كان للتابوت المعهود صفات خاصة يتميّز بها، نشير إليها في ما يلي:
1. تسكين قلوب بني إسرائيل: كان التابوت المعهود سبباً في تسكين وطمأنينة قلوب بني إسرائيل: (فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ) [البقرة: 248].
ولبيان معنى السكينة لا بد من الحديث عن ثلاثة مواضيع، هي: معناها، وأنواعها، والمبدأ الفاعلي لها.
أ. معنى السكينة: يقصد بالسكينة عند استعمالها في التعبير القرآني معنى الاستقرار والطمأنينة الإيمانية؛ خصوصاً في جبهات الصراع عندما تشنّ الشبهات والشهوات هجماتها على المقاتلين، فيلقيها الله في قلوب المؤمنين كي يبدّل اضطرابهم طمأنينة: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [الفتح: 4].
ب. أنواع السكينة: يقع الإنسان أحياناً في شكٍّ من الناحية العلمية، فلا يتمكن من الجزم في موضوع من المواضيع؛ فتكون النتيجة اضطرابه من الناحية النظرية.
وفي أحيان أخرى يتمكن من تحرير نفسه من الشكوك، ويصل إلى حد الجزم من الناحية العلمية، لكنّه عند الانتقال إلى مرحلة العمل يقع في أسر الترديد. وفي هذه الحالة يكون الإنسان مبتلى بالاضطراب العملي، كالعالم المذنب الذي لا يفتقر إلى الجزم من الناحية العلمية والنظرية، إلّا أنه لم يتوفّق للعزم في شؤون العقل العملي. و(العزم) وظيفة العقل العملي، فحيثما كان الحديث عن الإرادة والنية والإخلاص، برزت الحاجة إلى العزم الذي يتكفّل باجتثاث الترديد العملي وإزالة آثاره. أما عند الشك والوهم والظنّ فالجزم هو الكفيل باجتثاثها، وهو ما يختص العقل النظري بتوفيره.
إن الإنسان لو تمكن من التحرر من قيود الشك. والشبهة والوصول إلى الجزم في المراحل النظرية، كان اطمئنانه محصوراً بهذا القسم فقط، فيجب عليـه أن يسعى إلى التحرّر في مرحلة العمل أيضاً من قيود الاضطراب الناتج من الشهوة والغضب والأمل والخوف، وأن يكون من أهل العزم كي يحصل على الاطمئنان. وهكذا يكون لكل من الجزم والعزم قاطع طريق مناسب له، يكون التحرر من قيوده سبباً في الفوز بالسكينة.
ولقد كان التابوت المعهود باعتباره معجزة إلهية قادراً على تسكين اضطراب بني إسرائيل العملي الناتج من الشهوة والغضب والأمل والخوف، تماماً كما يمكن لتوفير الأسلحة الدفاعية للجيش أن تزرع الاطمئنان في نفوس القوات.
ج. المبدأ الفاعلي للسكينة: لا يمكن الحصول على السكينة والاطمئنان القلبي بالدراسة والتحقيق، ولا عن طريق مطالعة الكتب والنصوص، رغم عدم إنكارنا لتأثيرها بل إن الله. باعتباره مبدأ فاعلياً بالأصالة. هو الذي يُنزل السكينة، فيتلقاها قلب المؤمن الذي هو المبدأ القابلي لاحتضان السكينة، في حين تكون الملائكة وجنود الله هي المبادي القريبة من السكينة وهي التي تلقيها في قلوب المؤمنين: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [الفتح: 4].
وجاءت الإشارة في جملة فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فقط إلى المبدأ الـفـاعلي للسكينة، في حين كان الحديث في بعض الآيـات الأخـرى عن أصـل إنـزال السكينة، وكذلك عن إنزالها في قلب الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [الفتح: 26] و(لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) [الفتح: 18].
2. تضمنه لبقايا من تركه عائلة موسى وهارون عليهما السلام: كان التابوت المعهود يحتوي على شيء من تركه موسى وهارون عليهما السلام وأهل بيته وأبنائه مثل عصا موسى عليه السلام وبعض الألواح من التوراة فكان لذلك أثره في سكينة نفوس بني إسرائيل[1].
وقد ذهب البعض الى أن المقصود من آل موسى وآل هارون في آية (مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ) [البقرة: 248] هو شخصا موسى وهارون[2]، لكن يبدو أن الاستفادة الجامعة هي الانسب.
3. الملائكة تحمل التابوت: كان حاملو السكينة الالهية هم الملائكة: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الفتح: 4].
كما أن التابوت المعهود قد صار في حيازة بني اسرائيل نتيجة لعملية غيبية كان الوسطاء فيها هم الملائكة الإلهيين: (تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ) [البقرة: 248].
وفي هذا المجال لا بد من الإشارة إلى البعد التاريخي للقصة، وأن حمل الملائكة كان حملاً معنوياً:
أ. قيلت الكثير من الأساطير حول كيفية مجيء التابوت، وهي تفيد أن التابوت كان قد سرق من يد الفلسطينيين، وكانت نتيجة ذلك أن ابتلي السراق بأنواع من العذاب، مما حدا بهم إلى السعي للنجاة من هذا العذاب فوضعوا التابوت على ثورين وأخرجوه من مدينتهم وتلا ذلك قيام الملائكة بهداية الثورين وتوجيههما نحو بني إسرائيل[3].
ولا يتوفر لهذه القصة سند قطعي من القرآن، كما لم تؤيدها الروايات الصحيحة أيضاً، بل هي: تخالف ظاهر جملة (تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ) [البقرة: 248] التي نسبت الحمل إلى الملائكة؛ لذا لا يمكن الاعتماد على هذه الرواية.
ب. إن حمل أي شيء يجب أن يكون مناسباً لوضعية ذلك الشيء، فكما أنّ المقصود من حمل العرش الإلهي ليس أن الملائكة تحمل العرش كما يُحمل السرير على الأكتاف، بل إن حملة العرش هم منفذو حكم الله الذي هو سلطان عالم الوجود؛ لأن العرش يعني مقام السلطنة، وحملة العرش هم. حملة الأوامر الإلهية. كما أن المراد من القول بأنّ الإنسان المتدين يحمل الدين، والإنسان غير المتشرع يأبى عن حمل الدين ليس هو الحمل المادي والجسماني، لأنّ الدين ليس جسما: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) [الجمعة: 5].
أما تفسير حمل التابوت بواسطة الملائكة بمعنى الهداية والقيادة والسوق وما شابه ذلك، فهو تفسير مقبول ومعقول أيضاً؛ مثلما تُحمل الغيوم الممطرة من منطقة إلى منطقة أخرى؛ وهكذا يصير تشبيه حمل التابوت بحمل الغيوم تشبيهاً ممكناً.
[1] راجع: البحث الروائي لهذه الاية وكذلك تفسير البحر المحيط ج2 ص270-271.
[2] التفسير الكبير مج3 ج6 ص178.
[3] راجع جامع البیان، ج 2، ص 404-807.