المرجع الالكتروني للمعلوماتية
المرجع الألكتروني للمعلوماتية

القرآن الكريم وعلومه
عدد المواضيع في هذا القسم 16490 موضوعاً
تأملات قرآنية
علوم القرآن
الإعجاز القرآني
قصص قرآنية
العقائد في القرآن
التفسير الجامع
آيات الأحكام

Untitled Document
أبحث عن شيء أخر

الأفعال التي تنصب مفعولين
23-12-2014
صيغ المبالغة
18-02-2015
الجملة الإنشائية وأقسامها
26-03-2015
اولاد الامام الحسين (عليه السلام)
3-04-2015
معاني صيغ الزيادة
17-02-2015
انواع التمور في العراق
27-5-2016


تنظيم الخطاب وترتيبه  
  
3171   07:03 مساءاً   التاريخ: 2-03-2015
المؤلف : خلود عموش
الكتاب أو المصدر : الخطاب القرآني
الجزء والصفحة : ص256-267.
القسم : القرآن الكريم وعلومه / علوم القرآن / مواضيع عامة في علوم القرآن /


أقرأ أيضاً
التاريخ: 9-11-2014 2155
التاريخ: 2-03-2015 2300
التاريخ: 2024-02-14 753
التاريخ: 2023-12-16 846

نقصد بتنظيم الخطاب كيفية مجي‏ء الموضوعات وتتابعها، وتلاصقها ضمن تنظيم معيّن، وقد تبيّن لنا من خلال مجي‏ء الموضوعات وترابطها في المبحث السابق أنّ المفسّرين قد خلصوا إلى أنّ الخطاب القرآني مبني بطريقة محبوكة جدا. وأنّ الموضوع الرئيسي للسورة يتفرّع إلى موضوعات، وأنّ هذه الموضوعات تتخصّص كلّما تقدّمنا في قراءة النصّ، فالنصّ ابتدأ مثلا بسرد النعم العامة لسائر البشر، ثم استرسل مستعرضا نعمه تعالى الخاصّة ببني إسرائيل، وفي هذا خصّص القول عن الأسلاف ثم عن الخلف ..

ويتجلّى هذا في وضع العنأو ين الفرعيّة لكلّ موضوع عند الرازي مثلا، ويتتبّع التفاصيل الخاصة للموضوع آية آية، فمن عنأو ينه التي يضعها : " القول في النعم الخاصّة ببني إسرائيل"، وحين يحدّد العنوان العام يشرع في التفسير بقوله : " اعلم أنّ هذه هي النعمة الأولى، أو الثانية، أو الثالثة ... ثم موضوع" أحكام النساء" الذي يخصّصه بعنأو ين مثل : " أحكام الطلاق" و" أحكام الحيض" و" أحكام الرضاعة " ....

وفي هذا الإطار كذلك نلحظ اهتمام المفسّرين بتغيّر موضوع الخطاب مشيرين كلّما كان ذلك واردا إلى التغير أو الانتقال دون انفصال المنتقل إليه انفصالا نهائيا عن الموضوع العام، ومن أمثلة ذلك عند الرازي تفسيره للآية (66) من سورة البقرة، قال  :

" اعلم أنّه تعالى لمّا عدّد وجوه إنعامه عليهم أولا، ختم ذلك بشرح بعض ما وجّه إليهم من التشديدات، وهذا النوع الأول‏ «1» (الوارد في الآية 66). فإذا نظرنا إلى الآيات التي تقدّمت الآية (66) وجدنا انها تتمحور حول إنعاماته تعالى على بني إسرائيل، بينما الآية (66) والتي تليها مرتكزة على تشديدات منه تعالى عليهم أو جبها عصيانهم. وقبل هذا الموضع نجده يذكر تحت عنوان : " سرّ ترتيب الآيات الأربع الأولى يقول : " بيانه أنّه نبّه أولا على أنّه الكلام المتحدّى به، ثم أشير إليه بأنّه الكتاب المنعوت بغاية الكمال، فكان تقريرا لجهة التحدّي، ثم نفى عنه أن يتشبّث به طرف من الريب، فكان شهادة بكماله، ثم أخبر عنه بأنّه هدى للمتقين، فقرّر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله، ثم لم يخل كلّ واحدة من هذه الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق من نكتة؛ ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه. وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف. ووضع المصدر- الذي هوهدى- موضع الوصف الذي هوهاد، وإيراده منكّرا" «2». إن هذا النص يكشف عن عناية المفسّرين بترابط الخطاب موضوعيّا، والنظر في آلية هذا الترابط، ومنها الترتيب، وانظر إلى عبارة الرازي " الترتيب الأنيق " وتنظيم الخطاب تنظيما منطقيا مقبولا مستحبا " بألطف وجه ".

