العَوامِلُ القانونِيَّةُ عَلى مُستَوى القانونِ الدَّاخِلِيِّ وتأثيرها على الانفاق العام
المؤلف:
اديب عدنان إبراهيم
المصدر:
ظاهرة ازدياد النفقات العامة في العراق
الجزء والصفحة:
ص 49-52
2025-09-27
292
تَلْعَبُ العَوامِلُ القانونِيَّةُ عَلى المُستَوى الدَّاخِلِي لِلدَّولَةِ دوراً بارزاً في التَّأثيرِ عَلى حَجمٍ وَمُستَوى الإنفاقِ العام في الدَّولَةِ، وَيَتَمَثَّلُ ذلِكَ في القوانينِ الَّتِي يَتِمُّ إِقرارُها مِن قِبَلِ السُّلطَةِ التَّشريعِيَّةِ بَدءاً من قانونِ المُوازَنَةِ العامَّةِ وَما يَستَنبِعُهُ مِنَ القَوانِينِ الخاصَّةِ الأخرى التي يَتَرتَّبُ عَلَيْها تَحَمُّلَ الدَّولَةِ المَزيدَ مِنَ النَّفَقاتِ وَالْأَعباء المالِيَّة، فَكُلَّما تَمَّ إقرار المزيد من فقرات الإنفاق العام، فَإِنَّ ذلِك يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ مَزيداً من النفقات العامة وَكَذَا كُلَّما تَمَّ تشريعُ المَزيدِ مِنَ القوانين التي يَتَرَتَّبُ عَلَيها إلزام الدُّولَةِ بِالإِنفَاقِ العَامَ كُلَّما ازداد مع ذلك حَجِمُ النَّفقات العامَّةِ في الدُّولَةِ، وَلِذلِكَ يَنبغي على السُّلطَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ عِندَ النظر في مشروعات القوانين وقبل إقرارها أن تتوخى الدّقَّة في مراعاة حدود الإنفاق العامِ وَجَدوى الإنفاق والمَقدِرَةِ المالية للدولة.
وبما أن لا إمكانية لإقرار قانونِ المُوازَنَةِ وَما يَتَضَمَنُهُ مِن أبواب للإنفاق العام، مِن غَيرِ طَريقِ السُّلطَةِ التَّشريعِيَّةِ، ولأجل أن لا تَتِمَّ عَمَلِيَّةُ الإنفاق العام بصورة عشوائيَّةٍ وَغَيرٍ مُنتَظَمَةٍ، فَيَنبَغِي أَن تُحاطَ بِالقَواعِدِ وَالضَّوابِطِ الَّتي تَحكُمُهَا، وَمِـن بَـينِ أَهَةٍ تِلكَ القواعِدِ هِيَ قاعِدَةُ التَّرخيص أو المُوافَقَةِ المُسبَقَةِ مِنَ السُّلطَةِ التَّشريعِيَّةِ، وَتَعني هذِهِ القاعِدَة أن لا يَتِمَّ الإنفاق العام والصَّرْفُ إِلَّا بَعدَ مُوافَقَةِ السُّلطَةِ المُختَصَّةِ بِالتَّشْرِيعِ وَضِمِنَ حُدودِ الإختصاص (1) ، وَمِن هُنا يَتَبَيَّنُ الدَّورُ الكَبيرُ لِلسُّلَطَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ عَبرَ إِقرارِ القوانينِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلى ذلِكَ مِنَ التَّأثيرِ عَلى حَجم الإنفاق العام.
