في هذه الفئة الأخيرة، أودُّ أن أضع المجتمعات التي لم تكن مرنةً واختفَت تمامًا، وإن كان من المُحتمل أن بعض الجيوب الصغيرة قد بقيت في المناطق النائية. وهنا نجد الحيثيين وإمبراطوريتهم، الذين فشلوا في الأساس في اجتياز عملية التغيير إلى العصر الحديدي وتنازلوا عن أراضيهم لممالك جديدة، من بينها الأورارتيون في شرق الأناضول وفي نهاية المطاف الفريجيون في وسط/غرب الأناضول، كما أشرتُ في الفصل الرابع. ولكنْ، حتى هنا لا بدَّ أن أكون أكثرَ دقةً؛ لأنني قد سبق أن وضعتُ وناقشتُ أعلاه المجموعات اللاحقة الصغيرة التي نجَت كدويلات مدن حيثية جديدة في الأناضول السورية وشمال بلاد الشام، واستمرَّت في اتباع التقاليد الحيثية في الكتابة والعمارة والأنظمة الإدارية مع إنشاء أنظمتها المستقلة الخاصة. وإضافةً إلى ذلك، رغم أن الحيثيين ربما يكونون قد حكموا معظم الأناضول؛ فإن انهيارهم المجتمعي لم يَعْنِ بالضرورة الموت التلقائي لكلِّ مَن كان يعيش في المنطقة كلها، وخاصة في المناطق الداخلية في مواقعَ مثل تشادير (1).
وعلاوةً على ذلك، وبينما أُدرك تمامًا أن هذه ستكون قضيةً تستحقُّ نقاشًا مستمرًّا، فقد وضعتُ أيضًا الكنعانيين الذين عاشوا في جنوب بلاد الشام في هذه الفئة؛ لأنني أراهم بوجهٍ عام إَّما تغلبَت عليهم الممالك الجديدة التي نشأت في المنطقة أو اندمجوا فيها، ومنها إسرائيل ويهوذا، وكذلك فلستيا وأدوم وعمون وموآب. ومع ذلك، فإن هذا يوضِّح بعض المشكلات التي تنطوي عليها محاولة تعيين تسمياتٍ لحالاتٍ مُتغيرة؛ ففي كتابه الأخير عن جنوب غرب كنعان في العصرَين البرونزي والحديدي، زعم إيدو كوخ، من جامعة تل أبيب، أن «المجتمع المُتجدِّد في العصر الحديدي الأول في جنوب غرب كنعان تتبدَّى فيه الاستمرارية والتحول.» ولكنه في الوقت نفسه، يعترِف بأن «البنية الاجتماعية التي نشأت في جنوب غرب كنعان بعد الانهيار، خلال العصر الحديدي الأول، كانت مختلفةً عن سابقتها»؛ وأن «مراكز جديدة … حلَّت محلَّ المراكز التقليدية»؛ وأن «نمط استيطان مختلف قد نشأ» (2).
باختصار، حسب تفسيري الموقف كما نفهمه حاليًّا، بينما كان الكنعانيون العرقيون الأفراد (وحتى المجتمعات المحلية الصغيرة) ربما مرِنين إلى حدٍّ ما، لم يعُد من الممكن تحديد المجتمع الكنعاني، ودويلات المدن الكنعانية المنفردة، بشكلٍ قاطع مع استمرار الانتقال إلى العصر الحديدي في جنوب بلاد الشام، حتى مع تأثيرها بلا شكٍّ على الممالك الجديدة التي نشأت في المنطقة. يُمكن تفسير هذا إما على أنه تحوُّل ومرونة عالية من ناحية، وإما على أنه اندماج داخل الممالك الجديدة ومرونة مُنخفضة من ناحيةٍ أخرى. ومع ذلك، كما لم نعُدْ نرى أيَّ ميسينيين أو مينويين يمكن التعرُّف عليهم في منطقة بحر إيجه في أواخر العصر الحديدي؛ فإننا لم نعُد نتحدَّث عمومًا عن الكنعانيين في بلاد الشام في أواخر العصر الحديدي، بل نتحدَّث عن الإسرائيليين واليهوذيين والعمونيين والأدوميين والموآبيين، وهكذا. ولذلك اخترتُ تفسير هذا الموقف باعتباره اندماجًا، وإن كان مع بعض البقايا والتأثيرات الثقافية، ووضعتُ هؤلاء الكنعانيين الجنوبيين في هذه الفئة. وقد يُفضِّل آخَرون رؤيةَ هذا باعتباره تحولًا ناجحًا ووضعهم في فئةٍ أعلى (3).
..............................................
(1) See, e.g., d’Alfonso 2020 regarding Anatolia and the aftermath of the Hittites, in which he briefly discusses resilience, reorganization, and transformation; also Adcock 2020: xvi, 1–4, 51-52.
(2) Koch 2021: 92, 105.
(3) For what it’s worth, I have fluctuated between placing these southern Canaanites in categories 2, 4, and 5 during the course of writing. For the moment, I have settled on category 5 but remain open to being persuaded otherwise.