في ديسمبر من عام 1840م بدأت في إسطنبول اجتماعات ممثلي الحكومة العثمانية مع سفراء أوروبا تحت رئاسة مصطفى رشيد لدراسة شروط إخضاع محمد علي للسلطان (48، ص343).
تؤكد محاضر الاجتماعات وغيرها من الوثائق التي نشرها د. كاينار أن الثقة التامة قد سادت العلاقات بين وزير خارجية تركيا والسفير الإنجليزي (48، ص323). كان موقف بونسونبي أثناء المباحثات متشددًا للغاية تجاه محمد علي، حتى إن مصطفى رشيد والباب العالي اضطُرَّا للبحث عن حلول معتدلة تجنبًا لإثارة سخط باقي المشاركين في هذه الاجتماعات، وهم سفراء النمسا وبروسيا وروسيا (48، ص350–363).
كان أهم سؤال ناقشه السفراء في اجتماعهم هو ما إذا كان من الممكن أن يصبح محمد علي أهلًا للثقة. في البداية كان مصطفى رشيد ومعه السفير الإنجليزي يتخذان من هذا الأمر موقفًا سلبيًّا، أي إنهما كانا يعتزمان عزل محمد علي من منصب والي مصر. على أن الضغط الذي مارسه المشاركون الآخرون في الاجتماع إلى جانب المناخ الدولي بصورة أساسية قد «اضطرهما إلى تغيير عزمهما». وقد أعرب السفير النمساوي عن خوفه من أن يؤدي اتخاذ موقف متشدد تجاه محمد علي إلى تجدد الاشتباكات العسكرية. ونتيجة لذلك فقد قرَّر السفير أن يؤيد رأي السفير الإنجليزي — أيًّا ما كان هذا الرأي — فيما يتعلق بأهم قضية، ألا وهي السماح بالحكم الوراثي لمحمد علي (48، ص345–349). وكان سفراء كل من روسيا والنمسا قد أعربا عن عدم رغبتهما في تصعيد الموقف.
تمت مناقشة محضر اجتماع السفراء الأوروبيين الأربعة في اجتماع مجلس وزراء الإمبراطورية العثمانية حيث تقرر طرح الثقة في محمد علي وذلك حتى لا يحدث خلاف على الموافقة الجماعية وإهدار ما تم التوصل إليه من نتائج. وقد تمت الإشارة في محضر الاجتماع إلى أن لورد بالمرستون يرى أن تكون هناك ثقة في محمد علي وإعلان ولائه، على أن إعطاء محمد علي حكم مصر وراثيًّا ينبغي أن تُصاحبه بعض الشروط المفيدة للإمبراطورية العثمانية (48، ص352-353).
وقد تم إرسال مفوضين أتراك إلى مصر يحملون إلى محمد علي إخطارًا بشأن القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء. وعلى الفور قام محمد علي في 11 يناير 1841م (124، ج2، ص49) بإعادة أسطول السلطان الذي كان موجودًا في مصر منذ الرابع من يوليو 1839م، كما أرسل خطابًا جديدًا يُعرب فيه عن إخلاصه لحكومة السلطان. وقد أبلغ محمد علي الموظفين الموجودين في الأراضي التي أُعيدت إلى السلطان (في سوريا وكيليكيا والجزيرة العربية وكريت) كتابةً ولاءه لحكومة السلطان. وكان من نتائج ذلك تحرير المناطق بناءً على طلب السلطان (48، ص357-358). وفي الثلاثين من يناير عام 1841م تقدمت الدول المتحالفة مرة أخرى إلى السلطان باقتراح إعادة محمد علي إلى منصب والي مصر (53، المجلد 6، ص120، 63، ص170-171)، في محاولة لتفادي اندلاع الحرب مع فرنسا.
أما المسألة الثانية والتي جرت مناقشتها في اجتماع السفراء الأوروبيين والتي طُرحت بعد تسليم محمد علي الأسطول للسلطان، فقد كانت تتعلق بشروط إعطاء محمد علي الحق في حكم مصر وراثيًّا. وقد أصر بونسونبي على أن تكون هناك شروط صارمة مصاحبة لحق الحكم الوراثي من شأنها أن تُخضع محمد علي خضوعًا كاملًا للباب العالي. وذكر بونسونبي أن المال قد أتاح لمحمد علي أن يعلو علوًّا كبيرًا لدرجة أن إخضاعه تطلب جهدًا عظيمًا وأريقت من أجله دماء كثيرة. ولهذا فإن من المستحيل أن توضع في حوزته مرة أخرى ثروات ليس له حق فيها. وأكد السفير الإنجليزي أن معاهدة الدول المتحالفة قد أجبرت محمد علي على حل النزاع سلميًّا وإن كان يُفضل عليه الحرب. وقد اضطر الآن بعد هزيمته أن يخضع للسلطان دون أي شروط. كان بونسونبي يأمل أن تُكبل هذه الشروط الصارمة من سلطة محمد علي، فإذا ما رفض الانصياع لها فإن من الضروري عندئذ حرمانه من السلطة نهائيًّا.
