ذكروا في تفسير عبارة (أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) [البقرة: 224] وجوها ثلاثة مختلفة:
الوجه الأول: أنها عطف بيان على كلمة (أيمان)، وقد تم حذف حرف (لا). بمعنى أن المراد هـو (ألا تبروا...)، كما في (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا) [النساء: 176] (وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ) [النحل: 15] حيث كان المراد في الأولى منهما (ألا تضلّوا)، وفي الثانية (ألا تميد).
كان المسلمون يقسمون بألا يحسنوا لغيرهم ولا يصلحوا بين الناس، وكما ذكرنا في تفسير (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ) [البقرة: 224] كانوا يتخذون قسمهم بالله هذا ذريعة ودليلاً لامتناعهم عن عمل الخير والإصلاح، في حين أنّ الله سبحانه قد أمر الناس بهما.
وبناء على هذا يكون معنى هذا القسم من الآية الشريفة هو: لا تتخذوا قسمكم بالله ذريعة لترككم البر والإحسان ومانعاً لكم عن التقوى والإصلاح بين الناس.
الوجه الثاني: أنها تبين علة النهي عن الإكثار من القسم بالله، وقد تم حذف حرف (لا). والعبارة التي، هي مورد البحث متعلقة للفعل (وَلَا تَجْعَلُوا) [البقرة: 224].
إذن، فيكون معنى الآية الشريفة هو أنكم يجب ألا تقسموا بالله كثيراً؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى عدم إحسانكم وتقواكم في العلاقات الفردية، كما يؤول في النطاق الاجتماعي إلى عدم توفيقكم للقيام بالإصلاح بين الناس.
وهذا الوجه لا يتلاءم مع عبارة (وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) [البقرة: 224]، لانعدام الصلة بين (جعل الله عرضة للأيمان) وبين (عدم الكون من أهل الأصلاح بين الناس) إلا إذا تكلفنا وقلنا بأن الشخص الذي يكثر من القسم يكون كمن ينتهك حرمة اسم الله ولا يعبأ بالقسم فتضيع عليه فرصة البر والتقوى مما يؤول به الى خسران توفيق الاصلاح بين الناس لانعدام تأثير كلام الانسان الذي يكثر القسم في أوساط المجتمع ولا يثقون به في عملية توسطه بنقل أقوال الطرفين أحدهما الى الآخر.
الوجه الثالث: أنها تبين حكمة النهي عن الاكثار من القسم باسم الله مع عدم وجود شيئ محذوف فيها وأن خذف الحرف (لا) في الآيات الاخرى لا يمكن أن يكون دليلا على حذفه في الآية التي هي مورد البحث.
وعلى هذا يكون معنى الآية الشريفة أن عليكم ألا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم كي تتمكنوا من الوصول الى مقام الأبرار والأتقياء والمصلحين بين الناس وتنالوا لياقة القيام بالأعمال المذكورة[1].
جدير بالذكر أن الوجه الثالث لا يحتاج الى التكلف الكثير بسبب افتراض عدم المحذوف فيه وهو أكثر انسجاما مع ظاهر الآية رغم إمكانية عدم انطباقه انطباقا تاما على بعض روايات شأن النزول.
[1] راجع مجمع البيان ج1-2 ص576.