ويُقصد بها أجزاءُ الغزلان التي دُفِّنت عن قصدٍ في العديد من المقابر الآدمية. فقد عُثر في المقبرة رقم 2666 بمطمر على دفنةٍ لسيدة، أُلحقت بها جمجمة غزال وزُوِّدت ببعض المتاع الجنائزي (1).
وفي جبَّانة أرمنت، عُثر في المقبرة رقم 1466 على جمجمة غزال، كانت قد أُلحقت بدفنةٍ آدمية لسيدة راقدة على سرير خشبي، ومزوَّدة ببعض المتاع الجنائزي (2).
وفي نجع الدير عُثر على أجزاءٍ من حيوانات صغيرة — قد تكون غزلانًا — وذلك في دفناتٍ عدة بالجبَّانة، من مثل ما جاء في المقابر أرقام: 9097-7172-7525 -7097؛ إذ عُثر على بقايا دفناتٍ لحيوانات صغيرة، يُرجَّح أن تكون غزلانًا (3).
وفي أبيدوس عُثر في المقبرة رقم 14 بالجبَّانة M على جمجمة غزال، كانت قد أُلحِقت بدفنة آدمية تُؤرَّخ بعصر الأسرة الأولى. وفي المقبرة رقم 16 عُثر على ثلاثٍ من جماجم الغزلان أيضًا، كانت قد أُلحِقت بدفنةٍ آدمية أخرى (4).
هذا، وفي حلوان عُثر في المقبرة رقم 263H5 على جمجمة لغزال، كانت قد أُلحِقت أيضًا بدفنة آدمية (5). وربما عبَّرت هذه الجماجم بتواجدها في المقابر الآدمية عن نوعٍ من القربان الحيواني أو كأضحية حيوانية، أو ربما هي دفنات جزئية لغزالان، قُصد منها التعبير عن غرضٍ طقسي معيَّن، ذي دلالة رمزية؛ فقد تكون الجمجمة هنا جزءًا يعبِّر عن كلٍّ من:
المتاع الجنائزي
تنوَّع الأثاث الجنائزي الذي كان يُدفن مع الغزلان، ما بين أوانٍ فخارية، سكاكين أضاحي، صلايات إردوازية، فكما رأينا في المقبرة رقم 2666 بجبَّانة مطمر، نجد أنها قد زُوِّدت بأربعة من الأواني الفخارية، وثلاث سكاكين صغيرة من الصوان، ربما عبَّرت عن أنها سكاكين أضحية (6). ⋆ وكذلك في المقبرة رقم 2714 بنفس الجبَّانة، نجد أنه قد عُثر على خمسة من الأواني الفخارية زُوِّدت بها الدفنة. بينما عُثر على صلاية إردوازية في واحدة من دفنات الغزلان بالجبَّانة رقم 900 بمطمر (7). وربما كانت الصلاية والغزال جزءًا من المتاع الجنائزي الخاص بصاحب المقبرة.
وعُثر في أرمنت على دفنة لغزالٍ جمعت ما بين الأواني الفخارية، والصلاية الإردوازية؛ إذ عُثر في الدفنة رقم 1466 على تسعة من الأواني الفخارية، وصلاية إردوازية كنوع من المتاع الجنائزي (8). ربما كان للغزلان والمَعْز رمزيةٌ معينة ارتبطت بالجمال والزينة.
هذا من حيث نوعيةُ ما كانت تُزوَّد به دفنات الغزلان من أثاث جنائزي، أما من حيث النظر إلى الغزال نفسِه، كجزء من المتاع الجنائزي الخاص بالمتوفَّى، فنجد أنَّ هناك اهتمامًا بدفن قرون الغزلان — كجزء يعبِّر عن كلٍّ — وكجزء أيضًا من المتاع الجنائزي الخاص بالمتوفَّى؛ إذ عُثر في المقبرة رقم 653 بجبَّانة حلوان، التي تُؤرَّخ بعصر الأسرة الأولى، على ثلاثة من قرون الغزلان، كانت قد جاءت بدفنة آدمية لثلاثة من الرجال، وكان قد بدَت على اثنين من هذه القرون علاماتُ إصلاح وترميم، ولعل الاهتمام بترميم وإصلاح ما كُسِر من هذه القرون، لهو دليلٌ على أهميتها وشدة الاعتناء بها، وبالتالي رمزيتها لدى أصحابها، فلربما كانت هذه القرون جزءًا من المتاع الدنيوي الخاص بصاحب المقبرة، كان يزيِّن بها جدران حجرات منزله في حياته، فاصطحبها معه في مقبرته كي تكون معه في العالم الآخر، وربما كانت لها رمزيتها السحرية التي تجلب له الصيد الوفير، إذا ما كان صاحب المقبرة صيادًا محترفًا أو هاويًا (9).
تكفين الحيوان
كُفِّن الغزال في كثير من الأحيان بالحصير، على غِرار الدفنات الآدمية، وذلك كما جاء في جبَّانتَي المعادي وهليوبوليس (10). وكما جاء أيضًا في المقبرة رقم 2646 بجبَّانة مطمر (11).
هذا، ولقد حرص المصري القديم على وضْع الغزال في كثيرٍ من الأحيان في تابوتٍ خاص به، وذلك كما جاء في المقبرة رقم 3123 بجبَّانة مطمر، التي عُثر فيها على دفنةٍ لغزال كان قد وُضِع في صندوقٍ خاص به (12).
