تنوَّعت اتجاهات الكلاب ما بين الجنوب والغرب والشرق … إلا أنَّ الغالبية العظمى من الكلاب نجدها قد اتَّجهت بأجسادها من الجنوب إلى الشمال، بحيث تكون رؤوسها في الجنوب، وذلك كما جاء في أغلب دفنات البداري، حيث اتجه رأس الحيوان إلى الجنوب (1)، وكما جاء أيضًا في الكثير من دفنات كلاب وادي دجلة (2). واستمرَّ ذلك التقليد حتى العصر العتيق؛ إذ جاء الكلب بالمقبرة رقم 3507، بسقارة قد اتجه رأسه إلى الجنوب (3). وكذلك الأمر في حالة الدفنة رقم 2 بجبَّانة أبو صير، وجدنا أنَّ الكلب فيها قد اتجه رأسه نحو الجنوب (4). وفي النوبة حدَث الأمر نفسُه في الدفنتين رقم 67، 77 بجبَّانة رقم 17أ بخوربهان؛ إذ عُثر فيها على اثنين من الكلاب كانا قد اتَّجها برأسيهما نحو الجنوب (5).
ولربما كان ذلك تقليدًا لما اتُّبع في عادات الدفن الآدمية لدى المصريين في أغلب عصورهم القديمة؛ إذ كانوا يوسِدون المتوفَّى على جانبه الأيسر، بحيث يتجه رأسه إلى الجنوب (6).
أمَّا الاتجاه إلى الغرب، فقد وجدناه بوضوح في الدفنة المزدوجة رقم H23. بالمحاسنة؛ إذ التزم الكلبان فيها بالاتجاه الغربي (7)، ربما لاعتبارهما حارسَين للمقبرة؛ حارسَين لعالم الغرب — عالم الموتى — حيث غروب الشمس والعالم الآخر. وهذا هو أقربُ التفسيرات إلى الصحة، لا سيما وأن الكلب كان قد ارتبط بخنتي إمنتيو وأيضًا بأنوبيس بعد ذلك في العصور التاريخية (8).
ووضَح ذلك أيضًا في حالة المقبرة رقم 39 ورقم 40 بجبَّانة هليوبوليس، حيث اتجهت رءوس الكلاب في كليهما نحو الغرب (9). وفي المقبرة رقم 667H5 بجبَّانة حلوان (10).
وفي النوبة جاء الالتزام بالاتجاه الغربي في كلٍّ من المقبرة رقم 231 بالجبَّانة 7أ، التي عُثر فيها على دفنة مزدوجة لكلبين اتَّجها برأسيهما نحو الشمال الغربي، والمقبرة رقم 255 بنفس الجبَّانة، التي عُثر فيها على دفنة مزدوجة لكلب وماعز، اتَّجه رأس الكلب فيها إلى الغرب، وأيضًا المقبرة رقم 11 التي دلَّ اتجاه جسم الكلب فيها، على وجهة الحيوان، واتجاهه نحو الغرب (11).
وبالرجوع إلى عادات الدفن الآدمية، يَعتقد تشرني أنَّ توجيه المصريين لوجوه موتاهم ناحيةَ الغرب تأتي من أنَّ الصحراء الشرقية كانت محدَّدة وكانوا يعرفون أنها تنتهي عند البحر الأحمر، وذلك على العكس من الصحراء الغربية التي تغرب الشمس ناحيتها، والتي لم يعرفوا حدودًا لها، شأنها في ذلك شأن الأبدية التي لا حدود لها (12)؛ وهذا تفسيرٌ مخالف لما سبق ذكره.
وأخيرًا … فهناك الاتجاه إلى الشرق، وقد وضَح ذلك الاتجاه في الكثير من مقابر جبَّانة المعادي ووادي دجلة (13) والمقبرة رقم 42 بجبَّانة هليوبوليس (14)، وأيضًا في المقبرة رقم4:22 بالجبَّانة رقم 17أ بخوربهان، والمقبرتين رقم 69، ورقم 91 اللتين التزمتا بالاتجاه الشرقي — أو الشمال الشرقي — في الدفن (15)، وأيضًا المقبرة رقم 252 بالجبَّانة رقم 7أ (16)، ولربما كان لذلك الاتجاه علاقة بالشمس وبالديانة الشمسية التي جاءت أدلتها منذ العصر العتيق (17).
........................................
(1) Behrens, S. H., Op. Cit., p. 75, Brunton, G., and Caton-Thompson, Op. Cit., p. 7.
(2) Rizkana, I., Maadi Iv, pp. 59-60.
(3) Emery, W. B., 1958, p. 73, 78; Emer, M., and. Rizkana, I., “Excavations in Wadi Digla-second seasons report (1953)” in: B. F. A., vol. 15, part 2, 1953 p. 203.
(4) Bàrta, M., Op. Cit., p. 31.
(5) Reisner, G, A., Op. Cit., p. 138.
(6) Černý, J., Ancient Egyptian Religion, London 1957, p. 16.
(7) Ayrton, E. R, and Loat., Op. Cit., p. 76.
(8) Saied, A. M., Op. Cit., pp. 177–179.
(9) Debono, F., and Mortensen, B., Op. Cit., pp. 17, 40.
(10) Saad, Z. Y., Op. Cit., p. 37.
(11) Reisner, G. A., Op. Cit., pp. 39–42, 138.
(12) Černý, J., Op. Cit., p. 16.
(13) Rizkana, I, Maadi IV; p. 27; Boessneck, J., and Vanden Driesch, A., Op. Cit., p. 103.
(14) Debono, F., Op. Cit., p. 17.
(15) Reisner, G. A., Op. Cit., pp. 138-139, 39-40.
(16) Debono, F., Op. Cit., p. 17.
(17) أحمد أمين سليم، «دراسة تاريخية للحضارة المصرية القديمة أثناء عصر الأسرتين الأولى والثانية»، رسالة ماجستير في الآداب، كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، 1977م، ص 204.