إنّ الوجدان السليم والعقل البديهي يحكم بامتناع التكليف بما لا يطاق ، أما إذا كان الآمر إنسانا ، فهو بعد وقوفه على عجز المأمور لا تنقدح الإرادة الجدّية في لوح نفسه وضمير روحه. ولأجل ذلك يكون مرجع التكليف بما لا يطاق إلى كون نفس التكليف محالا.
وأما إذا كان الآمر هو الله سبحانه ، فالأمر فيه واضح من وجهين: الأول: التكليف بما لا يطاق أمر قبيح عقلا ، فيستحيل عليه سبحانه من حيث الحكمة أن يكلّف العبد بما لا قدرة له عليه ، ولا طاقة له به. كأن يكلّف الزّمن بالطيران إلى السماء، أو إدخال الجمل في خرم الابرة، من غير فرق بين كون نفس التكليف بالذات ممكنا، ولكن كان خارجا عن إطار قدرة المخاطب، كالطيران إلى السماء، أو كان نفس التكليف بما هو هو محالا من غير فرق بين إنسان وإنسان. كدخول الجسم الكبير في الجسم الصغير من دون أن يتوسّع الصغير أو يتصغّر الكبير.
الثاني : الآيات الصريحة في أنّه سبحانه لا يكلف الإنسان إلّا وسعه ، وقدر طاقته ، قال سبحانه : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) (1). وقال تعالى : (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (2).
وقال عزّ من قائل : (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) (3). والظلم هو الإضرار بغير المستحق ، وأي إضرار أعظم من هذا ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
هذا ملخص القول في هذا الأصل ، وقد بسط فيه الكلام الأصوليون وغيرهم في كتبهم الخاصة بفنهم.
ومع هذه البراهين المشرقة نرى أنّ الأشاعرة سلكوا غير هذا المسلك وجوّزوا التكليف بما لا يطاق.
وبذلك أظهروا العقيدة الإسلامية ، عقيدة مخالفة للوجدان والعقل السليم والفطرة. ومن المأسوف عليه أنّ المستشرقين أخذوا عقائد الإسلام عن المتكلمين الأشعريين ، فإذا بهم يصفونها بكونها على خلاف العقل والفطرة لأنهم يجوزون التكليف بما لا يطاق.
والمهم هو تحليل ما استدلوا به من الآيات (4).
أدلة الأشاعرة على التكليف بما لا يطاق: إنّ الأشاعرة ـ بدلا من الرجوع إلى العقل في هذا المجال ـ استدلوا بآيات تخيلوا دلالتها على ما يرتئونه مع انها بمنأى عما يتبنونه في المقام. وإليك تلك الآيات مع بيان استدلالهم وتحليله.
الآية الأولى ـ قوله تعالى : (أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ) (5).
وجه الاستدلال : إنهم قد أمروا أن يسمعوا الحق وكلّفوا به مع أنهم (ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ) : فدلّ ذلك على جواز التكليف بما لا يطاق. ودلّ على أنّ من لم يقبل الحق ولم يسمعه على طريق القبول لم يكن مستطيعا.
يلاحظ عليه : إنّ الاستدلال ضعيف جدا. يظهر ضعفه بتفسير جمل الآية واحدة بعد الأخرى.
أ ـ قوله تعالى : (أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) : بمعنى أنّهم لم يكونوا معجزين لله تعالى في حياتهم الأرضية وإن خرجوا عن زي العبودية فإن قدرتهم لم تغلب قدرة الله.
ب ـ قوله : (وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ) : أي إنّهم وإن اتخذوا أصنامهم أولياء ، ولكنها ليست أولياء حقيقة ، وليس لهم أولياء من دون الله.
ج ـ قوله : (يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ) : أي يعاقبون عقابا مضاعفا جزاء بما أتوا به من الغي والظلم والأعمال السيئة.
د ـ قوله : (ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ) : هذه الجملة في مقام التعليل ، يريد أنّهم لم يكفروا ولم يعصوا أمر الله لأجل غلبة إرادتهم إرادة الله. ولا لأن لهم أولياء من دون الله بل لأنهم ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا أو يبصروا آياته حتى يؤمنوا بها ، ولكن عدم استطاعتهم ليس بمعنى عدم وجودها فيهم من بداية الأمر بل لأنهم حرموا أنفسهم من هذه النعم بالذنوب فصارت الذنوب وسيلة لكونهم ذوي قلوب لا يفقهون بها ، وذوي أعين لا يبصرون بها ، وذوي آذان لا يسمعون بها ، فصاروا كالأنعام بل هم أضل.
قال سبحانه : (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ) (6).
وباختصار : فرق بين عدم الاستطاعة فيهم من بداية التكليف وعدم قدرتهم على الإيمان واستماع الآيات وإبصارها. وعدم الاستطاعة لتماديهم في الظلم والغيّ وإحاطة ظلمة الذنوب على قلوبهم وأعينهم وأبصارهم وأسماعهم. فالآية نزلت في المجال الثاني والبحث في الأول. وقد تواترت النصوص من الآيات والأحاديث على أنّ العصيان والطغيان يجعل القلوب عمياء والأسماع صمّاء. قال سبحانه : (فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) (7).
وقال سبحانه حاكيا عن المجرمين : (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ* فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ) (8).
فالكلمة المعروفة بين المتكلمين والحكماء من أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار مقتبسة من هذه الآيات وصريح الفطرة.
الآية الثانية ـ قوله تعالى : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (9).
وجه الاستدلال : إنّه سبحانه كلّفهم بالإنباء بالأسماء مع أنّهم لم يكونوا عالمين بها.
يلاحظ عليه : إنّ الأمر في قوله (أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ) للتعجيز لا للتكليف والبعث نحو الإنباء حقيقة نظير قوله سبحانه : (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (10).
توضيحه : إنّ لصيغة الأمر معنى واحدا وهو إنشاء البعث نحو الشيء ، لكنّ الغايات تختلف حسب اختلاف المقامات ، فتارة تكون الغاية من الإنشاء هي بعث المكلف نحو الفعل جدا وهذا هو الأمر الحقيقي الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه ، ويشترط فيه قدرة المكلف واستطاعته. وأخرى تكون الغاية أمورا غيره ، فلا يطلق عليه «التكليف الجدّي» ، كالتعجيز في الآية السابقة ، والتسخير في الآية التالية : (كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) (11). إلى غير ذلك من الغايات التي تدفع المتكلم إلى التعبير عن مقاصده بصيغة الأمر. وذلك واضح لمن تتبع كلام العقلاء.
الآية الثالثة ـ قوله تعالى : (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ* خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ) (12).
وجه الاستدلال : إنّه إذا جاز تكليفهم في الآخرة بما لا يستطيعون جاز ذلك في الدنيا.
يلاحظ عليه : إنّ الدعوة إلى السجود في ذلك الظرف ليست عن جد وإرادة حقيقية. بل الغاية من إنشاء البعث إيجاد الحسرة في المشركين التاركين للسجود حال استطاعتهم في الدنيا. والآية بصدد بيان أنّهم في أوقات السلامة رفضوا الإطاعة والامتثال ، وبعد ما كشف الغطاء عن أعينهم ورأوا العذاب همّوا بالطاعة والسجود ولكن أنّى لهم ذلك في الآخرة ، وإليك تفسير جمل الآية واحدة بعد الأخرى :
أ ـ قوله : «يوم يكشف عن ساق» : كناية عن اشتداد الأمر تفاقمه لأن الإنسان إذا أراد عبور الماء المتلاطم يكشف عن ساقيه ثم يخوض غماره ، فاستعير لبيان شدة الأمر وإن لم يكن هناك ماء ولا ساق ولا كشف ، كما يقال للأقطع الشحيح : «يده مغلولة» ، وإن لم يكن هناك يد ولا غلّ.
ب ـ قوله : (يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) : لا طلبا ولا تكليفا عن جد ، بل لزيادة الحسرة على تركهم السجود في الدنيا مع سلامتهم ، كما يقول المعلم الممتحن لتلميذه الذي يعلم أنّه سيرسب في الامتحان ، أدرس وطالع واسهر الليالي ، لإيجاد الحسرة في قلبه ، مع أنّه ليس هناك مجال لواحد من هذه الأمور.
ج ـ قوله : (فَلا يَسْتَطِيعُونَ) : إما لسلب السلامة عنهم إثر أعمالهم الأجرامية في الدنيا ، أو لاستقرار ملكة الاستكبار في سرائرهم ـ (يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ) ـ أو لتعلق مشيئته سبحانه بانحصار العمل في الدنيا وانحصار الآخرة بالنتاج والجزاء. قال أمير المؤمنين (عليهالسلام) : «ألا وإنّ اليوم المضمار ، وغدا السّباق ، والسّبقة الجنّة ، والغاية النار ، أفلا تائب من خطيئته قبل منيّته ، ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه ، ألا وإنّكم في أيام عمل من ورائه أجل» (13). ولعل الوجه الأول من هذه الوجوه الثلاثة أقرب إلى مفاد الآية ، لما في آخرها من قوله : (وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ) ، الظاهر في عدم سلامتهم في غير ذاك الظرف.
د ـ قوله : (خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) : أي تكون أبصارهم خاشعة وتغشاهم في ذلك اليوم ذلة.
ه ـ قوله : (وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ) : إنهم لما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا عنه مع صحتهم وصحة أبدانهم ، يدعون إلى السجود في الآخرة ، ولا يستطيعون. والغاية من الدعوة ازدياد حسرتهم وندامتهم على ما فرّطوا في الدنيا وهم سالمون أصحاء.
ومجموع جمل الآية تعرب بوضوح عن أنّ الدعوة إلى السجود في ذلك الظرف لا تكون عن جد بل لغايات أخر لا يشترط فيها القدرة.
الآية الرابعة ـ قوله تعالى : (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) (14).
وجه الاستدلال : إنّه سبحانه أمر بالعدل في قوله : (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) (15) ومع ذلك أخبر عن عدم الاستطاعة على العدل.
يلاحظ عليه : إنه سبحانه أمر بالعدالة من يتزوج أكثر من واحدة كما مرّ في هذه الآية. وفي الوقت نفسه أخبر في الآية المستدل بها عن عدم استطاعة المتزوجين أكثر من واحدة على العدل ، وفي الوقت نفسه أيضا نهى عن التعلق التام بالمحبوبة منهن والإعراض عن الأخريات رأسا حتى لا تصرن كالمعلقات ، لا متزوجات ولا مطلقات.
وبالتأمل في جمل الآيتين يظهر أن العدالة التي أمر بها غير العدالة التي أخبر عن عدم استطاعة المتزوج على القيام بها.
فالمستطاع هو الذي يقدر عليه كل متزوج أكثر من واحدة ، وهو العدالة في الملبس والمأكل والمسكن وغيرها من حقوق الزوجة التي يقوم الزوج بها بجوارحه التي تحت اختياره ، لا بجوانحه وبواطنه التي لا سلطان له عليها.
وأما غير المستطاع منها فهو المساواة في إقبال النفس والبشاشة والأنس وهو مما لا يملكه المرء ولا يحيط به اختياره ولا سلطان له عليه.
إلى هنا تبين أنّ التكليف بما لا يطاق سواء أكان ممكنا بالذات أو غير ممكن ، مما يأباه العقل وتنكره الفطرة ، ولا يقرّ به العقلاء في حياتهم الاجتماعية ، كما تنكره الآيات الصريحة.
وأما ما استدل به الشيخ الأشعريّ فلا دلالة فيه ، والحافز له على سوق هذه الآيات على ما يتبناه هو رأيه المسبق. وذلك أنّه لما اختار عدم تأثير قدرة العبد في فعله وأنه بعامة أجزائه وخصوصياته لله سبحانه ، وليس للعبد دور إلّا كونه ظرفا للفعل ، وكون الخلق من الله سبحانه مقارنا لإرادة العبد ، رتب على ذلك أمرين :
الأول ـ جواز التكليف بما لا يطاق. الثاني ـ كون الاستطاعة مقارنة للفعل.
أما الأول ، فلأنه إذا لم يكن لقدرة العبد دور في نفس الفعل ، فلا يفرق بين كون التكليف مقدورا عليه أو غير مقدور ، وقد عرفت بطلانه.
وأما الثاني ، فإنما ذهب إليه توهّما منه أنّ وجود القدرة والاستطاعة قبل الفعل ربما لا يجتمع مع القول بكون الخلق والإيجاد منه سبحانه ، فقال بعدم تقدم الاستطاعة ولزوم مقارنتها مع وجود الفعل ، وهذا هو ما عقدنا له عنوانا مستقلا في البحث التالي.
إنّ المشكلة المهمة في كلام الأشاعرة وأهل الحديث والحنابلة هي رفضهم العقل وإعدامه في المجالات التي يختص بالقضاء فيها. ومن أعدم العقل وصلبه فلا يترقب منه غير هكذا آراء.
____________
(1) سورة البقرة : الآية 286.
(2) سورة فصلت : الآية 46.
(3) سورة الكهف : الآية 49.
(4) لاحظ اللّمع ، ص 99 و 113 و 114 ، للوقوف على ما استدل به الشيخ أبو الحسن الأشعري على ما يتبنّاه في هذا المقام.
(5) سورة هود : الآية 20.
(6) سورة الأعراف : الآية 179.
(7) سورة الصف : الآية 5.
(8) سورة الملك : الآيتان 10 ـ 11.
(9) سورة البقرة : الآيتان 31 و 32.
(10) سورة البقرة : الآية 23.
(11) سورة البقرة : الآية 65.
(12) سورة القلم : الآيتان 42 ـ 43.
(13) نهج البلاغة ، الخطبة 28.
(14) سورة النساء : الآية 129.
(15) سورة النساء : الآية 3.