ونجد هذه العناية كذلك في تقسيم الرازي لموضوعات سورة البقرة حين يقول  :

" اعلم أنّه سبحانه وتعالى لمّا أقام دلائل التوحيد و...... ثم عقّبها بذكر الإنعامات العامّة لكلّ البشر، ثم عقّبها بذكر الإنعامات الخاصة على أسلاف اليهود كسرا لعنادهم، ولجاجهم بتذكير النعم السالفة، واستمالة لقلوبهم بسببها وتنبيها على ما يدلّ ... وذكّرهم تلك النعم أولا على سبيل الإجمال ... وفرّع على تذكيرها الأمر بالإيمان، ثم عقبها بذكر الأمور التي تمنعهم عن الإيمان به. ثم ذكّرهم تلك النعم على سبيل الإجمال ثانيا، تنبيها على شدّة غفلتهم، ثمّ أردف هذا التذكير بالترغيب البالغ بقوله : { واتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي‏ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً} ثمّ شرع بعد ذلك في تعديد تلك النعم على سبيل التفصيل، ومن تأمّل وأنصف علم أنّ هذا هوالنهاية في حسن الترتيب لمن يريد الدعوة وتحصيل الاعتقاد في قلب المستمع" «3». وحين يفسر الآية { واتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً} يقول : " بقي على هذا الترتيب سؤالان ..." «4».

وحين يصل إلى قوله تعالى {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ} [البقرة  :  54] , قال : " اعلم أنّ هذا الإنعام الخامس" «5». وكان بذلك يردّ على قول بعض المفسّرين إنّ هذه الآية وما بعدها منقطعة عمّا تقدّم من التذكير بالنعم، وذلك لأنها أمر بالقتل ، والقتل لا يكون نعمة وأول ذلك بقوله  :  " وهذا ضعيف من وجوه أحدها أنّ اللّه نبّههم على عظم ذنبهم ، ثم ينبّههم على ما به يتخلّصون من ذلك الذنب العظيم، وذلك من أعظم النعم في الدين ..." «6».

إنّ الخطاب القرآني لدى الرازي منسجم مترابط، مترتّب ترتيبا منطقيّا وموضوعيّا ، وحين يبدوالأمر كأنّ فيه انقطاعا يسارع إلى توضيحه وتفسيره متكئا على البنى الدلالية المكوّنة للموضوع الكليّ. ويتعلّق بهذا ترتيب مفردات الجملة الواحدة أيضا ، ومنه قول الرازي في تفسيره للآية (82) قال : " إنّما أردف عبادة اللّه بالإحسان إلى الوالدين لوجوه  :  أحدهما أنّ نعمة اللّه تعالى على العبد أعظم النعم، فلا بدّ من تقديم شكره على شكر غيره، ثمّ بعد نعمة اللّه فنعمة الوالدين أعمّ النعم، وذلك لأنّ الوالدين هما الأصل" «7». ثمّ في الآية نفسها يشرح الرازي سرّ ترتيب الآية (82) ، ولماذا قدّم اللّه اليتامى على المساكين ، يقول  :  " إنّما تأخّرت درجتهم (المساكين) عن اليتامى لأنّ المسكين قد يكون بحيث ينتفع به في الاستخدام ، فكأنّ الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى مخالطة اليتامى، ولأنّ المسكين أيضا يمكنه الاشتغال بتعهّد نفسه ومصالح معيشته، واليتيم ليس كذلك فلا جرم قدّم اللّه ذكر اليتيم على المسكين " «8».

وحين يصل إلى ذكر قصة سيّدنا إبراهيم {وإِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ ...} حأول أن يربطها بما قبلها عن طريق ترتيب الموضوعات، وتنظيمها تنظيما عضويّا موضوعيّا قال  :

" اعلم أنّه سبحانه لما استقصى في شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل، ثمّ في شرح قبائحهم في أديانهم وأعمالهم، وختم هذا الفصل بما بدأ به وهو قوله  :  { يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ ...} إلى قوله { ولا هُمْ يُنْصَرُونَ}. شرع سبحانه وتعالى هاهنا في نوع آخر من البيان، وهوأن ذكر قصّة إبراهيم عليه السلام وهو شخص يعترف بفضله جميع الطوائف والملل، فالمشركون كانوا معترفين بفضله متشرّفين بأنّهم من أولاده، ومن ساكني حرمه، وخادمي بيته، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا أيضا مقرّين بفضله ... فحكى اللّه سبحانه عن إبراهيم أمورا توجب على المشركين واليهود والنصارى قبول قول محمّد عليه الصلاة والسلام ..." «9».

أمّا ابن عاشور فإنّه يعبّر عن تغيير الموضوع تارة صراحة وتارة ضمنا، فإنّه عبّر عنه صراحة حين استعمل قوله" الانتقال من .... إلى ..." وإن عبّر عنه ضمنا أشار إلى دواعي الفصل عن النوع الأول ونورد هنا المثال التالي : " انتقال من الإنحاء على بني إسرائيل في أفعالهم مع الرسول موسى عليه السلام بما قابلوه به من العصيان، والتبرّم والتعلّل في قبول الشريعة ... إلى الإنحاء عليهم بسوء مقابلتهم للرسل الذين أتوا بعد موسى مثل يوشع وإلياس ..." «10». فالخطاب عند ابن عاشور يدور حول موضوع الإنحاء باللائمة على بني اسرائيل إلّا أنّه يميّز في ذلك بين مرحلتين ، والطريقة الثانية التي يشير ابن عاشور بها إلى تغيير موضوع الخطاب تبرز في قوله  :  " قطعت هاته الجملة (6) عن التي قبلها لأنّ بينهما كمال الانقطاع؛ إذ الجمل السالفة لذكر الهدى والمهتدين، وهذه لذكر الضالين ..." «11». وربّما كان المثال الأخير أبلغ في التعبير عن تغيّر موضوع الخطاب من الأول، لأنّ في الأول استمرارا لعنصر وارد في الخطاب السابق، بينما الصلة منقطعة في الثاني بين محتوى الخطابين (الهدى/ الضلال).

على أنّ تفسير الزمخشري لم يخل من الإشارة إلى هذا المظهر الذي يمكن رصده في المستوى السطحي للخطاب (تغيّر المحتوى يخلّف أثرا شكليّا) " فإن قلت  :  لم قطعت قصّة الكفار عن قصّة المؤمنين ، ولم تعطف كنحوقوله (إنّ الأبرار لفي نعيم ، وإنّ الفجّار لفي جحيم " وغيره من الآي الكثيرة ؟ قلت  :  ليس وزان هاتين القصتين وزان ما ذكرت لأنّ الأولى فيما نحن فيه مسوقة لذكر الكتاب، وأنّه هدى للمتّقين، وسيقت الثانية لأنّ الكفار من صفتهم كيت وكيت، فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب، وهما على حدّ لا مجال فيه للعطف" «12».

إنّ السياق اللّغوي للنصّ يسير وفق منهجيّة معيّنة يراعى فيها تسلسل الموضوعات وفقا لغرض الخطاب، وإنّ تباين الأسلوب والغرض في اي مرحلة من مراحل سيرورة الخطاب يفرض تغيير خطّ سير الخطاب- إن جاز التعبير- وفقا لما يراه الزمخشري. وتتبدّى نظرة الزمخشري العميقة إلى مسألة ترتيب الخطاب في شرحه لسرّ ترتيب الآيات الأولى من سورة البقرة، فهويرى أن‏ (الم) جملة برأسها، و(ذلِكَ الْكِتابُ) جملة ثانية و(لا رَيْبَ فِيهِ) ثالثة، و(هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) رابعة، ثم يقول  :  " وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة ، وموجب حسن النظم" «13».

وفي تفسيره لتقديم الأولياء على المردة من الكفار يقول  :  " لمّا قدّم ذكر أوليائه وخالصة عباده بصفاتهم التي أهّلتهم لإصابة الزلفى عنده ... قضّى على أثره بذكر أضدادهم وهم العتاة المردة من الكفّار الذين لا ينفع فيهم الهدى، ولا يجدي عليهم اللطف ، وسواء عليهم وجود الكتاب وعدمه ، وإنذار الرسول وسكوته " «14». وفي تفسيره للآية (20) { يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ} قال  : {كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ} استئناف ثالث ..." «15».

وفي تفسيره للآية (22) :   { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً، والسَّماءَ بِناءً، وأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً، وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.

قال : " قدّم سبحانه من موجبات عبادته، وملزمات حقّ الشكر له، خلقهم أحياء قادرين أولا لأنّه سابقة أصول النعم ومقدّمتها، ... ثمّ خلق الأرض التي هي مكانهم ومستقرّهم، ثمّ خلق السماء التي هي كالقبّة المضروبة ثم ما سوّاه عز وجل من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلّة بإنزال الماء منها عليها، والإخراج به من بطنها (أشباه النسل المنتج من الحيوان، من ألوان الثمار رزقا لبني آدم ..." «16». وللطبري كذلك إشاراته إلى مسألة ترتيب الخطاب وتنظيمه، من خلال ربط الآيات بما قبلها، وربط الموضوعات بإشارة سابقة في النصّ، ولكن ليس بمثل جلاء هذه المسألة عند الرازي والزمخشري وابن عاشور. ويكرّر المفسّرون الآخرون معظم هذه النقول التي ذكرناها.

ولا شكّ أنّ لترتيب الوقائع والأحداث في الخطاب حسب وقوعها في الخارج (في المقام) أهميّة في انسجام الخطاب وتوافقه، وكثيرا ما يؤدي تداخل الترتيب في خطاب ما إلى عدم انسجام الخطاب. وقد اعتنى المفسّرون كلّ من زأو ية اهتمام معينة بترتيب الخطاب، فمنهم من اهتمّ بفائدة قلب الترتيب، ومنهم من اهتمّ بسبب ترتيب الخطاب، ومن شواهد ذلك عند الزمخشري في تفسيره للآيات (67- 73) قال  :  " فإن قلت " فما للقصّة لم تقصّ على ترتيبها، وكان حقّها أن يقدّم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها، وأن يقال : " وإذ قتلتم نفسا فادّارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها، قلت :  كل ما قصّ من قصص بني إسرائيل، إنّما قصّ تعديدا لما وجد منهم من الجنايات وتقريعا لهم عليها. ولما جدّد فيهم من الآيات العظام، وهاتان قصّتان كلّ واحدة منهما مستقلّة بنوع من التقريع وإن كانتا متّصلتين متّحدتين :  فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال، وما يتبع ذلك، والثانية للتقريع على قتل النفس المحرّمة وما يتبعه من الآية العظيمة، وإنّما قدّمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنّه لوعمل على عكسه لكانت قصّة واحدة، ولذهب الغرض من تثنية التقريع، ولقد روعيت نكتة بعد ما استؤنفت الثانية استئناف قصّة برأسها أن وصلت بالأولى دلالة على اتّحادها بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله" اضربوه ببعضها"، حتى يتبيّن أنّهما قصّتان فيما يرجع إلى التقريع وتثنيته بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها، وأنّها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة" «17». فالترتيب الذي يقترحه المتسائل هوأن يقدّم ذكر المقتول ثمّ يعقّب بالأمر بالذبح ثم يأتي في الختام الأمر بضرب المقتول ببعضها إنّ هذا الترتيب يسلك سبيل ترتيب الوقائع في الخطاب حسب حدوثها في العالم الخارجي، أمّا الإجراء الذي يقوم به الزمخشري تبريرا لترتيب الخطاب على هذا النحوفهوالنظر إلى الهدف الذي سيقت له جميع قصص بني إسرائيل في القرآن، وهوالتقريع على مقابلتهم الطيّب بالخبيث والعصيان بدل الطاعة، ومن ثمّ فإن قصّة البقرة مرتبطة بالهدف العام من تلك القصص، وقد تحكّم الهدف في جعل القصّة قصّتين لأجل تثنية التقريع، أي التنصيص على ذنبين اثنين :  الأول :  المماطلة في تنفيذ أمره تعالى، والثاني :  قتل النفس المحرّمة ممّا جعلهما من هذه الزأو ية قصّتين، ولكنّهما من ناحية أخرى قصّتان متّحدتان متّصلتان، أمّا الذي ضمن الاتصال فهوالضمير المحيل إلى البقرة، ومن خلال استمرار أحد العناصر المتقدم في القصّة الثانية. نخلص من هذا إلى أن الزمخشري تنبه أولا إلى أنّ القصّة كما هي في الخطاب وقع فيها التقديم والتأخير، وثانيا أن قلب الترتيب تحكّم فيه مقصد المتكلم وهوتثنية التقريع الذي ينتج عنه إشعار المتلقي بالذنب العظيم الذي ارتكبه المعنيّ بالقصّة. ومعنى هذا أنّ المقصديّة وهي مبدأ تدأولي هي التي زحزحت الترتيب الأصلي بل قلبته، وقد نشير إلى أن المخاطب بهذه الآيات يأتي في مستويين :  المستوى الأول هومستوى الخطاب والمخاطب المباشر فيه هم بنوإسرائيل. والمستوى الثاني هوالمقام والمخاطب المباشر فيه هم المسلمون، وإذا كان هدف الخطاب تقريع بني إسرائيل فإنّ هدفه بالنسبة للمخاطب المقامي هي التحذير من مغبّة إتيان ما أتاه هؤلاء من أفعال منكرة، مجملها عصيانه تعالى ممّا استوجب غضبه عليهم وكشف صورة اليهود المعاصرين للرسول الكريم في المدينة المنورة.

أما اهتمام الرازي فقد انصبّ على سبب الترتيب، وهوهنا غير مرتبط بالأحداث وكيفيّة حدوثها، ومراعاة ذلك في إنتاج الخطاب، وإنّما هومرتبط بترتيب العناصر في الخطاب، ومحأولة البحث في سبب ذلك الترتيب، وهذا ما سنعمل على إظهاره من خلال تفسيره للآيتين (21- 22) قال الرازي : " إنّ اللّه تعالى ذكر هاهنا خمسة أنواع من الدلائل :  اثنين من الأنفس، وثلاثة من الآفاق فبدأ أولا بقوله (خلقكم) وثانيا بالآباء والأمّهات ... وثالثا بكون الأرض فراشا ورابعا بكون السماء بناء، وخامسا بالأمور الحاصلة من مجموع السماء والأرض ... ولهذا الترتيب أسباب :  الأول :  أنّ أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، وعلم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره، وإذا كان الغرض من الاستدلال إفادة العلم فكلّ ما كان أظهر دلالة كان أقوى إفادة، وكان أولى بالذكر، فلهذا قدّم ذكر الإنسان، ثم ثنّاه بآبائه وأمّهاته، وثلّث بالأرض لأنّ الأرض أقرب إلى الإنسان من السماء، والإنسان أعرف بحال الأرض منه بأحوال السماء، وإنّما قدّم السماء على نزول الماء من السماء، وخروج الثمرات بسببه لأنّ ذلك كالأمر المتولّد من السماء والأرض ... والأثر متأخّر عن المؤثّر، فلهذا السبب أخّر اللّه ذكره عن ذكر الأرض والسماء، الثاني :  هوأنّ خلق المكلّفين أحياء قادرين أصل لجميع النعم، وأمّا خلق الأرض والسماء والماء، فذلك إنّما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة. فلا جرم قدّم ذكر الأصول على الفروع، الثالث أنّ كلّ ما خلق في الأرض والسماء من دلائل الصانع فهوحاصل من الإنسان، وقد حصل في الإنسان من الدلائل ما لم يحصل فيها لأنّ الإنسان حصّل فيه الحياة والقدرة والشهوة والعقل، وكلّ ذلك ممّا لا يقدر عليه أحد سوى اللّه تعالى فلمّا كانت وجوه الدلائل له هاهنا أتمّ كان الأولى بالتقديم" «18».

وقد أدرجنا هذا النصّ رغم طوله نظرا لأهميته بالنسبة لترتيب الخطاب، وإذا تساءلنا عن المبادئ التي حكمت هذا الترتيب في رأي الرازي وجب أن ننظر في الأسباب التي ذكرها كلّ على حده؛ ففي السبب الأول نجد علاقة القرب والعلم بالشي‏ء، وقد احترم الخطاب هذه العلاقة فقدّم خلق الإنسان نفسه ثم ثنّى بوالديه ومن جهة أخرى واعتبارا للعلاقة نفسها قدّمت الأرض على السماء في الخطاب؛ على أنّ علاقة القرب والعلم لا تعني شيئا إن لم ينظر إليها في الغرض الذي يروم المتكلّم تحقيقه، وهوإقناع المتلقّي بوحدانيّته وهذا ما تنبّه إليه الفخر الرازي حين صاغ تلك القاعدة (إذا كان الغرض من الاستدلال إفادة العلم، فكلّ ما كان أظهر دلالة كان أقوى إفادة، وكان أولى بالذكر) التي تحكّمت في ترتيب العناصر في الخطاب على ذلك النحوالمخصوص، إضافة إلى هذا نجد في السبب الأول علاقة أخرى سببيّة (السبب- المسبّب) :

الأرض- السماء- نزول الماء- خروج الثمرات‏ [تصوير] المؤثر- الأثر فقد تأخّر هنا أمران :  نزول الماء وخروج الثمرات وهما معا متوقّفان على وجود الأرض والسماء، ومن ثمّ كانا أثرين ناتجين عن مؤثرين. ونخلص من هذا إلى أنّ الآيتين‏ وفق السبب الأول يتحكّم في ترتيب عناصرهما مبدآن :  عقلي ومنطقيّ لكنّهما من حيث العمق مبدأ واحد :  منطقيّ باعتبار أنّ الأول يهدف إلى الإقناع؛ فسلك سبيل الاستدلال، والثاني راعى علاقة المؤثّر والأثر. والسبب الثاني الذي جعل الخطاب يترتّب على هذا النحو، هوما سمّاه الرازي علاقة الفرع بالأصل التي يستفاد منها أنّ الإنسان أصل لوجود السماء والأرض؛ إذ لا معنى في هذه الحالة لوجود الفرع بدون وجود الأصل، فوجود الأصل وهوالإنسان على كيفيّة مخصوصة هي الحياة والقدرة والشهوة والعقل، والتي بدونها يصبح وجود النعم عبثا فهوانتفاع مشروط، فالسبب الثاني يحكمه مبدأ منطقي تتحكّم فيه علاقة شرطيّة، والسبب الثالث يعدّ تبيينا للسبب الثاني، ومعه إضافة هي كون الإنسان الدليل الأسمى على قدرة الخالق. وبذا يكون الرازي قد ركّز على العلاقة المنطقيّة وهوأمر مبرّر إذا علمنا أنّ مقصد المتكلّم هوالإقناع فلا جرم أن جاءت الآيات استدلالية على هذا المقصد، ومن ناحية أخرى يمكن أن نقول إنّ هذه الأسباب تحكمها علاقة تدأوليّة إذا قرئت قراءة أخرى، فالاهتمام بترتيب العناصر حسب المعرفة بها مسألة تدأوليّة، وكذلك حسب القرب أو البعد مسألة تدأوليّة، وحسب الأثر والمؤثر أمر تدأولي وهومرتبط بمعرفة الإنسان بالعالم الخارجي.

وفي مثال آخر يتساءل الرازي عن سبب تقديم قبول الشفاعة على أخذ الفدية في الآية (121)، في الوقت الذي قدّم قبول الفدية على ذكر الشفاعة في سورة أخرى يقول في الجواب : " لأنّ من كان ميله إلى حبّ المال أشد من ميله إلى علوالنفس، فإنّه يقدّم التمسّك بالشافعين على إعطاء الفدية، ومن كان بالعكس يقدّم الفدية على الشفاعة فائدة تغيير الترتيب الإشارة إلى هذين الصنفين" «19». وهنا يشير الرازي إلى اختلاف ترتيب الخطاب باختلاف المخاطب، وهي مسألة غاية في الأهميّة على المستوى التدأولي.

ومن ناحية أخرى فقد أشار المفسّرون إلى علاقات خاصّة تحكم الترتيب من مثل الإجمال والتفصيل كما في تفسير الرازي للآية ‏ {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة :  49]. قال الرازي : " اعلم أنّه تعالى لمّا قدّم ذكر نعمه على سبيل التفصيل ليكون أبلغ في التذكر وأعظم في الحجة " «20». ومثلها في تفسيره للآية { وآتينا عيسى بن مريم البيّنات} قال : " والسبب في أنّ اللّه تعالى أجمل ذكر الرسول ثم فصّل ذكر عيسى لأنّ من قبله من الرسل ..." «21».

وممّا يتّصل بهذا الموضوع علاقة ترتيب الخطاب بزمن الخطاب، وانظر إلى مثال ذلك عند الرازي في تفسيره للآية {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ...} [البقرة :  34]. ذكر الرازي ترتيب الموضوعات، وهوذكر تخصيص آدم بالخلافة أولا، ثم تخصيصه بالعلم الكثير ثانيا، ثم بلوغه في العلم إلى أن صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم، وذكر الآن كونه مسجودا للملائكة، ثم أو ضح الرازي كيف انسجم الزمن مع ترتيب الخطاب فقال : " الأمر بالسجود حصل قبل أن يسوّي اللّه تعالى خلقة آدم عليه السلام بدليل قوله : {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص : 71، 72] وظاهر هذه الآية يدلّ على أنّه عليه السلام لمّا صار حيّا صار مسجود الملائكة، لأنّ الفاء في قوله (فقعوا) للتعقيب. وعلى هذا التقدير يكون تعليم الأسماء ومناظرته مع الملائكة في ذلك حصل بعد أن صار مسجود الملائكة. «22» وفي موضع آخر في تفسيره للآية {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة :  43] قال : " القائلون بأنّه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب ، قالوا :  إنّما جاء الخطاب مع قوله (وأقيموا الصلاة) بعد أن كان النبيّ- صلى اللّه عليه وآله وسلّم- وصف لهم أركان الصلاة وشرائطها فكأنّه تعالى قال :  وأقيموا الصلاة التي عرفتموها ".

ومن أمثلة اتّساق زمن الخطاب مع توالي وقائع السياق الخارجي عند الزمخشري في تفسيره للآية { بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ}  يقول : " إن عني به القرآن بأسره، والشريعة عن آخرها لم يكن منزّلا وقت إيمانهم، فكيف قيل أنزل بلفظ المضيّ ؟ وإن أريد المقدار المنزّل واشتمال الإيمان على الجميع سالفة ومترقّبة واجب. قلت :  المراد المنزل كلّه وإنّما عبّر عنه بلفظ المضيّ، وإن كان بعضه مترقّبا تغليبا للموجود على ما لم يؤخذ . " ويدلّ عليه قوله تعالى‏ {إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى} ولم يسمعوا جميع الكتاب، ولا كان كلّه منزّلا" «23».

ومن أمثلته أيضا تنأول الزمخشري لقصّة البقرة حين يرى أنّ الخطاب كان لإبهامه متنأولا لهذه البقرة الموصوفة، كما تنأول غيرها، ولووقع الذبح عليها بحكم الخطاب قبل التخصيص لكان امتثالا له، وكذلك إذا وقع عليها بعد التخصيص {وإذ قتلتم نفسا} خوطبت الجماعة لوجود القتل فيها" «24». فالزمن في الخطاب وهوجزء من المقام له علاقة مباشرة بترتّب الأحداث، وله دلالته في التأثير على صياغة الوقائع صياغة جديدة كما يريدها المتكلّم.

وعند الطبري ملاحظات جديرة بالانتباه، ففي تفسيره للآيات (226- 228) حول قوله تعالى" فإن عزموا الطلاق ..." يقول : " فإن قلت كيف موضع الفاء إذا كانت الفيئة قبل انتهاء مدّة التربّص؟ قلت :  موقع صحيح لأنّ قوله { فإن فاءوا } {وإن عزموا} تفصيل لقوله" للّذين يؤلون من نسائهم" والتفصيل يعقب المفصّل" «25». إنّ تنظيم الخطاب‏

لدى المفسّرين تحكمه مبادئ عديدة، منها الوحدة العضويّة، والموضوعيّة للنصّ؛ ومبادئ منطقيّة، ومبادئ تدأوليّة ومقاميّة متنوّعة.

__________________

(1) تفسير الرازي، 3/ 30.

(2) نفسه، 3/ 22.

(3) تفسير الرازي، 3/ 29.

(4) نفسه، 3/ 54.

(5) تفسير الرازي، 3/ 76.

(6) نفسه، 3/ 79.

(7) تفسير الرازي، 3/ 165.

(8) نفسه، 3/ 167.

(9) نفسه، 4/ 33.

(10) التحرير والتنوير 1/ 592.

(11) نفسه، 1/ 247.

(12) الكشاف، 1/ 149.

(13) الكشاف، 1/ 37.

(14) الكشّاف، 1/ 46.

(15) نفسه، 1/ 71.

(16) نفسه، 1/ 93.

(17) الكشّاف، 1/ 280.

(18) تفسير الرازي، 3/ 111.

(19) تفسير الرازي، 2/ 54.

(20) تفسير الرازي، 3/ 67.

(21) نفسه، 3/ 176.

(22) تفسير الرازي، 3/ 212.

(23) الكشّاف، 1/ 42.

(24) نفسه، 1/ 153.

(25) الكشّاف، 1/ 152.




وهو تفسير الآيات القرآنية على أساس الترتيب الزماني للآيات ، واعتبار الهجرة حدّاً زمنيّاً فاصلاً بين مرحلتين ، فكلُّ آيةٍ نزلت قبل الهجرة تُعتبر مكّيّة ، وكلّ آيةٍ نزلت بعد الهجرة فهي مدنيّة وإن كان مكان نزولها (مكّة) ، كالآيات التي نزلت على النبي حين كان في مكّة وقت الفتح ، فالمقياس هو الناحية الزمنيّة لا المكانيّة .

- المحكم هو الآيات التي معناها المقصود واضح لا يشتبه بالمعنى غير المقصود ، فيجب الايمان بمثل هذه الآيات والعمل بها.
- المتشابه هو الآيات التي لا تقصد ظواهرها ، ومعناها الحقيقي الذي يعبر عنه بـ«التأويل» لا يعلمه الا الله تعالى فيجب الايمان بمثل هذه الآيات ولكن لا يعمل بها.

النسخ في اللغة والقاموس هو بمعنى الإزالة والتغيير والتبديل والتحوير وابطال الشي‏ء ورفعه واقامة شي‏ء مقام شي‏ء، فيقال نسخت الشمس الظل : أي ازالته.
وتعريفه هو رفع حكم شرعي سابق بنص شرعي لا حق مع التراخي والزمان بينهما ، أي يكون بين الناسخ والمنسوخ زمن يكون المنسوخ ثابتا وملزما بحيث لو لم يكن النص الناسخ لاستمر العمل بالسابق وكان حكمه قائما .
وباختصار النسخ هو رفع الحكم الشرعي بخطاب قطعي للدلالة ومتأخر عنه أو هو بيان انتهاء امده والنسخ «جائز عقلا وواقع سمعا في شرائع ينسخ اللاحق منها السابق وفي شريعة واحدة» .