ودركه لذاته ، فإنّ واقعية كل إنسان حاضرة بذاتها لديه ، وليست ذاته غائبة عن نفسه ، وهو يشاهد ذاته مشاهدة عقلية ويحس بها إحساسا وجدانيا ويراها حاضرة لديه من دون توسط شيء بين الإنسان المدرك وذاته المدركة. وفي هذه الحالة يصبح العلم أحاديّ الأطراف بدل ثنائيّها في الثاني وثلاثيّها في الأول. فالإنسان في هذه الحالة هو العالم وهو المعلوم في آن واحد. وعندئذ يتّحد المدرك والمدرك وتصبح ذات الإنسان علما وانكشافا بالنسبة إلى ذاته. ومن العلم الحضوري علم الإنسان بأحاسيسه من أفراحه وآلامه ، فالكل حاضر لدى الذات بلا توسط صورة.
وبذلك تقف على ضعف الاستدلال على وجود الإنسان بتفكره ، فيقال : «أنا أفكّر إذن أنا موجود» ، فاستدلّ بوجود التّفكّر على وجود المفكّر (1) ، وجه الضعف :
أولا ـ إنّ علم الإنسان بوجود نفسه ضروري لا يحتاج إلى البرهنة ، فليس تفكر الإنسان أوضح من علمه بذاته ونفسه.
ثانيا ـ إنّ المستدل اعترف بالنتيجة في مقدمة الاستدلال حيث قال : «أنا» أفكر. فقد أخذ وجود نفسه أمرا مفروضا ومسلّما ثم حاول الاستدلال عليه.
تعريف جامع:
على ضوء ما ذكرنا من تقسيم العلم إلى الحصولي والحضوري يصح أن يقال إنّ العلم على وجه الإطلاق عبارة عن «حضور المعلوم لدى العالم» ، وهذا التعريف يشمل العلم بكلا قسميه (2).
غير أنّ الحاضر في الأول هو الصورة الذهنية دون الواقعية الخارجية وفي الثاني نفس واقعية المعلوم من دون وسيط بينها وبين العالم. فالصورة الذهنية في العلم الحصولي حاضرة لدى الإنسان غير غائبة عنه. كما أنّ ذات الإنسان في العلم الحضوري حاضرة لديه ، وهي فيه ، بما أنها واقفة على نفسها ، تسمى عالمة ، وبما أنها مكشوفة لنفسها غير غائبة عنها ، تعدّ معلوما ، وبما أنّ هناك حضورا لا غيبوبة ، يسمى ذلك الحضور علما.
وهذا التعريف جامع شامل كلّ أنواع العلوم الحاصلة في الممكن والواجب. فإذا وقفت على هذه المقدمة يقع البحث في علمه سبحانه تارة بذاته وأخرى بفعله (الأشياء الخارجة عن ذاته).
____________
(1) المستدل هو الفيلسوف الفرنسي (ديكارت).
(2) ليس الهدف من التعريف إلا الإشارة بوجه إلى حقيقة العلم من دون مراعاة شرط التعريف الحقيقي فلا يؤاخذ عليه بأنه مستلزم للدور لأخذ المعرّف في التعريف.