وَفي السياق ذاتِهِ، فَإِنَّ لِلنّظامِ السّياسي الذي يَتَبَنَاهُ الدُّستورُ دَوراً في تسهيل إقرار القوانين، فإذا كانَ النّظامُ المُعتَمَدُ في الدُّستورِ هُوَ النّظامُ الرِّئَاسِيُّ الَّذِي يَتِمُّ فِيهِ انتخاب رئيسِ الدَّولَةِ وَالسُّلطة التشريعيَّة مِن قِبَلِ الشَّعبِ، وَكَانَ الرَّئيسُ يَنتَمـي لِنَفْسِ الحزبِ السّياسِي الذي ينتمي إليهِ أَعْلَبِيَّةُ أعضاء السُّلطَةِ التَّشريعيَّةِ فَلا قيود في تمرير القوانين، وَبِناءً على ذلِكَ فَإِنَّ حَجم النفقات العامة سيزداد تبعاً لنوع القوانينِ وَحَجم النفقات التي تَتَرَتَّب عليها، أمَّا إذا لم يكنِ الرَّئيسُ مِن حِزْبٍ مُعَيَّنٍ وَأَعْلَبِيَّةُ أَعضَاءِ السلطة التشريعيَّةِ مِن حِزبٍ آخَرَ ، وَلَم يَكُن بَينَهُما تَوافُق، فَإِنَّ عَمَلِيَّةَ تَمرير القوانينِ سوف تكونُ مُعَقَّدَةً ، بِسَبَبٍ صُعوبَةِ حُصولِ المُوافقةِ والتَّرخيص مِن السُّلطَةِ التَّشريعية على مشاريع القوانينِ وَلا سِيَّما مشروعُ المُوازَنَةِ الَّذي يَتِمُّ إعدادُهُ مِن قِبَلِ السُّلطَةِ التَّنفيذية وَالمُتَضَمِّنُ لِلنَّفَقاتِ العَامَّةِ (2).
أَمَّا إذا كان النّظامُ السَّيَاسِيُّ هُوَ النّظامُ البرلماني، الذي تَنبَثِقُ فِيهِ الحُكومَةُ مِنَ البرلمانِ المُنتَخَبٍ مِنَ الشَّعب مُباشرةً، والقائِمُ عَلى التَّعاوُنِ وَالتَّوازُنِ بَينَ السُّلطَتَينِ التشريعيَّةِ وَالتَّنفيذية (3) ، فإِنَّ عَمَلِيَّة إقرار القوانين لا تُواجهها القيودُ، مِمَّا يَتَرتَّبُ عَلَيهِ سهولة إقرار القوانين، وذلِكَ يعني مزيداً من الإنفاق العام، إِذا تَضَمَّنَتِ القوانينُ المُقَرَّةُ في ثناياها أبواباً للإنفاق.
وَلا يَختَلِفُ الحال كثيراً في النّظامِ المُختَلَطِ الَّذي يَقومُ عَلَى انتخابِ رَئيسِ الدُّولَةِ وَالسُّلطَةِ التَّشريعِيَّةِ مِن قِبَلِ الشَّعب وَقِيامِ الأَوَّلِ بِاختيار رئيس الحكومَةِ، الَّذِي يَجِبُ أَن يحظى تكليفهُ بِمُوافَقَةِ السُّلطَةِ التَّشريعِيَّةِ، لِذلِكَ عَلى الأغلب أَن يَتِمَّ اختيارُهُ مِن ذَاتِ الحزب الأكبر في البرلمان، ولأجل ذلِكَ فَإِنَّ العَقَبَاتِ يَتِمُّ تذليلها أمامَهُ في كَسَبٍ مُوافَقَةِ السُّلطَةِ التَّشريعِيَّةِ في إقرار القوانين، لا سِيَّما قانونُ المُوازَنَةِ وَمَا يَستَنبِعُهُ مِن خُطَّةِ الإنفاق المرسومة (4).
كما أنَّ تَطَوَّرَ المَبادِئِ القانونِيَّةِ وَتَقرير مَسؤوليَّةِ الدَّولَةِ أمَامَ القَضاءِ، نَتِيجَةً لِما يلحق الأفرادَ مِن قِبَلِ دَوائِرِ الدَّولَةِ وَمُوَظَّفيها سَواءٌ أكانَ بِتَعَمُّدٍ أَم نَتِيجَةَ خَطَةٍ أو إهمال أو القيام بمشروع كإنشاء جسرٍ تَسَبَّبَ بِتَصَدُّعٍ في جُدران الدور القريبـة مــن قواعِدِهِ الجانبية نتيجة دَقِ رَكائِزِهِ، بَل وَحَتَّى لو اقتَضَتِ المَصْلَحَة العامة استملاك الأراضي أو الدور للصَّالِح العام، فعلى الدولة تعويض أصحابها، بما يُناسِبُ قيمة الاستملاك، وغالباً ما تكونُ الدَّولة كريمة في التَّقدير لتشجيع أصحاب هذهِ المُمتَلَكَاتِ لِلإنتقال إلى أَمَاكِنَ جَديدَةٍ وَإنشاء دور حديثة لهم، إضافة إلى التَّعويضات التي تُغريهم للإنتقال إلى هذِهِ الدّورِ، فَكُلُّ ذلِكَ يُؤدّي إلى زيادَةِ النفقات العامة (5).
وَأَما في العِراقِ فَإِنَّنا نَجِدُ التَّأخير في إقرار الموازنة العامة أو عَدَمَ إقرارها أصلاً، أصبح أمراً مألوفاً، كما حصل في الأعوام (2014 و 2020 و 2022)، ومن جملة الأسباب التي تُؤدّي إلى التأخير في إقرار الموازنة العامَّةِ أَو عَدَمِ إقرارها مِن قِبَلِ مجلس النواب، هُوَ عَدَمُ الإسْتقرارِ السّياسي، إذ أنَّنا نَجِدُ وَمُنذُ عُقودٍ أَنَّ التَّوافُقَاتِ السياسِيَّةِ هِيَ الَّتي تُسَيطِرُ عَلى عَمَلِيَّةِ إقرار القوانين في العِراقِ، بَل وَيَتِمُ تَشرِيعُ قوانين من أجلِ التَّوافُقِ السّياسي، الأمرُ الذي انعكس سلباً على زيادَةِ الإنفاق العام، الذي قد لا يَصُبُّ فِي كَثِيرٍ مِن أبوابهِ إِلّا في مَصلحةِ المُتَنَفِّذين وأصحابِ المَصالِحِ الضَّيِّقَةِ(6).
___________
1- د. بان صلاح عبد القادر : مقومات الإنفاق العام، بحث منشور في مجلة العلوم القانونية - جامعة بغداد، العدد الخاص لبحوث مؤتمر فرع القانون العام المنعقد تحت عنوان (الإصلاح الدستوري والمؤسساتي الواقع والمأمول)، للمدة 13 - 2018/11/14، ص : 348.
2- د. أحمد خلف حسين الدخيل المالية العامة من منظور قانوني، ط 1 ، مطبعة جامعة تكريت تكريت 2013، ص: 33.
3- مسعود نور الدين حسين النظام الرئاسي والنظام البرلماني دراسة مقارنة، بحث منشور في مجلة أنفا للدراسات الإنسانية والعلمية ،34 ، بتاريخ 8/ نيسان ، 2022 على الرابط:
https://ajhssps.com/index.php/papers/2021-07-28-08-51-50/item/198-2022-04-08-14-13-15
4- د. أحمد خلف حسين الدخيل المالية العامة من منظور قانوني، ط 1 ، مطبعة جامعة تكريت تكريت 2013، ص: 33 - 34.
5- د. رضا صاحب آل علي المالية العامة الدار الجامعية للطباعة والتنشر البصرة 2002، ص: 111.
6- هناء جبوري محمد: تأخر إقرار الموازنة العامة الإتحادية في العراق الأسباب والحلول، مقال منشور في موقع مركز الدراسات الأستراتيجية، جامعة كربلاء، بتاريخ 1/ نيسان / 2021، علـى الرابط:
/http://kerbalacss.uokerbala.edu.iq/wp/blog/2021/04/01
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة