0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

موضوعات عامة

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة

علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

موضوعات عامة

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الأئمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

البحث حول حديث جاء فيه أنّ المعرفة من صنع الله تعالى

المؤلف:  السيد عبد الله شبر

المصدر:  مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار (ت: مجتبى المحمودي)

الجزء والصفحة:  ج1، ص 320 ــ 328

2026-09-08

16

+

-

20

الحديث الخامس والثلاثون: [المعرفة من صنع اللَّه]

ما رويناه بالأسانيد المتقدّمة عن رئيس المحدّثين الصدوق في كتاب (التوحيد)، عن أبيه، عن محمّد بن يحيى العطّار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد ابن أبي عمير، عن محمّد بن حكيم، قال: قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام): المعرفةُ صُنعُ مَن هي؟ قال: «من صنع اللَّه (عزّ وجلّ) ليس للعباد فيها صنع» (1).

اعلم أنّ الأخبار بهذا المضمون متظافرة بل كادت أن تكون متواترة، ولا بأس بالإشارة إلى جملة منها:

ففي (الكافي) و(التوحيد) عن الصادق (عليهما السلام): «إنّ اللَّه احتجّ على الناس بما أتاهم وعرّفهم» (2).

وعنه (عليه السلام): «المعرفة من صنع اللَّه ليس للعباد فيها صنع» (3).

وعنه (عليه السلام) في قول اللَّه (عزّ وجلّ): ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 115]، قال: «حتّى يعرّفهم ما يرضيه وما يسخطه» (4).

وقال: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 8] قال: «يبيّن لها ما تأتي وما تترك» (5).

وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3] قال: «عرّفناه، إمّا آخذ وإمّا تارك» (6).

وعن قوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: 17] قال: «عرّفناهم فاستحبّوا العمى على الهدى وهم يعرفون»، وفي رواية: «بيّنّا لهم» (7).

وعن عبد الأعلى، قال: قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام): أصلحك اللَّه، هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة؟ قال: فقال: «لا». قلت: فهل كلّفوا المعرفة؟ قال: «لا، على اللَّه البيان، لا يكلّف اللَّه نفسًا إلّا وسعها، ولا يكلّف اللَّه نفساً إلّا ما آتاها».

قال: وسألته عن قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 115] قال: «حتّى يعرّفهم ما يرضيه وما يسخطه» (8)، وعن الصادق (عليه السلام) قال: «ستّة أشياء ليس للعباد فيها صنع: المعرفة، والجهل، والرضا، والغضب، والنوم، واليقظة» (9).

وعنه (عليه السلام) قال: «ليس للَّه‌ على خلقه أن يعرفوا، وللخلق على اللَّه أن يعرّفهم، وللَّه على الخلق إذا عرّفهم أن يقبلوا» (10).

وسُئل (عليه السلام) عمّن لم يعرف شيئاً هل عليه شيء؟ قال: «لا» (11).

وعنه (عليه السلام) قال: «ما حجب اللَّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» (12).

وبالجملة، فالأخبار بهذا المضمون كثيرة متفرّقة مرويّة في الجوامع العظام والكتب المعتبرة كالكافي، والتوحيد، والمحاسن، وقرب الإسناد، والخصال وغيرها، وظاهر هذه الأخبار - بل صريحها - أنّ معرفة اللَّه تعالى فطريّة لا نظريّة كسبيّة، كما ذهب إليه جملة من محقّقي متأخّري المتأخّرين، وأنّ العباد إنّما كلّفوا الانقياد إلى الحقّ وترك الاستكبار عن قبوله.

وأمّا المعارف فإنّها ممّا يلقيه اللَّه في قلوب عباده عند اختيارهم الحقّ، ثمّ يكمل ذلك يوماً فيوماً بقدر أعمالهم وطاعاتهم حتّى يوصلهم إلى درجة اليقين، وحسبك في ذلك ما وصل إليك من سيرة النبيّين وأئمّة الدين في تكميل أصحابهم، فإنّهم (عليهم السلام) لم يحملوهم على الاكتساب والنظر، وتتبّع كتب الفلاسفة وغيرهم، بل إنّما دعوهم أوّلًا إلى الإقرار بالتوحيد وسائر العقائد، ثمّ تكميل النفس بالطاعات والرياضات حتّى فازوا بما سعدوا به من أعالي درجات السعادات.

