لقد تضافرت النصوص السماوية على عقوبة المجرمين والتنكيل بالظالمين وعندئذ يقع الكلام في مقامين:
الأول : ما هو الغرض من العقوبة؟ فهل هو التّشفي كما في قوله سبحانه : (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) (1)؟ ولكن هذه الغاية منتفية في جانب الحق سبحانه لأنه أجلّ من أن يكون له هذا الداعي لاستلزامه طروء الانفعال إلى ذاته. أو لاعتبار الآخرين؟ وهذا إنّما يصح في دار التكليف لا في دار الجزاء. يقول سبحانه : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (2).
فقوله : (وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) قرينة على أنّ الغاية من جلد الزانية والزاني هو اعتبار الآخرين ، أو أنه أحد الغايات.
الثاني : إنّ من السنن العقلية المقررة مساواة العقوبة للجرم كما وكيفا ، غير أن هذه المعادلة منتفية في العقوبات الأخروية ، فإنّ قسما من المجرمين يخلدون في النار مع أن معصيتهم أقل مدة من مدة التعذيب.
قال سبحانه : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (3).
وقال سبحانه : (وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ) (4).
قال المفيد : «اتّفقت الإمامية على أن الوعيد بالخلود في النار متوجه إلى الكفّار خاصة دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى والإقرار بفرائضه من أهل الصلاة» (5).
وقال الصدوق في عقائده : «اعتقادنا في النار أنه لا يخلد فيها إلّا أهل الكفر والشرك ، فأما المذنبون من أهل التوحيد فيخرجون منها بالرحمة التي تدركهم» (6).
وأما الجواب : عن السؤال الأول، فنقول : إن السؤال عن غاية العقوبة ، وإنها هل هي للتشفي أو لإيجاد الاعتبار في غير المعاقب إنما يتوجه على العقوبات التي تترتب على العمل عن طريق التقنين والتشريع، فللتعذيب في ذلك المجال إحدى الغايتين : التشفّي أو الاعتبار.
وأما إذا كانت العقوبة أثرا وضعيا للعمل بالوجهين الآتيين ، فالسؤال ساقط ، لأن هناك ضرورة وجودية بين وجود المجرم والعقوبة التي تلابس وجوده في الحياة الأخروية ، فعند ذلك لا يصح أن يسأل عن أن التعذيب لما ذا ، وإنما يتجه السؤال مع إمكان التفكيك ، والوضع والرفع ، كالعقوبات الاتفاقية.
ثم إنّ الملازمة الخارجية بين الإنسان والعقوبة تتصور على وجهين: الأول: إنّ كلا من الأعمال الإجرامية أو الصالحة التي تصدر من الإنسان في عالم الطبيعة توجد في النفس ملكة مناسبة لها ، بسبب تكرار العمل وممارسته. وهذه الملكات النفسانية ليست شيئا مفصولا عن وجود الإنسان ، بل تشكل حاقّ وجوده وصميم ذاته. فالإنسان الصالح والطالح إنما يحشران بهذه الملكات التي اكتسباها في الحياة الدنيوية عن طريق الطاعة والمعصية ، ولكل ملكة أثر خاص يلازمها. وإن شئت قلت : إنّ كل نفس مع ما اكتنفها من الملكات تكون خلّاقة للصور التي تناسبها ، إما الجنة والروح والريحان ، أو النار ولهيبها وعذابها. فعلى ذلك يكون الثواب والعقاب مخلوقين للنفس قائمين بها على نحو لا يتمكن من ترك الإيجاد. وهذا كالإنسان الصالح الذي ترسخت فيه الملكات الصالحة في هذه الدنيا ، فإنه لا يزال يتفكر في الأمور الصالحة ، ولا تستقر نفسه ولا تهدأ إلّا بالتفكر فيها ، وفي مقابله الإنسان الطالح الذي ترسخت فيه الملكات الخبيثة عن طريق الأعمال الشيطانية في الحياة الدنيوية فلا يزال يتفكر في الأمور الشرّيرة والرديئة ، ولو أراد إبعاد نفسه عن التفكر فيما يناسب ملكتها لم يقدر على ذلك.
ويظهر من العلامة (الطباطبائي) أنّ الثواب والعقاب الأخرويين من الحقائق التي يكتسبها الإنسان بأعماله الصحيحة والفاسدة ، وهما موجودان في هذه النشأة غير أنّ الأحجبة تحجز بينه وبين ما أعد لنفسه من الجنة والنار ، قال : «إن ظاهر الآيات أنّ للإنسان في الدنيا وراء الحياة التي يعيش بها فيها حياة أخرى سعيدة أو شقية ، ذات أصول وأعراق ، يعيش بها فيها وسيطلع ويقف عليها عند انقطاع الأسباب وارتفاع الحجب».
