إذا أردنا أن نذكر كيفية الصلاة على الموتى من الناس فينبغي ان نبين من يجوز هذه الصلاة عليه ومن لا يجوز.
فأما الذي يجوز عليه فهو كل من كان على ظاهر الايمان من رجل أو أمرية، حر أو عبد ومن بلغ عمره من هؤلاء الذين ذكرناهم ست سنين أو أكثر ، وقد يصلى هذه الصلاة على جهة الندب والاستحباب على كل طفل يقصر عمره عن ست سنين من أولاد المسلمين ، وعلى من خالف مذهب أهل الحق مع حصول التقية المرتفعة [1] في ترك ذلك ، فلا يجوز الصلاة على الناصب للعداوة لأهل بيت النبي (صلى الله عليه واله) إذا كانت التقية مرتفعة في ترك الصلاة عليه ، وكذلك لا يجوز على غير الناصب ممن ظاهره ظاهر الكفر والشرك على حال ، ومن مات ممن ذكرنا جواز الصلاة عليه من الرجل ، والمرية أو الحر ، والعبد كانت الصلاة عليه واجبة.
وينبغي ان يؤذن المؤمنين بذلك ليجتمعوا ، ويكثروا للصلاة [2] عليه ، وهي فرض على الكفاية، ومتى قام بها بعض المكلفين سقط فرضها عن الباقين ، والأفضل للإنسان ان لا يصليها الا وهو على طهارة ، فان لم يكن على ذلك وفاجأته تيمم وصلى عليها ، فان لم يتمكن من ذلك أيضا جاز ان يصليها على غير طهارة ومن كان من النساء على حال حيض أو جنابة وأرادت الصلاة على الجنازة ، فالأفضل لها ان لا تصليها الا بعد الاغتسال فان لم تتمكن من ذلك جاز لها ذلك بالتيمم فان لم تتمكن من ذلك جاز لها ان تصلى عليها بغير طهارة.
وإذا حضر الناس للصلاة على الجنازة وقفوا صفوفا خلف من يؤم بهم فان حضر معهم نساء وقفن خلف الرجال من غير ان يختلطن بهم ، فان كان فيهن حائض وقفت منفردة منهن ، فان كان الذي حضر للصلاة على الجنازة نساء ليس معهن أحد من الرجال وقفت التي تؤم بهن في وسطهن من الصف ، والباقون عن يمينها وشمالها فان كان جميع من يحضر للصلاة عليها عراة ففعلوا كما ذكرنا فعله للنساء سواء.
والجنازة تجعل وقت الصلاة عليها مما يلي القبلة ، فإن حضر معها جنازة أمرية جعلت مما يلي القبلة والرجل مما يلي الامام، وإذا اجتمع جنازة رجل وامرأة وصبي جعل الصبي مما يلي القبلة ثم المرأة إليه ثم الرجل.
فان اجتمع معهم عبد قدم الصبي أولا إلى القبلة ، ثم المرأة ، ثم العبد ، ثم الرجل فان اجتمع معهم خنثى جعل الصبي مما يلي القبلة أولا ، ثم المرأة بعده ، ثم الخنثى بعدها ثم العبد ثم الرجل ، وهؤلاء الذين صلى على جميعهم صلاة واحدة ، كانت مجزية ، ولم يحتج المصلون ان يصلوا على كل واحد منهم صلاة على حدة والامام العادل إذا حضر للصلاة على الجنازة كان اولى بالتقدم عليها في ذلك من غيره ، فان لم يكن حاضرا وحضر رجل من بنى هاشم يعتقد الحق كان اولى بذلك إذا اذن له الولي ، فان لم يأذن له لم يجز له التقدم ، والأفضل للولي أن يقدمه والمرأة إذا كان لها زوج كان أولى بالصلاة عليها وإذا كان للميت ابنان مؤمنان كانا مخيرين في التقدم للصلاة ما لم يتنازعا في التقدم ، فان تنازعا في ذلك أقرع بينهما.
والصلاة على الجنازة جائزة في المساجد والأفضل في ذلك ان يصلى عليها في المواضع المخصوصة بها، فإذا أراد الإمام التقدم للصلاة على الجنازة، فينبغي ان يتحفي ويكون بينه وبينها عند وقوعه عليها شيء يسير، فان كان الميت رجلا وقف محاذيا لوسطه، وان كان امرأة وقف محاذيا لصدرها.
« كيفية الصلاة على الميت »
وليس في هذه الصلاة قراءة ، ولا ركوع ، ولا سجود ، بل دعاء واستغفار وهي خمس تكبيرات يبدأ بها بتكبيرة الإحرام ويقرن النية كذلك بها ، فيرفع المصلى مع هذه التكبيرة يديه ثم يرسلهما، ويقول : « اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا أحدا فردا صمدا حيا قيوما لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، لا إله إلا الله الواحد القهار ربنا ورب آبائنا الأولين » والاختصار على الشهادتين في ذلك مجز ، ويكبر « ثانية » ولا يرفع يديه معها.