قال الفاضل المحدّث الاسترآباديّ: وقد تواترت الأخبار عن أهل بيت النبوّة متّصلة إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) بأنّ معرفة اللَّه - بعنوان أنّه الخالق للعالم، وأنّ له رضى وسخطاً، وأنّه لا بدّ من معلّم من جهته تعالى ليعلّم الخلق ما يرضيه وما يسخطه - من الأمور الفطريّة التي وقعت في القلوب بإلهام فطريّ إلهيّ، كما قالت الحكماء: الطفل يتعلّق بثدي أمّه بإلهام فطريّ إلهيّ.

وتوضيح ذلك: أنّه تعالى ألهمهم بتلك القضايا، أي خلقها في قلوبهم وألهمهم بدلالات واضحة على تلك القضايا، ثمّ أرسل إليهم الرسول وأنزل عليهم الكتاب، فأمر فيه ونهى فيه.

وبالجملة، لم يتعلّق بهم وجوب ولا غيره من التكاليف إلّا بعد بلوغ خطاب الشارع، ومعرفة اللَّه تعالى قد حصلت لهم قبل بلوغ الخطاب بطريق إلهام بمراتب، وكلّ من بلغته دعوة النبيّ (صلى الله عليه وآله) يقع في قلبه من اللَّه تعالى يقين بصدقه، فإنّه تواترت الأخبار عنهم (عليهم السلام) بأنّه ما من أحد إلّا وقد يرد عليه الحقّ حتّى يصدع قلبه، قَبِله أو تركه، فأوّل الواجبات الإقرار اللسانيّ بالشهادتين.

وكذلك تواترت الأخبار عنهم (عليهم السلام) بأنّه على اللَّه التعريف والبيان، وعلى الخلق أن يقبلوا ما عرّفهم اللَّه تعالى.

وطريق التعريف والبيان: أنّه تعالى أوّلًا يلهمهم بتلك القضايا وكذلك يلهمهم بدلالات واضحة عليها صادعة قلوبهم، ثمّ بعد ذلك تبلغهم دعوة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، والدلالات على صدقه، ثمّ بعد ذلك يجب عليهم الإقرار بالشهادتين وبباقي ما جاء به النبيّ (صلى الله عليه وآله) إجمالًا، وبأنّ من لم يحصل في حقّه هذه الأمور - سواءً كان من أهل الفترة أو كان له مانع آخر - لم يتعلّق به تكليف في دار الدنيا، ويتعلّق به تكليف بدل ذلك يوم القيامة ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: 42] ثمّ أورد جملة وافرة من أخبار هذا الباب:

ومنها: ما رواه الصدوق في (التوحيد) في جملة حديث، وفيه: أنّه سُئل الصادق (عليه السلام) عن المعرفة والجحود، أهما مخلوقان؟ فكتب (عليه السلام): «إنّ المعرفة من صنع اللَّه (عزّ وجلّ) في القلب مخلوقة، والجحود صنع اللَّه في القلب مخلوق، وليس للعباد فيهما من صنع، ولهم فيهما الاختيار من الاكتساب؛ فبشهوتهم للإيمان اختاروا المعرفة فكانوا بذلك مؤمنين عارفين، وبشهوتهم للكفر اختاروا الجحود وكانوا بذلك كافرين جاحدين ضلّالًا، وذلك بتوفيق اللَّه لهم وخذلان من خذله اللَّه؛ فبالاختيار والاكتساب عاقبهم اللَّه وأثابهم» (13)، ثمّ قال بعد ذكر الأخبار:

هنا فوائد:

الأولى: [أنه يستفاد من هذه الأحاديث] (14) غلط المعتزلة والأشاعرة ومن يحذو حذوهم ممّن وافق المعتزلة من متأخّري أصحابنا في مسألة أوّل الواجبات.

إلى أن قال: الرابعة: أنّه يستفاد منها أنّ العباد لم يكلّفوا بتحصيل معرفة أصلًا، وأنّه على اللَّه التعريف والبيان أوّلًا بإلهام محض، وثانياً بإرسال الرسول وإنزال الكتاب وإظهار المعجزة على يده (صلى الله عليه وآله)، وعليهم قبول ما عرّفهم اللَّه تعالى.