حظيت قيمة الجزية التي كان على مصر دفعها للباب العالي وكذلك وسيلة جبايتها باهتمام كبير إبان المفاوضات. وقد أشار بونسونبي إلى أن محمد علي كان يحصل سنويًّا على 12827250 فرنكًا سنويًّا (ما يعادل 100 ألف كيس) من جراء ابتزازه غير الشرعي لأموال المصريين، وحتى يتم حرمانه من هذه العائدات اقترح بونسونبي إجبار محمد علي على تنفيذ بنود اتفاقية 1838م التجارية، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى إلغاء نظام الاحتكار في مصر، وهو المصدر الرئيسي لثروة محمد علي. وأوصى بونسونبي بأن يتم تحصيل الضرائب عن طريق الدفتردار وموظفي حكومة الباب العالي (48، ص358، 362، 278). واقترح أيضًا تخفيض عدد القوات المصرية وحرمان محمد علي من حق تعيين كبار الضباط في الجيش، ليجعل من المستحيل عليه مستقبلًا تجديد أعماله العدوانية ضد السلطان (48، ص364). في فبراير عام 1841م وصلت المفاوضات إلى ذروتها، وأشار السفراء خلالها إلى ضرورة تحديد مبلغ معين للجزية (48، ص372)، وقد كان من المقرر مناقشة هذا القرار في مجلس وزراء الإمبراطورية العثمانية واعتماده من السلطان.
تردد مصطفى رشيد في اتخاذ قرار نهائي في هذا الشأن؛ إذ تنبأ بأن محمد علي لن يقبل بحرمانه من حق التصرف في أموال مصر، وعندئذ لن تكون لدى الباب العالي أي إمكانية على إجباره على الدفع دون مساعدة من الدول الأوروبية، الأمر الذي يتوقف برمته على تنفيذ بنود معاهدة لندن 1840م.
وقد لخَّص مصطفى رشيد شكوكه في التقرير الذي رفعه للسلطان في فبراير 1841م (48، ص374–379) حيث كتب يقول: إن رأي بونسونبي بشأن إرسال دفتردار الباب العالي إلى مصر، أمر قد لا يوافق عليه السفراء الآخرون، وإن تنفيذ هذا البند سوف يواجه بصعوبات جمة. ولما كان مصطفى رشيد يرى أن رفض اقتراح بونسونبي قد يبدو مجافيًا للذوق، فقد اقترح أن ترفق وزارة الخارجية في ردها تفسيرًا مفاده أن «اقتراح السفير الإنجليزي مفيد، ولكنه يستند بلا شك على حسن النية فقط»، أما نص المعاهدة التي عُقدت في لندن، فقد اشتمل بوضوح على أن إدارة الشئون المالية لمصر أمر من اختصاص محمد علي، وبطبيعة الحال لم يكن هناك مجال للإصرار على القرار الآخر للباب العالي. على أنه إذا اكتشف السفير الإنجليزي بنفسه مع مرور الوقت أمورًا مواتية لاقتراحه، منها أن يرفض محمد علي الإقرار بالمعاهدة المعقودة، أو إذا ما نجح هو في إقناع السفراء الثلاثة الآخرين باقتراحه، أو لو ظهرت لدى الباب العالي ادعاءات ما ضد مصر في هذا الصدد، فإن الباب العالي عندئذ سوف يستغل اقتراح بونسونبي. وأشار مصطفى رشيد إلى أن توقف حل المسألة عند شكل جباية الجزية من مصر من شأنه أن يعرقل قضية التسوية بأكملها.
وفي وقت لاحق أعلن مصطفى رشيد وجهة نظر السفير النمساوي شتيورمر. وكان الأخير قد أكد أن السلام الذي جاء الآن على أسنة الرماح يُهدد الجميع، وأن فرنسا لن تضع سلاحها ما دامت شروط تسوية الأزمة لم تعلن بالكامل، إن البطء في التوصل إلى حل لبعض الشروط لا يعني — في رأي شتيورمر — الإسراع في حل المشكلة بأسرها، فهناك احتمال ألا ترضى فرنسا عن القرارات التي ستتَّخذ مستقبلًا، وأشار شتيورمر أيضًا إلى أنه ما لم تعلن الشروط الناقصة رسميًّا باسم السلطان، وما لم تنسحب قوات الدول المتحالفة، البرية والبحرية، من سوريا، فإن من المتوقع أن تظهر بعض الصعوبات في إجبار باشا مصر على قبول الشروط التي تم إعدادها.