وجهة الحيوان
من كلِّ ما سبق ترى الدَّارسة أنَّ القاعدة المتَّبعة في دفن الغزال — في أغلب الأحوال — هي وضْعُه أسفلَ نهاية قدمَي المتوفَّى، أي إنَّ وضْعَ الغزال واتجاه جسمه في المقبرة، كان مرتبطًا بوضع واتجاه صاحب المقبرة، فإن كان رأس المتوفَّى إلى الشمال، كان الغزال إلى الجنوب، والعكس صحيح.
الغرض من دفن الغزال
إنَّ دفنات الغزلان على اختلاف أنواعها، سواء كانت كاملة أو جزئية، إنما هي دليلٌ على قدسية هذا الحيوان، لا سيما وأنه كان يُعتنى بتكفينه بالحصير، وتزويده بالقرابين الجنائزية على غِرار الدفنات البشرية (13).
ولقد تبيَّن بالدِّراسة أنَّ المصري القديم كان يهتم بدفن الغزلان، وكان يقتلها متعمدًا، ولقد وضَح ذلك فيما عُثر عليه بجبَّانةِ ما قبل الأسرات بوادي دجلة، من دفناتٍ لغزلان كان قد وضَح بها وجودُ ما يشبه الحزَّ أو القطعَ بالرقبة، وأيًّا ما كانت طريقة القتل، سواء كانت بالذبح أو بغير ذلك، فإنَّ ما يهمنا هنا هو أنَّ الغزلان كانت من الحيوانات التي اهتم بها المصري القديم، واعتُبرت من حيوانات الأضحية كقرابين (14).
وربما كانت الغزلان بذلك ترمز لأعداء الآلهة وأعداء إله الشمس؛ إذ شبَّهت كتبُ العالم الآخر المذنبين والملعونين بالحيوانات التي تُستخدم كأضحية، وذلك في عملية ذبحهم.
ولا أدلَّ على ذلك من صلاية حيوانات الشمس المكتشَفة بأساس معبد حورس في هيراكونبوليس (الكوم الأحمر/نخن)، متحف الأشموليان/أكسفورد؛ إذ يظهر على واجهة الصلاية اثنان من الكائنات ذات الرقبة الثعبانية وهما يلتهمان غزالًا يمثِّل هنا عدوَّ الشمس، وفي نفس الوقت يحميان بؤرةَ الصلاية الممثِّلة للشمس (15).
أما عن الغرض من دفن قرون الغزلان، فلربما كانت قد ارتبطت بقدسية هامة، وقوةٍ ما دون تحديد إله معيَّن (16)، وقد تكون تلك القرون بمثابةِ دفنة رمزية كتميمة يُرجى نفعها، لا سيما وأنه قد ظهرت إرهاصاتُ (17) ⋆ الاهتمامِ بمثل تلك الدفنات الرمزية منذ عصر حضارة البداري (18).
..............................................
(1) Brunton, G., Op. Cit., p. 13.
(2) Bard, K., “A quantitative analysis of the predynastic Burials in Armant cemetery 1400–1500” in: JEA, 74, 1988, p. 52.
(3) Lythgoe, L. M., The predynastic, cemetery N7000 Naga-ED-DER, part. 4, California, 1965, pp. 53, 54, 100, 339.
(4) Flores, D. V., Op. Cit., p. 112.
(5) Saad, Z. Y., Royal excavations at Helwan, Cairo, 1951, p. 32. وعن جماجم وقرون الغزلان ورمزيَّتها وارتباطها بمركب سوكر انظر: Saied, A. M., Op. Cit., p. 241.
(6) ⋆ كان السكين من أدوات نحْرِ الضحايا من الحيوانات، وكان له أغراضه السحرية والدينية الهادفة إلى وفرة الماشية ودرء شر الحيوانات الضارية (رضا محمد سيد أحمد، «العاج والمصنوعات العاجية»، ص255–258).
(7) Brunton, G., Op. Cit., pp. 13. , 14, 25.
(8) Bard, K., Op. Cit., p. 52.
(9) Saad, Z. Y., Op. Cit., p. 20؛ زكي سعيد، «الحفائر الملكية بحلوان»، ص75.
(10) Child, V. G., Op. Cit., p. 75; Behrens, H., Op. Cit., p. 76; Rizkana, M. A., Maadi IV, p. 93.
(11) Brunton, G., Matmar, pp. 13-14.
(12) Ibid., p. 16.
(13) Houlihan, F., The animal world of the Pharaohs, Cairo, 1996, p. 62.
(14) Moustafa, Y. Sh., “Preliminary Notice on gazelles from predynastic Wadi Digla” in: B. F. A., vol. 15, part 2, 1953, p. 213.
(15) أحمد سعيد، «نشأة الأشكال الخرافية»، ص8.
(16) أشرف زكريا، «التماثيل والتشكيلات الحيوانية، والحيوانية الطابع في مصر وبلاد الشرق الأدنى القديمة في عصورِ ما قبل التاريخ»، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية الآثار، جامعة القاهرة 2000م، ص390-391.
(17) ⋆ إذ عُثر في البداري على تميمةٍ من أقدم التمائم المعروفة، التي اتخذت هيئةَ رأس حيوان الوعل، وربما كان الغرض منها جعْلَ مَن يرتديها صيادًا ماهرًا لحيوانات الصحراء، أو قد يكون الغرض منها توفير القربان.
(18) Andrews, C., Amulets of ancient Egypt, London, 1994, p. 60.