الحديث الحادي والثمانون:
ما رويناه بالأسانيد عن المحقّق المحدّث البحرانيّ، قال في بعض الأخبار: "وأوصى عيسى بن مريم إلى شمعون بن حمون الصفا، وأوصى شمعون إلى يحيى بن زكريا" (1).
قال: وهذا بظاهره ينافي ما في الكافي بقوله: عليّ بن محمّد عن بعض أصحابنا، عن عليّ بن الحكم، عن عبد اللَّه بن سليم العامريّ، عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال: «إنّ عيسى بن مريم جاء إلى قبر يحيى بن زكريا - وكان سأل ربّه أن يحيي له يحيى - فدعاه فأجابه وخرج له من القبر، فقال: ما تريد منّي؟ فقال: أريد أن تؤنسني كما كنت في الدنيا. فقال له: يا عيسى، ما سكنت عنّي حرارة الموت، وأنت تريد أن تعيدني وتعود إليّ حرارة الموت؟! فتركه وعاد إلى قبره» (2).
وهذا الخبر قد سأل به بعض الفضلاء الشيخ أحمد بن عبد السلام البحرانيّ (3) يوم الجمعة، فأجاب بما لفظه: وجهٌ لدفع التناقض - بما وصل إليه فهم أحمد بن عبد السلام البحرانيّ لا زالت فضائلكم مشهورة وبيوتكم بأنوار الإفادة معمورة -: على تقدير تسليم الحديثين وإنّهما خارجان من آفاق الصدق وبازغان من مطلع الحقّ، يمكن دفع التنافي المفهوم من ظاهرهما بأنّ عيسى (عليه السلام) حيث كان باقياً بنشأته الصوريّة في عالم الأفلاك إلى آخر الزمان، كانت الوصيّة الصادرة من عيسى إلى شمعون عند خروجه بـقالبه الصوريّ إلى السماء، وسؤاله ربّه أن يحيي له يحيى بعد وصيّة شمعون إليه وشهادته على يد الأشقياء، ولا محذور في ذلك، بل لولا ذلك لوقع التنافي في الحديث الثاني بعضه ببعض كما يظهر لك أخيراً .فإن قيل: هذا الكلام يخالف الظاهر في الحديث الثاني: أنّ عيسى بن مريم جاء إلى قبر يحيى بن زكريّا؛ لأنّ الظاهر من ذلك أنّ وقوع ذلك يوم إذ كان عيسى في العالم العنصريّ قبل عروجه إلى العالم الفلكيّ .فالجواب: أنّ عروجه إلى العالم الفلكيّ غير مانع من ذلك، فإنّ المفهوم من الروايات أنّه يزور قبور الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) ولا استحالة في ذلك؛ إذ مجيئه إلى قبور شركائه في النبوّة والولاية أقرب مدركاً من الحكم بمجيء الأرواح المفارقة لأجسادها في هذه النشأة، مع ثبوت ذلك بالروايات الصحيحة الصريحة .
على أنّ الظاهر من الحديث أنّ المجيء إلى القبر مجيء روحانيّ أو مثاليّ لا صوريّ. وكذا إجابة يحيى وخروجه من القبر إليه؛ إذ لو كان ذلك محمولًا على هذه النشأة العنصريّة والحياة الفانية لم يكن لاستعفاء يحيى من العود المتعلّق بالقالب الصوريّ وجه يركن إليه، ولم يكن لتعليقه عدم قبوله للتعلّق الجسمانيّ بالخوف من حرارة الموت معنى يعتمد عليه؛ لأنّ حمله على ظاهره يستدعي وقوع التعلّق الجسمانيّ وحصول المغايرة التي كانت موجودة قبل الموت، فكيف يتحقّق الاستعفاء ممّا وقع؟ أم كيف يعلّل طلب الاستعفاء بالخوف من لحوق حرارة الموت الذي لا بدّ من وقوعه على تقدير عوده إلى حالته التي كان عليها من المفارقة الواقعة قبل طلب عيسى؟ فعلمنا من ذلك كلّه أنّ سؤال عيسى وإجابة يحيى وخروجه كلّ ذلك إمّا في عالم الأرواح أو عالم المثال، حينئذٍ فلا يتحقّق التنافي بين الحديثين، وهذا ما وعدنا به سابقاً بقولنا: كما يظهر لك أخيراً، واللَّه أعلم بالصواب. وفي الحديثين بحث طويل لا يسع المقام ذكره، والسلام (4). انتهى.
أقول: لعلّ البحث الطويل الذي أشار إليه ما فيه من الإشكال من أنّه منافٍ للأخبار المستفيضة الدالّة على أنّ أجساد الأنبياء لا تبقى في الأرض أكثر من ثلاثة أيّام أو أربعين يوماً، وقد تقدّم الكلام في ذلك مستقصى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الدرر النجفيّة، ج 3، ص 379 .
(2) الكافي، ج 3، ص 260، باب النوادر، ح 37؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 6، ص 170، ح 47؛ وج 14، ص 347، ح 7 .
(3) قال المحقّق البحراني: هذا الشيخ المجيب كان من أجلّاء فضلاء بلاد البحرين، وكان هو الخطيب لشيخنا علّامة الزمان الشيخ عليّ بن سليمان القدي البحراني يوم الجمعة؛ لأنّه كان خطيباً مصقعاً (بليغاً). الدرر النجفيّة، ج 3، ص 381.
(4) الدرر النجفيّة، ج 3، ص 379 - 381.