ويقول : « اللهم صل على محمد وآل محمد ، وبارك على محمد وآل محمد وارحم محمدا وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت ورحمت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد» ويكبر « ثالثة » ولا يرفع يديه معها.
ويقول : « اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات ، وادخل على موتاهم رأفتك ، ورحمتك وعلى أحيائهم بركات سماواتك وأرضك ، انك على كل شيء قدير ، ويكبر « رابعة » ، ولا يرفع يديه معها ، ويقول : اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك نزل بك وأنت خير منزول به ، اللهم انا لا نعلم منه الا خيرا وأنت اعلم به منا ، اللهم ان كان محسنا فزد في إحسانه ، [3] وان كان مسيئا فتجاوز عنه واغفر له واجعله عندك في عليين، واخلف على أهله في الغابرين ، وارحمه برحمتك يا ارحم الراحمين.
فان كان الميت أمرية ، قال بعد هذه التكبيرة : اللهم أمتك وابنة أمتك نزلت بك وأنت خير منزول به ، اللهم ان تك محسنة فزد في إحسانها ، وان تك مسيئة فاغفر لها وتجاوز عنها وارحمها يا رب العالمين » وان كان الميت طفلا فقل : « اللهم هذا الطفل كما خلقته قادرا وقبضته ظاهرا ، فاجعله لأبويه فرطا [4] ونورا وارزقنا اجره ولا تفتنا بعده.
وان كان مستضعفا قال : « اللهم اغفر ( لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ).
وان كان غريبا لا يعرف له قولا فقل : « اللهم هذه النفس أنت أحييتها ، وأنت أمتها تعلم سرها وعلانيتها ، فولها ما تولت واحشرها مع من أحبت » وان كان الميت ناصبا[5] فقل : « عبدك ابن عبديك لا نعلم منه الا شرا فأخذه من عبادك وبلادك وأصله أشد نارك ، اللهم انه كان يوالي أعدائك ويعادي أولياءك ويبغض أهل بيت نبيك فاحش قبره نارا ومن بين يديه نارا وعن شماله نارا وسلط عليه في قبره الحيات والعقارب » ويكبر الخامسة ، ولا يرفع اليدين معها ، ويقول : عفوك عفوك ، ولا يبرح من موضعه حتى ترى الجنازة قد رفعت على أيدي الرجال والذي ذكرناه في ترك رفع اليدين مع التكبيرة الأولى مستحب ، ولو رفعها مع جميع التكبيرات لكان جائزا الا ان الأفضل ما قدمناه.
ومن حضر الصلاة على الجنازة وقد فاته شيء من التكبيرات فليتمه إذا فرغ الامام من الصلاة عليها متتابعا ، وان رفعت كبر عليها ، وهي مرفوعة ، ومن لحق الجنازة عند وصولها الى القبر كان له ان يكبر ما بقي له من ذلك ومن سبق الامام بشيء من التكبير عليها كان عليه الإعادة لذلك ومن فاتته الصلاة على الجنازة جاز له ان يصليها على القبر بعد دفن الميت ما بينه وبين يوم وليلة ، وليس تجوز الصلاة عليه بعد ذلك على حال.
والصلاة على الجنازة الواحدة دفعتين مكروه ، فاذا حضرت الجنازة في وقت صلاة فريضة ، فالأولى الابتداء بالفريضة ، ثم الرجوع الى الصلاة على الجنازة الا ان يخاف من حدوث أمر بالميت ، فان كان ذلك قدمت الصلاة عليه ، ورجع الى الفريضة.
وإذا كانت الجنازة في وقت الصلاة عليها مقلوبة ، ولم يعلم المصلى عليها ذلك من حالها أديرت عما كانت عليه وهويت [6] وأعاد الصلاة عليها ، فان لم يعلم ذلك حتى دفنت كانت الصلاة ماضية ، وإذا حضرت الجنازة وكبر المصلى عليها تكبيرة أو تكبيرتين ، ثم حضرت جنازة اخرى كان مخيرا بين ان يتم التكبيرات على الاولى ، وبين ان يبتدء بالتكبير من التكبيرة التي انتهى إليها وان كان الميت عريانا ولا كفن عليه فليترك في قبره ويستر عورته ويصلى عليه ويدفن.
_______________
[1] أي التقية غير الواجبة.
[2] في بعض النسخ « الصلاة » بدل « للصلاة ».
[3] في بعض النسخ « حسناته » بدل « إحسانه ».
[4] الفرط بفتح الراء : هو من يتقدم القوم ليصلح لها ما يحتاجون اليه مما يتعلق بالمراد ، كما في الحدائق.
[5] في بعض النسخ « ناصبيا » بدل « ناصبا ».
[6] كذا في النسخ ولعل المراد : ان الجنازة رفعت من الأرض فاديرت ووضعت ويحتمل التصحيف فيكون الصحيح « سويت » كما في النهاية والمبسوط.