وقد أعلن مصطفى رشيد أيضًا أن السفارة الروسية تؤكد أن البطء في قضية التسوية أمر خطير. وأكد السفير التركي أن هناك في النهاية رأيان: السفير الإنجليزي بونسونبي ويقف إلى جانب البطء والتروي، وسفراء النمسا وروسيا وبروسيا وهؤلاء يُناصرون اتخاذ قرار سريع. إن مسئولية إجبار محمد علي على قبول دفتردار الباب العالي تقع على كاهل إنجلترا وحدها؛ إذ إن الدول الأخرى قد تنحَّت عنها. أما فرنسا فما تزال شاكية السلاح، مستعدة لدخول الحرب، وما تزال تسعى لإرغام إنجلترا على وضع هذا الأمر في اعتبارها. كما أن استعراض القوى أمام محمد علي لم يعد أمرًا مقبولًا.
وفي الختام يقترح مصطفى رشيد البقاء على الشكل القديم لجباية الجزية طوال حياة محمد علي. كما يقترح كذلك تحديد مبلغ معلوم للجزية يتم دفعه لمدة خمسة أعوام، بانتهائها يتقرر من جديد النظر في الأمر وتحديد قيمة الجزية التي تتناسب عندئذ والقدرة المالية لمصر. افترض مصطفى رشيد أن تكون القيمة السنوية للجزية طبقًا للدخل 100 ألف كيس. ولما كان مصطفى رشيد يُدرك أن المبلغ يُمكن أن يكون مُبالغًا فيه ومن ثم يتعرض للتخفيض، فقد رأى ألا يتم ذكره في الفرمان السلطاني. أما إذا تمت الموافقة فيُكتب في التعليمات. وكما توقع مصطفى رشيد فقد طالب محمد علي بتخفيض الجزية التي تحددت في البداية بثمانين ألف كيس (48، ص380).
وقد حدد مصطفى رشيد العدد الضروري للقوات في مصر بثمانية عشر ألف فرد. وكتب مصطفى رشيد يقول إن هذه الوحدات سوف تخدم في مصر، ويُمكن للباب العالي استدعاؤها إذا ما دعت الحاجة، ويتولى السرعسكر مراقبة هذه الوحدات.
كان تأخر صدور القرار النهائي الخاص بالصراع المصري يُعرقل انضمام فرنسا إلى المعاهدة الأوروبية المشتركة، على الرغم من أن فرنسا أعربت عن استعدادها للتوقيع على المعاهدة الخاصة بالمضايق، وذلك بعد تقاعد رئيس وزرائها تيسير في أكتوبر عام 1840م. ولهذا السبب تجددت في لندن في يناير 1841م اجتماعات الدول الكبرى بخصوص المسألة الشرقية (وعلى مستوًى يفوق مستوى اجتماعات إسطنبول)، وقد توصَّلت الدول المشاركة إلى رأي موحد فيما يخص القضايا الجدلية حول حكم مصر (1). آنذاك كان شكيب أفندي يُمثل تركيا في لندن.
انتهت المفاوضات في التاسع والعشرين من مارس 1841م. وبمقتضى خطي شريف السلطان قدم محمد علي عددًا من التنازلات: تحدد انتقال السلطة بالوراثة لأكبر الذكور، يحق لمحمد علي تعيين الضباط حتى رتبة العقيد، تحددت قيمة مبلغ الجزية بالاتفاق الثنائي. وتبعًا لشهادة د. ج. روزين بلغت الجزية 30 مليون قرش، أي ما يُعادل 40 ألف كيس (124، ج2، ص50). وهو نفس المبلغ الذي ذكره إ. ب. شابوليو (123، ص89). بينما أورد إ. كارامورسال رقمًا آخر هو 60 ألف كيس، وهو ما يُمثل ربع إجمالي عائدات مصر (212، ص173).
أعلن محمد علي نفسه واليًا عن السلطان وأصبح حاكمًا على مصر فقط، وقام بإعادة المناطق الأخرى. تقلص جيشه إلى 18 ألف جندي يخضعون للسلطة العليا للباب العالي. أصبح للسلطان حق تعيين الرتب العسكرية العليا. ولم يعد محمد علي يملك حق بناء السفن الحربية.
......................................
(1) لمزيد من التفاصيل حول اتفاقية لندن الثانية 1841م انظر 63، ص 159–187.