تثقيف حول صحة الدماغ
المؤلف:
ألبارو بلباو
المصدر:
اعتن بدماغك وحسن حياتك
الجزء والصفحة:
ص159ــ177
2026-08-27
17
"التجربة خير معلم في جميع الأمور" يوليوس قيصر
أطفالك، مثل أطفالي، لديهم فرصة كبيرة للعيش لأكثر من مئة عام. مع وتيرة التقدم الحالي في متوسط العمر المتوقع بمجتمعنا، أضحى من شبه المؤكد أنهم سيتجاوزون التسعين عاما. تداعيات هذه الحقيقة شديدة الأهمية، ليس فقط على المستوى الفردي، بل وأيضًا من منظور التخطيط الاقتصادي وعلى مستوى الخدمات الاجتماعية والصحية. في نهاية المطاف، نعرف أن مع كل خمس شموع نضيفها إلى كعكة عيد الميلاد، تتضاعف عدد حالات الإصابة بمرض الزهايمر والسكتات الدماغية. إذا زاد متوسط العمر بمقدار عشر سنوات، كما هو متوقع، سنواجه ما يقرب من أربعة أضعاف عدد الأشخاص الذين يعتمدون على الدعم الخارجي، ومرضى الزهايمر مقارنة بالوضع الحالي. ومع ذلك، يحذر كبار الخبراء على مستوى العالم من أن الأدوية الوقائية ليست الحل، بل ويؤكدون على ضرورة وجود برامج وقائية موجهة لتعزيز صحة دماغ السكان.
مثل الكثير من المحاضرين، أود أن أختتم حديثي بصورة تجسد ما تناولته من موضوع. وحتى أختار صورة أختم بها حديثي عن الصحة الدماغية فقد بحثت بالإنترنت ووجدت الكثير من الصور الجميلة والملهمة لكبار السن المفعمين بالحيوية، لكنني اخترت واحدة لا علاقة لها بهذه الصورة التقليدية التي يتداولها الكثيرون عن الشيخوخة الصحية، لكنها تمثل بالنسبة لي قيم الصحة الدماغية بوضوح، وهي صورة أب يحمل ابنه البالغ من العمر ثلاث سنوات في نزهة بالدراجة على رمال الشاطئ وأمواج البحر كخلفية. عادة يتفاجأ الحضور عند رؤية مثل تلك الصورة في المؤتمرات المختصة بهذا الموضوع، لكنها من وجهة نظري تجسد القيم الأساسية التي أود تقديمها. فالبحر يمثل فرصة للهدوء والتأمل لا يتطلب الأمر سوى الجلوس لخمس دقائق لمشاهدة الأمواج حتى يغمرك الهدوء، لكنه يمثل أيضًا التغذية الصحية العصبية؛ حيث يمدنا البحر بالأسماك التي يجب أن تكون مصدرًا للبروتين والدهون الصحية لعقلك، وبسهولة يتضح من الرجل الشاب الذي يركب الدراجة أهمية التمارين الرياضية، المفيدة جدا للشرايين والحالة المزاجية التي تظهر في ابتسامة راكب الدراجة العريضة وماذا عن الابن؟ يمثل الابن هدفين في المشهد، الأول أنه ينقل فكرة الصحبة، مما يساعد في تذكر أهمية التواصل الاجتماعي في رعاية الدماغ. رغم أن مشهدا يضم مجموعة من الأصدقاء أو حتى زوجين يركبان دراجة قد ينقل نفس الفكرة بصورة أكبر فعالية. إذن، لماذا أنهي حديثي عن صحة الدماغ بطفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات؟
يتفق الباحثون في مجال الصحة الدماغية على أن التبكير في بدء تطوير العادات الصحية لدماغك، يزيد من الفوائد التي ستجنيها. وعليه، فإن الشاب الذي يتبنى عادات صحية للدماغ في عمر الثلاثين مثلا. يصبح أفضل حالا ممن يهتم بذلك وهو في عمر الستين. وبالتأكيد، كلما تقدمنا في السن التي يبدأ فيها الأشخاص بالعناية بدماغهم، سنلاحظ زيادة مستوى الحماية، وهذا ما تشير إليه الدراسات التي تتحدث عن فوائد النظام الغذائي والتمارين الرياضية بالفعل. كما تحدد بعض الدراسات تلك الأنماط الحياتية المستمرة على مدار العمر وارتباطها بانخفاض خطر الإصابة بالأمراض مثل مرض الزهايمر.
من المنطقي أن تقوم بتعليم أطفالك، أخوتك، وأحفادك العناية بالدماغ. بالانتباه إلى أن خلاياهم العصبية سترافقهم طوال حياتهم. ومن المحتمل أن تمتد أعمارهم لأكثر من مئة عام، وما يترتب على هذا من زيادة خطورة الإصابة بمرض الزهايمر أو بالاضطرابات العصبية الأخرى. فبلا شك، أنك تتفق معي على أنه من الحكمة أن تتفهم الأجيال القادمة كيفية العناية بالدماغ. وعليك أيضًا أن تقدر ضرورة اكتساب أطفالك لعادات تساعدهم على أن يصبحوا أكثر سعادة. فبلا شك ستبدأ في القريب بغرس بعض التعاليم التي تلقيتها مني لا أعرف دراسة تتحدث عن تعليم الأطفال العناية بالدماغ حتى يكون هناك أثر إيجابي على تحسين الشيخوخة وزيادة مستوى السعادة طوال حياتهم، لكن هناك العديد من الدراسات التي تشير إلى أن مرحلة الطفولة هي الوقت المناسب لتطوير عادات صحية للحياة بشكل عام. أما مع تقدم السن تزداد صعوبة تطوير العادات الجديدة. ناهيك عن تغيير العادات القديمة. ومثلما يكون من السهل على الطفل تعلم لغة أو تطوير مهاراته الرياضية، فكذلك من السهل أيضًا اكتساب عادات مفيدة للصحة بشكل يستمر حتى البلوغ. يعرف أطباء القلب أن الأزمات القلبية التي يتعرض لها المرضى في سن الخمسين أو الستين، قد بدأت في التكون عندما كانوا في السابعة أو الثامنة من عمرهم عندما نقل إليهم آباؤهم خبراتهم وعاداتهم فيما يتعلق بالتغذية، ممارسة الرياضة، أو التعامل مع التوتر. في هذا السياق، لا يوجد شك في أن الوقاية لا بد وأن تبدأ من الطفولة. كما يحدوني الأمل بأن يتم تقدير هذا الكتاب من قبل العديد من القراء ليس كمرشد فقط لكيفية تحسين صحتهم الدماغية وحدهم، بل كفرصة أيضًا لتعليم أطفالهم عادات صحية لأدمغتهم.
أشعر بالفخر عند ذكر أن ابني الأكبر، على النقيض من والده، يحب السمك كثيرا بكل أنواعه وألوانه، ويعود الفضل الكبير في هذا إلى زوجتي. بمجرد أن أخبرتها أن تناول السمك في الطفولة يرتبط ارتباطا وثيقا بزيادة مستوى الذكاء في مرحلة البلوغ، وأن تناوله في مرحلة البلوغ قد يساعد في الوقاية من الأمراض العصبية. فقررت على الفور الاعتماد بشكل كبير على السمك في نظام تغذية أبنائنا. كما أن جزءا من الفضل يرجع لي أنا أيضًا، فعلى الرغم من أنه ليس طعامي المفضل، إلا أنني أحرص على أن يراني أطفالي وأنا أتناوله عدة مرات في الأسبوع. وعندما يتناولونه أقوم باختطاف قطعة صغيرة حتى يشعروا أنه طعام شهي مثل البطاطس المقلية. وبنفس الكيفية أحاول غرس حب الفاكهة في أطفالي. فأعد لهم كل صباح علبة صغيرة من الفاكهة لأخذها في المدرسة. وفي فترة الظهيرة، أشاركهم تقشير تفاحة للاستمتاع بهذه اللمسة الصحية، مستغلا الأمر بفعل هذا أمام أطفالي ليروا كم يحب والدهم الفاكهة تعاتبني أحيانًا زوجتي على هذه الصورة غير الواقعية التي أصفها لكم، لكنني أعرف أنه لا يمكن فرض العادات بالقوة، وكذلك لا يمكن إقناع طفل بتعلم عادة جديدة، لكن تعلم العادات الغذائية، وبوجه عام، الكثير من السلوك المرتبط بالصحة من خلال التقليد (فالطفل يقلد سلوك والده)، وكذلك من خلال قوة التعود (التكرار البحت). بمعنى، حتى وإن كان ينطوي على نقل صورة مشوهة، إلا أنني أعتقد أن تعويد أبنائنا على تناول طعام أفضل منا بمثابة هدية نقدمها لهم اليوم وسيستمتعون بها طوال حياتهم.
هناك سبب آخر وراء رغبتي في إرفاق صورة الطفل مع والده في محاضراتي، وهو سبب عاطفي، لكن سيتأثر به الكثيرون. فقد وجدت أن تلك الصورة التي حدثتكم عنها، قد تكون دافعا أحيانًا على تحفيز الرجال الأقل التزاما، بطبيعتهم، من النساء على رعاية صحتهم. فالرجال أشد تعلقا بالعادات غير المفيدة لدماغهم ولصحتهم بصفة عامة، مما يؤدي عند وجود صلابة تفكير ذكورية، إلى مقاومة أكبر عند محاولة إدخال تغييرات على نمط حياتهم بغض النظر عن الفوائد الصحية الجمة التي قد يحصلون عليها. كما يميل الرجال إلى تقدير الفوائد السريعة؛ لذا يجدون صعوبة في تبني التغييرات على أمل وعد بالرفاهية في المستقبل. أيا كان الأمر، ففي عرضي كل مرة لهذه الصورة، فإنني أقدم رسالة أخيرة موجهة خصيصا إلى الرجال المتواجدين في القاعة، شارحًا أن هناك العديد من الفوائد لتطوير نمط حياة صحي للدماغ. بدءًا من الفوائد النفسية، والتي تبدأ في نفس اللحظة التي تقرر فيها تبني عادات مثل ممارسة الرياضة، أو تناول الطعام الغني بالفواكه والخضراوات وتقليل الدهون. وأذكر أيضًا أن قرابة 80% من حالات السكتات الدماغية يمكن الوقاية منها. أخيرا، أعترف أن الأدلة على ما يتعلق بالوقاية من مرض الزهايمر لا تزال قليلة، لكن على الأقل الغالبية العظمى من الأمراض كالزهايمر وأنواع أخرى من الخرف يمكن تأخيرها لعدة سنوات. بالعودة إلى صورة الأب والابن، أود إنهاء محاضرتي بسؤال الحاضرين من منهم لن يغير عاداته بعد أن عرف اليوم أنها تساعد في تأخر ظهور الخرف المرتبط بمرض الزهايمر لعام أو عامين. قد يكون الفارق بين القدرة على مرافقة ابنتك يوم زفافها، أو القدرة على التعرف على أحفادك، يمكنني رؤية أن العديد من الحضور يرون في هذه الأحداث المميزة في حياتهم كأب أو أم دافعا قويا لاتخاذ خطوة التغيير.
القيم التي تعزز صحة الدماغ هي اتباع حياة أكثر هدوءا، تناول طعاما أفضل بصحبة العائلة، إدخال درجة معتدلة من النشاط البدني في حياتنا اليومية، ممارسة الدهشة في تعلم أشياء جديدة، إحاطة أنفسنا بالأحبة، تنمية المشاعر الإيجابية، احترام أجسادنا بإبعاد المشاعر السلبية ومنحها الراحة التي تحتاجها، إنها أفكار بسيطة ومنطقية وسهلة التعلم يمكن تطبيقها بمجرد فهمها، تمثل رسالة صحة الدماغ الفرصة لتعليم أحبائك هذه القيم التي ستساعدهم في تحسين صحة عقولهم وإطالة عمر أدمغتهم. بسلوك بسيط مثل الاستلقاء في الحديقة لتناول تفاحة، أو العودة مبكرًا قليلا من العمل، أو الخروج لممارسة الرياضة مع أبنائك، فقد يكون هذا بمثابة هدية حياة بالنسبة لهم. من موقعي هذا، أود أن أشجعك على تبني رسالة صحة الدماغ ونقلها إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص، وكلما كانوا أصغر سنًا كان أفضل. وصلنا معا إلى نهاية هذه الرحلة من أجل صحتك الدماغية، وأود شكرك على مرافقتك. يسعدني حقًا التفكير أن كتابا صغيرًا كهذا قد يسهم في شيء مهم كتعزيز العناية بالدماغ، وأتطلع بصدق أن يكون ما قرأته قد ساعدك بشكل ما، أتمنى لك حياة مديدة، مليئة بالصحة، السعادة، السلام الداخلي، والحب.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في التربية الصحية والبدنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة