كل قتال كان واجبا مثل قتال المشركين وأهل البغي ، أو مباحا مثل الدفع عن المال والنفس فإن صلاة الخوف فيه جائزة وتقصيرها صحيح.
وهي ان يصلى كل رباعية ركعتين كما قدمناه في صلاة السفر ، وصلاة الخوف بالتقصير أحق واولى بالقصر من صلاة المسافر لان هذه معها خوف وتلك لا خوف معها فهذه أحق بذلك.
واعلم ان هذه الصلاة لا تجب الا عند شروطها وهي ان يكون العدو في غير جهة القبلة ، ولا يتمكن المقابل [1] له الا بان يستدبر القبلة ، ويكون عن يمينه أو شماله ، أو يخاف من العدو عند اشتغالهم بالصلاة من الغدر بهم والارتكاب لهم [2] والانكباب عليهم ، وان يكون في المسلمين كثرة متى افترقوا طائفتين كان كل طائفة مقاومة للعدو حتى يفرغ الطائفة الأخرى من الصلاة فإذا حصلت هذه الشروط صحت صلاتها جماعة إذا أرادوها كذلك.
وقد يجوز ان يصليها الواحد منفردا، غير انهم إذا أرادوا صلاتها جماعة كما ذكرناه كان أقل ما يكون الطائفة معه طائفة ثلاثة [3] وقد ذكر ان هذا الاسم يصح تناوله الواحد.
ولا فرق في وجوب التقصير فيها بين ان يكون الخوف من عدو أو سبع أو غير ذلك.
فان كان الأمر على ذلك فهي على ضربين : أحدهما صلاة خوف والأخر صلاة شدة الخوف وهي التي يقول [4] فيها صلاة المطاردة والمسايفة.
« كيفية صلاة الخوف »:
فأما الأولى فصفتها ان يفترق الجماعة فرقتين فتقف فرقة بحذاء العدو وتقوم الفرقة الأخرى فتقف خلف الامام فصلى بهم ركعة ، فإذا قام إلى الثانية وقف قائماً وصلوا ـ هم ـ [5] الركعة الثانية وتشهدوا ثم سلموا ثم قاموا فوقفوا بحذاء العدو وتقدمت الفرقة الأخرى فوقفت خلف الامام وافتتحوا الصلاة بالتكبير فصلى بهم الإمام الركعة الثانية له وهي لهم اوله ، فاذا جلس للتشهد قاموا ـ هم ـ إلى الركعة الثانية لهم فصلوها فاذا فرغوا منها تشهدوا ثم يسلم الامام بهم وقد تمت صلاتهم.
وان كانت الصلاة صلاة المغرب فينبغي ان يفترقوا كما ذكرناه ، ويتقدم فرقة فتقف بحذاء العدو وتتقدم الفرقة الأخرى فتقف خلف الإمام فيصلي بهم ركعة ويقف في الثانية ، ويصلوا هم [6] الركعتين الباقيتين ويخففوا فيها ، فاذا سلموا وقفوا بحذاء العدو وتقدمت الفرقة الأخرى فوقفت خلف الامام وافتتحوا الصلاة بالتكبير وصلى بهم الثانية له وهي لهم اوله فاذا جلس للتشهد جلسوا معه وذكروا الله تعالى فإذا قام إلى الثالثة له قاموا معه وهي لهم ثانية فيصليها ، فاذا جلس للتشهد الثاني جلسوا معه وتشهدوا وهو أول تشهد لهم وخففوا في تشهدهم ثم قاموا الى الثالثة لهم فصلوها فاذا جلسوا للتشهد الثاني وتشهدوا ، سلم الامام بهم وانصرفوا.
ومن كان في حال هذه الحرب راكبا صلى على ظهر دابته بعد ان يستقبل بتكبيرة الإحرام القبلة، فصلى كيف ما دارت به الدابة ويسجد على قربوس سرجه فان لم يتمكن من السجود صلى إيماء وانحنى للركوع والسجود ، وجعل سجوده اخفض من ركوعه ان تمكن من ذلك.
« صلاة المطاردة »:
فأما صفة صلاة شدة الخوف وهي المطاردة والمسايفة وهي إذا كانت الحال ما ذكرناه كبر المصلى لكل ركعة تكبيرة. والتكبيرة أن يقول : « سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر».
فأما حكم السهو في هذه الصلاة فسنذكره في باب السهو بمشيئة الله سبحانه.
واعلم ان أخذ السلاح يجب على الطائفة ويجب ان يكون خاليا من نجاسة فإن كان على شيء منه ريش مما لا يؤكل لحمه كالعقاب والنسر لم يكن بأس.
فإن كان ثقيلا لم يمكن معه الركوع والسجود مثل الجوشن ، والكواعد [7] والمغافر السابغة [8] وما جرى مجرى ذلك كان مكروها.
والذي ينبغي أخذه من ذلك ما كان مثل السكين والسيف والقوس وغيره والرمح إذا لم يتأذ به أهل الصف فان كان عليه نجاسة لم يكن به بأس.
فإذا كان على السيف الصيقل نجاسة ومسح بخرقة كانت الصلاة فيه جائزة. وفي أصحابنا من قال بان ذلك جائزة على كل حال لأنه إذا مسح بالخرقة فقد طهر ، وعندي انه لا يطهر بذلك ، لكن الصلاة فيه جائزة كما قدمناه لأنه مما لا يتم الصلاة فيه منفردا.
ومن صلى مع شدة الخوف ركعة وهو راكب ثم أمن فينبغي ان ينزل عن دابته ويتم ما بقي من صلاته على الأرض فإن كان آمنا وصلى ركعة على الأرض ثم لحقته شدة الخوف فليركب ويتم ما بقي عليه من الصلاة راكبا، هذا جائز ما لم يستدبر القبلة، فإن استدبرها كان عليه استئناف الصلاة.
وإذا كان بين المقاتلة حائط أو خندق وخافوا ان ينقب العدو عليهم الحائط أو يطم الخندق إذا تشاغلوا بالصلاة، جاز لهم ان يصلوا إيماء، هذا إذا ظنوا ذلك قبل ان يصلوا وان ظنوا انهم لا يفعلون ذلك الا بعد فراغهم من الصلاة لم يجز لهم ان يصلوا صلاة شدة الخوف.
وإذا رأوا سوادا فظنوه عدوا جاز ان يصلوا صلاة شدة الخوف إيماء ، فان لم يكن ما رأوا صحيحا لم يكن عليهم اعادة ، وإذا شاهدوا العدو فصلوا صلاة شدة الخوف ، ثم بان لهم ان بينهم نهرا كبيرا أو خندقا لا يصلون إليهم معه ، فليس عليهم اعادة.
والعدو إذا كان في جهة القبلة والناس في مستو من الأرض لا يسترهم شيء ولا يمكنهم أمر يخاف منه وكان المسلمون كثيرين لم يجب عليهم صلاة الخوف ولا صلاة شدة الخوف.
وإذا كان المسلمون كثيرين ويصح ان يفترقوا طائفتين وكل طائفة منهما يقوم بالعدو، جاز للإمام ان يصلى بالطائفة الواحدة، الركعتين ثم يصلى بالطائفة الأخرى ركعتين آخرتين، ويكون هاتان الركعتان له نافلة ولهم فريضة.
وإذا كان يوم الجمعة وكان عددهم العدد الذي تنعقد به الجمعة جاز للإمام ان يصلى بهم الركعتين بان يخطب بالطائفة الاولى ويصلى بهم ركعة، ثم يصلوا ـ هم ـ الركعة الأخرى، ثم يقوم مقام أصحابهم فيصلي بهم الركعة الأخرى على ما قدمناه، وان لم يبلغوا العدد الذي ذكرناه لم ينعقد لهم هذه الصلاة صلاة جمعة بل يصلوها ظهرا وان بلغت الطائفة الأولى العدد المذكور وخطب بهم [9] وكان في الطائفة الأخرى العدد أيضا كاملا لم يصح ان يصلى بهم جماعة إلا بعد ان يعيد الخطبة لأن الجمعة لا تنعقد مع تمام العدد إلا بخطبة فإن صلى بالأولى صلاة الجمعة كاملة لم يجز ان يصلى الأخرى صلاة جمعة بل يصلى بهم ظهرا.
وإذا انهزم المشركون وطلبهم المسلمون لم يجز ان يصلوا صلاة الخوف لان الخوف قد ارتفع وليس مشاهدتهم بأمارة لحصول الخوف.
ومن فر من الزحف وصلى صلاة شدة الخوف كان عليه الإعادة إذا كان عاصيا بفراره فان كان متحيزا الى فئة أو متحرفا لقتال لم يلزمه الإعادة، وانما يكون عاصيا بفراره من الزحف إذا فر من اثنين أو أقل منهما فأما ان كان من أكثر من اثنين فإنه لا يكون عاصيا وكانت صلاته جائزة.
__________________________
[1] في بعض النسخ « المقاتل » بدل « المقابل ».
[2] ارتكب الأمر : اقتحمه متهورا.
[3] معناه : ان أقل عدد تصدق عليه الطائفة ، ثلاثة.
[4] كذا في النسخ والظاهر « يقال ».
[5] الضمير ضمير الفصل.
[6] في النسخ « يصلوا بهم » والظاهر انه تصحيف والصحيح ما أثبتناه.
[7] الظاهر انه السواعد ذكره الجاحظ في البيان والتبيين ج 3 ص 42 وقال « ولا الجواشن ولا السواعد » وهي ما يلبس على الساعد من حديد أو ذهب.
[8] مغفر سابغ : طويل يستر الجبهة.
[9] أي من غير ان يصلى بهم ، قال في المنتهى ج 1 ، ص 406 : لو خطب بالطائفة الاولى ولم يصل بهم ثم مضوا الى العدو وجاءت الطائفة الثانية قال الشيخ لا يجوز ان يصلى بهم الجمعة الا ان يعيد الخطبة.