الخامسة: يستفاد من الحديث - وعنى به الحديث الأخير - أنّ الإذعان القلبيّ المتعلّق بالقواعد الإيمانيّة من اللَّه تعالى، وليس من أفعالنا الاختياريّة، وفيه وجهان:

أحدهما: كونه ميلًا قلبيّاً طبيعيّاً يترتّب على المقدّمات الفائضة على القلب من اللَّه تعالى.

وثانيهما: كونه مخلوقاً للَّه ‌تعالى، وهو الحقّ، وهو صريح الأحاديث.

ثمّ قال: وهنا إشكال كان لا يزال يخطر ببالي في أوائل سنّي، وهو: أنّه كيف تقول بأنّ التصديقات فائضة من اللَّه تعالى على النفوس الناطقة، ومنها كاذبة، ومنها كفريّة؟ وهذا إنّما يتّجه على رأي جمهور الأشاعرة القائلين بجواز العكس، بأن يجعل اللَّه كلّ ما حرّمه واجباً وبالعكس، المنكرين للحسن والقبح الذاتيّين، لا على رأي محقّقيهم، ولا على رأي المعتزلة، ولا على رأي أصحابنا.

اللّهمّ إلّا أن يقال: تواترت الأخبار عنهم (عليهم السلام) بأنّ اللَّه يحول بين المرء وبين أن يجزم جزماً باطلًا، فبقي الإشكال في الظنّ الباطل.

ويمكن أن يقال: إنّه من الميول القلبيّة.

والإنصاف أنّ الفرق بين الجزم والظنّ بأنّ الجزم من الكيفيّات النفسانيّة الفائضة على النفوس، والظنّ من الميول الطبيعيّة القلبيّة، بعيد عن الصواب.

وأقول: الأحاديث السابقة صريحة في أنّ التصديقات القلبيّة الإيمانيّة التي يرتفع بها الشكّ مخلوقة للَّه‌ تعالى، وللعباد اكتساب الأعمال، وفي الأحاديث تصريحات بأنّ من جملة نعماء اللَّه تعالى على بعض عباده أنّه يسلّط عليه ملكاً يسدّده ويلهمه الحقّ.

ومن جملة غضب اللَّه تعالى على بعض أنّه يخلّي بينه وبين الشيطان ليضلّه عن الحقّ ويلهمه الباطل.

وأيضاً من المعلوم أنّ خلق الإذعان غير المطابق للواقع قبيح لا يليق به تعالى.

فالجواب الحقّ عن الإشكال أن يقال: إنّ التصديقات الصادقة فائضة على القلوب من اللَّه تعالى بلا واسطة أو بواسطة ملك، وهي تكون جزماً وظنّاً، والتصديقات الكاذبة تقع في القلوب بإلهام الشيطان، وهي لا تتعدّى الظنّ فلا تصل إلى حدّ الجزم.

وقال: السادسة: إنّه تواترت الأخبار عن الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) بأنّ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم، كما تواترت بأنّ المعرفة موهبة غير كسبيّة، وإنّما عليهم اكتساب الأعمال، فكيف يكون الجمع بينهما؟

أقول: الذي استفدته من كلماتهم (عليهم السلام) في الجمع بينهما: أنّ المراد بالمعرفة ما يتوقّف عليه حجّيّة الأدلّة السمعيّة من معرفة صانع العالم وأنّ له رضاً وسخطاً، وينبغي أن ينصب معلّماً ليعلّم الناس ما يصلحهم وما يفسدهم، ومن معرفة النبيّ والمراد بالعلم: الأدلّة السمعيّة، كما قال (صلى الله عليه وآله): العلم إمّا آية محكمة، أو سنّة متّبعة، أو فريضة عادلة.

وفي قول الصادق (عليه السلام) المتقدّم: «إنّ من قولنا: إنّ اللَّه احتجّ على العباد بما آتاهم وعرّفهم ثمّ أرسل إليهم الرسول وأنزل عليهم الكتاب وأمر فيه ونهى»، وفي نظائره إشارة إلى ذلك. ألا ترى أنّه (عليه السلام) قدّم أشياء على الأمر والنهي، فتلك الأشياء كلّها معارف، وما يستفاد من الأمر والنهي كلّه هو العلم.