إلى أن قال : «إنّ الأعمال تهيء بأنفسها أو باستلزامها وتأثيرها أمورا مطلوبة أو غير مطلوبة أي خيرا أو شرا هي التي سيطلع عليها الإنسان يوم يكشف عن ساق» (7). وقد استظهر ما ذكره من عدة آيات ذكرها في كتابه.
وعلى ضوء ما ذكرنا ، فالإنسان الوارد إلى الحياة الجديدة إنما يردها بملكات طيبة أو خبيثة ، ولها لوازم تطلبها ضرورة وجوبا شاء أم لم يشاء. وهذه اللوازم تتجلى بصورة النعم والنقم لكل من الطائفتين.
فعند ذلك يسقط السؤال عن الهدف من التعذيب. وهذا نظير من شرب السم فيقتل ، أو شرب الدواء النافع فيبرأ ، فلا يصح السؤال عن الهدف من القتل والإبراء.
الثاني : إنّ من المقرر في محله أنّ لعمل الإنسان صورتين ، صورة دنيوية وصورة أخروية ، فعمل الإنسان يتجلى في كل ظرف بما يناسبه ، فالصلاة لها صورتها الخاصة في هذه الحياة من حركات وأذكار، ولكن لها صورة أخرى في الحياة الأخروية.
كما أنّ الصوم له وجود خاص في هذا الظرف يعبر عنه بالإمساك عن المفطرات ، وله وجود آخر في العالم الأعلى يعبر عنه بكونه جنّة من النار. وهكذا سائر الأعمال من صالحها وطالحها. وهذا ما أخبر عنه الكتاب العزيز ، يقول سبحانه : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً) (8).
وقال سبحانه : (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ، سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ) (9).
وقال سبحانه : (يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (10).
إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على حضور نفس العمل يوم القيامة ، لكن باللباس الأخروي ، وهذا يعرب عن أنّ لفعل الإنسان واقعية تتجلى في ظرف بصورة وفي آخر بأخرى.
وهذه الأعمال تلازم وجوده ولا تنفك عنه ، فإذا كان عمل كل إنسان يعد من ملازمات وجوده ، وملابسات ذاته ، فالسؤال عن أنّ التعذيب لما ذا ، يكون ساقطا ، إذ السؤال إنما يتوجه إذا كان التفكيك أمرا ممكنا.
والفرق بين الوجهين واضح : ففي الوجه الأول تكون نفس الإنسان الصالح أو الطالح خلّاقة لثوابه وعقابه وجنته وناره حسب الملكات التي اكتسبتها في هذه الدنيا بحيث لا يمكن لصاحب هذه الملكة السكون والهدوء إلّا بفعل ما يناسبها. وفي الوجه الثاني يكون العمل متجليا في الآخرة بوجوده الأخروي من دون أن يكون للنفس دور في تلك الحياة في تجلّي هذه الأعمال بتلك الصور بل هي من ملازمات وجود الإنسان المحشور ، فلا يحشر الإنسان وحده بل يحشر مع ما يلازم وجوده ويقارنه ويلابسه ولا ينفك عنه. وباختصار تكون رابطة الجزاء مع الإنسان في القسم الأول رابطة إنتاجية بحيث تكون النفس منتجة ومولّدة للجزاء الحسن والسيئ. وأما في الثاني فهي من ملازمات وجود الإنسان وملابساته من دون انتاج.
قال تعالى : (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً) (11).
ولعلك لو نظرت إلى الآيات التي تحكي عن حضور نفس العمل في الآخرة ، وأضفت إليها «احتمال كون هذه الأعمال بصورها الأخروية من ملازمات ذات الإنسان صالحه وطالحه» لسهل عليك الإجابة عن السؤال من أنّ التعذيب لما ذا. قال سبحانه : (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً) (12) وقال سبحانه : (وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) (13). وقال سبحانه : (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) (14). وقال سبحانه حاكيا عن لقمان : (يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ) (15).
فليس الحاضر يوم الجزاء إلّا نفس العمل الذي يعبّر عنه بتجسم الأعمال وتحققها بالصور المناسبة لذلك الظرف. ولعل ما ورد في الآيات والروايات من أنّ العمل الصالح حرث الآخرة أو مطلق العمل كذلك إشارة إلى هذا الجواب. فذات العمل طاعة كان أو عصيانا ، حبّ يزرعه الإنسان في حياته الدنيوية ، وهذا الحبّ ينمو ويتكامل ويصير حرثا له في الآخرة يحصده بحسب ما زرع ، قال سبحانه : (مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)(16).
قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «العمل الصالح حرث الآخرة» (17).
كل ذلك يعرب عن أنّ رابطة الجزاء مع الإنسان رابطة العلية والمعلولية.
فالإنسان بوجوده علة لجزائه ، إما بخلقه وإيجاده أو كونه زارعا في هذه الدنيا زرعا يحصد جناه في الآخرة ، وليس بينه وبين حرثه انفكاك. فإذا كانت الرابطة بهذه الصورة (العلية والمعلولية) لم يكن للسؤال مجال.
نعم ، لا يصحّ لمتشرع ملمّ بالكتاب والسنّة أن يحصر النّعمة والنّقمة في هذين القسمين وينكر جنة مفصولة أو عذابا كذلك عن وجود الإنسان وعمله ، فإن الظاهر أنّ لكل من الجنة والنار وجودين مستقلين يرد إليهما الإنسان حسب أعماله. ومع ذلك كله ، لا مانع من أن يكون هناك تعذيب أو تنعيم بأحد المعنيين الماضيين. ولمّا كان الإشكال عقليا ، كفى في رفعه ما ذكرنا من الوجهين.
وأما الجواب عن السؤال الثاني فنقول: إنّ ما ذكر من السّنة العقلية من التطابق بين الجرم والعقوبة كمّا وكيفا ، إنما يرتبط بالعقوبات الجعلية ، وأما إذا كانت العقوبة أثرا وضعيا للعمل فلا نجد تلك المطابقة في الكم ولا في الكيف.
فالسائق الغافل لحظة واحدة ربما يتحمل خسارات نفسية ومالية تدوم مدة عمره. والإنسان الذي يستر بذرة شوك أو بذرة ورد تحت التراب ، يحصد الأشواك والورود ما دام العمر ، فالعمل كان آنيا والنتيجة دائمية، فليست المعادلة محفوظة بين العمل وثمرته.
فإذا كان عمل الإنسان في هذه الحياة بذورا لما يحصده في الآخرة فلا مانع من أن تكون النتيجة دائمية والعمل آنيا أو قصير المدة. وهذا بنفسه كاف في ردّ الإشكال ، وقد عرّفه سبحانه نتيجة عمله في الآخرة وأنّ أعماله القصيرة سوف تورث حسرة طويلة أو دائمة وأنّ عمله هنا سينتج له في الآخرة أشواكا تؤذيه أو ورودا تطيّبه ، وقد أقدم على العمل عن علم واختيار ، فلو كان هناك لوم فاللوم متوجه إليه ، قال سبحانه حاكيا عن الشيطان : (وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (18).
وفيما مرّ من الآيات التي تعدّ الجزاء الأخروي حرثا للإنسان تأييد لهذا النظر.
على أنّ من المحتمل أنّ الخلود في العذاب مختص بما إذا بطل استعداد الرحمة وإمكان الإفاضة. قال تعالى : (بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (19).
ولعل قوله : (وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) إحاطتها به إحاطة توجب زوال أي قابلية واستعداد لنزول الرحمة ، والخروج عن النقمة (20).
وكيف كان ، فيظهر صحة ما ذكرنا إذا أمعنت النظر فيما تقدم في الجواب عن السؤال الأول وهو أنّ الجزاء إمّا مخلوق للنفس أو يلازم وجود الإنسان وفي مثله لا تجري السنة العقلية كما هو واضح.
__________________
(1) سورة الإسراء : الآية 33.
(2) سورة النور : الآية 2.
(3) سورة البقرة : الآية 39.
(4) سورة التوبة : الآية 68.
(5) أوائل المقالات ، ص 14.
(6) عقائد الصدوق ، ص 90 ، الطبعة القديمة الملحقة بشرح الباب الحادي عشر.
(7) الميزان ، ج 1 ، ص 91 ـ 93.
(8) سورة النساء : الآية 10.
(9) سورة آل عمران : الآية 180.
(10) سورة التوبة : الآية 35.
(11) سورة الإسراء : الآية 13.
(12) سورة آل عمران : الآية 30.
(13) سورة الكهف : الآية 49.
(14) سورة التكوير : الآية 14.
(15) سورة لقمان : الآية 16.
(16) سورة الشورى : الآية 20.
(17) نهج البلاغة ، الخطبة 22 ، طبعة عبده.
(18) سورة إبراهيم : الآية 22.
(19) سورة البقرة : الآية 81.
(20) الميزان ، ج 12 ، ص 86.