قال: السابعة: إنّ العامّة قد روت عنه (صلى الله عليه وآله) قريباً ممّا تقدّم، فالأشاعرة منهم ذهبوا إلى أنّ اللَّه يخلق التوحيد والكفر والطاعة والمعصية في عباده، ويمكن أن يتوهّم متوهّم أنّ ظاهر بعض الآيات وبعض الروايات معهم، وليس الأمر كذلك، بل معناهما أنّ اللَّه تعالى كلّف الأرواح كلّهم؛ صغيرهم وكبيرهم، وكافرهم ومؤمنهم قبل تعلّقهم بالأبدان بثلاثة أشياء: الإقرار بالربوبيّة والنبوّة والولاية، فأقرّ بعض بكلّها، وبعضهم ببعض، دون بعض، ثمّ كلّف جمعاً منهم بعد تعلّقهم بالأبدان، فكلّ يعمل في عالم الأبدان على وفق ما عمل في عالم الأرواح.

وأمّا إنّه تعالى هو المضلّ فقد تواترت الأخبار عنهم بأنّ اللَّه تعالى يخرج العبد من الشقاوة إلى السعادة، ولا يخرجه من السعادة إلى الشقاوة، فلا بدّ من الجمع بينهما، ووجه الجمع - كما يستفاد من الأحاديث وإليه ذهب ابن بابويه - أنّ من جملة غضب اللَّه تعالى على بعض العباد أنّه إذا وقع منهم عصيان ينكت نكتة سوداء في قلبه؛ فإن تاب وأناب يزيل اللَّه تعالى تلك النكتة، وإلّا فتنتشر تلك النكتة حتّى تستوعب قلبه كلّه، فحينئذٍ لا يلتفت قلبه إلى موعظة ودليل.

لا يقال: من المعلوم أنّه غير مكلّف بعد ذلك؛ لأنّه إذا امتنع تأثّر قلبه فيكون التكليف من قبيل التكليف بما لا يطاق.

لأنّا نقول: من المعلوم أنّ انتشار تلك النكتة لا ينتهي إلى حدّ تعذُّر التأثّر.

وممّا يؤيّد هذا المقام ما اشتمل عليه كثير من الأدعية المأثورة من أهل بيت النبوّة من الاستعاذة باللَّه من ذنب لا يوفّق صاحبه للتوبة بعده أبداً (15) انتهى كلامه ملخّصاً، وإنّما نقلناه بطوله لما فيه من الفوائد.

[الجمع بين وجوب المعرفة على العباد وأنّ المعرفة من صنع اللَّه]

وأقول: هذا ما يقتضيه الأخبار المذكورة، وأمّا تطبيقها على ما ذهب إليه أكثر أصحابنا والمعتزلة والأشاعرة من أنّ معرفته تعالى نظريّة واجبة على العباد، وأنّه تعالى كلّفهم بالنظر والاستدلال فيها، إلّا أنّ الأشاعرة قالوا: يجب معرفته تعالى نقلًا بالنظر، والمعرفة بعده من صنع اللَّه بطريق العادة، والمعتزلة ومن يحذو حذوهم قالوا: يجب معرفته عقلًا بالنظر، والمعرفة بعده من صنع العبد يولدها النظر، كما أنّ حركة اليد تولد حركة المفتاح.

ثمّ إنّهم اختلفوا في أوّل واجب، فقال الأشعريّ: هو معرفته تعالى؛ إذ هو أصل المعارف والعقائد الدينيّة وعليه يتفرّع كلّ واجب من الواجبات الشرعيّة.

وقيل: هو النظر في معرفته تعالى؛ لأنّ المعرفة تتوقّف عليه، وهو المحكيّ عن جمهور المعتزلة.

وقيل: هو أوّل جزء منه؛ لأنّ وجوب الكلّ يستلزم وجوب أجزائه، فأوّل جزء من النظر واجب ومقدّم على النظر المتقدّم على المعرفة.

وقيل: هو القصد إلى النظر؛ لأنّ النظر فعل اختياريّ مسبوق بالقصد المتقدّم على أوّل جزء من أجزاء النظر (16) إلى غير ذلك من مزخرفاتهم، فيحتاج تطبيق هذه الأخبار إلى تكلّفات، ويمكن أن توجّه بوجوه:

الأوّل: أنّ المراد بها العلم بوجوده سبحانه وتعالى، فإنّه ممّا فطر اللَّه العباد عليه إذا خلّوا أنفسهم عن المعصية والأغراض الدنيويّة كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: 25] وبه فسّر قوله (صلى الله عليه وآله): «من عرف نفسه فقد عرف ربّه»، أي من وصل إلى حدّ يعرف نفسه فيوقن بأنّ له خالقاً ليس له مثله.

الثاني: أن يراد بها كمال المعرفة، فإنّه من قِبَل اللَّه تعالى بسبب كثرة الطاعات والعبادات والرياضات.

الثالث: أن يكون المراد بها معرفة غير ما يتوقّف عليه العلم بصدق الرسل، فإنّ ما سوى ذلك إنّما نعرفه بما عرّفنا اللَّه على لسان أنبيائه وحججه.

الرابع: أن يكون المراد بها معرفة الأحكام الشرعيّة؛ لعدم استقلال النظر فيها.

الخامس: أن يكون المراد أنّها ممّا تحصل بتوفيقه تعالى للاكتساب.

وذهب الحكماء إلى أنّ العلّة الفاعليّة للمعرفة - تصوّريّاً كان أو تصديقيّاً، بديهيّاً كان أو نظريّاً، شرعيّاً كان أو غيره -، إنّما يفيضه اللَّه تعالى في الذهن بعد حصول استعداد له بسبب الإحساس، أو التجربة، أو النظر، أو الفكر، أو الاستماع من المعلّم أو غير ذلك، فهذه الأمور معدّات، والعبد كاسب.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التوحيد، ص 410، ح 1؛ الكافي، ج 1، ص 163، باب البيان والتعريف ولزوم الحجّة، ح 2.

(2) الكافي، ج 1، ص 162 - 163، باب البيان والتعريف ولزوم الحجّة، ح 2؛ التوحيد، ص 411، ح 3.

(3) لم نعثر على هذا الحديث بهذا النصّ، ولكن جاء بهذا المعنى في: التوحيد، ص 226، ح 7؛ بحار الأنوار، ج 5، ص 30، ح 39.

(4) الكافي، ج 1، ص 163، باب البيان والتعريف ولزوم الحجّة، ح 5؛ التوحيد، ص 414، ح 11؛ بحار الأنوار، ج 5، ص 196، ح 2.

(5) الكافي، ج 1، ص 163، باب البيان والتعريف ولزوم الحجّة، ح 3؛ التوحيد، ص 411، ح 4؛ بحار الأنوار، ج 5، ص 196، ح 3.

(6) الكافي، ج 1، ص 163، باب البيان والتعريف ولزوم الحجّة، ح 3؛ التوحيد، ص 411، ح 4.

(7) الكافي، ج 1، ص 163، باب البيان والتعريف ولزوم الحجّة، ح 3؛ التوحيد، ص 411، ح 4.

(8) الكافي، ج 1، ص 163، باب البيان والتعريف ولزوم الحجّة، ح 5؛ التوحيد، ص 414، ح 11؛ بحار الأنوار، ج 5، ص 302، ح 10.

(9) الكافي، ج 1، ص 164، باب اختلاف الحجّة على عباده، ح 1؛ التوحيد، ص 411 - 412، ح 6؛ الخصال، ص 325، ح 13.

(10) الكافي، ج 1، ص 164، باب حجج اللَّه على خلقه، ح 1.

(11) الكافي، ج 1، ص 164، باب حجج اللَّه على خلقه، ح 2؛ التوحيد، ص 412، ح 8.

(12) الكافي، ج 1، ص 164، باب حجج اللَّه على خلقه، ح 3؛ التوحيد، ص 413، ح 9؛ وسائل الشيعة، ج 27، ص 63، ح 33496.

(13) التوحيد، ص 226، ح 7. وعنه في بحار الأنوار، ج 5، ص 30، ح 39.

(14) ما بين المعقوفتين أثبتناه من المصدر.

(15) انظر: الفوائد المدنيّة، ص 407 - 449.

(16) الفوائد المدنيّة، ص 406.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

الاكثر قراءة في أحاديث وروايات مختارة

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد