من الصعب أن يقدر الإنسان عدد موظفي البوخيوم من كهنة وغيرهم. فالحسابات الديموطيقية التي عُثِرَ عليها ذكرت عشرين أو أكثر من الموظفين، ولكن يظهر أن هؤلاء هم موظفو المعبد الذي كان يسكن فيه «بوخيس» لا موظفي البوخيوم. والظاهر أنه لم تكن هناك أبنية فوق البوخيوم كافية لسكنى عشرين موظفًا، ومن جهة أخرى فإن اسم الكاهن الأكبر وهو «بتوسور بوخي» يرجح أن يكون اسم الكاهن الأكبر للبوخيوم أكثر من أن يكون كاهنًا أكبر لأي معبد آخر في «أرمنت». ومن المهم في هذه المناسبة أن نلحظ هنا على حسب ما ذكره المؤرخ «بيفان» (1) أن فردًا يدعى «بتيسيس» Petisis (في عام 99ق.م) كان محنطًا لكل من «أبيس» و«منيفيس». والظاهر أن محنط البوخيوم لم يكن يُسْتَخْدَمُ على ما يظهر لتحنيط أي حيوان آخر، غير أنه مما لا يكاد يُشَكُّ فيه أن المحنطين كانوا يعملون في تحنيط أشخاص عاديين عندما لا يكونون مشتغلين بدفن ثور. وجاء على تذكرة مومية إغريقية (2) النص التالي:
إلى «هرمونيس» «تا إزيس» Thaisis ابنة «سنتوتيوس» Senthoteutis لتورد بوساطة ابن زوجها (المسمى) «بيكوس» إلى «بسنونريس» Pseneoneris حفار القبر مع إشعار عند البوخيوم ﻟ «بسنوتريس» حانوتي الحيوان المؤله «بوخيس»، بأنه قد دفع أجر الشحن والضريبة والمصاريف، 26 كيهك.
وعلى أية حال فإن هذا الجسم المقصود هنا كان قد حُنِّطَ، وأنه لم يكن مطلوبًا من أجله غير الخدمات الخاصة بالبوخيوم.
ومن المحتمل أن الكاهن «أحمس» بن «سمنديس» الذي ورد ذكره فيما سبق هو أحد كهنة البوخيوم الأول إن لم يكن أولهم. ولم نجد أية آثار تدل على وجود مكان للكهنة إلا بقايا مبنى عديم الأهمية جدًّا في داخل جدار حرم المعبد، يُضَافُ إلى ذلك أن المباني التي كانت تُقَامُ فوق البوخيوم كانت كذلك لا قيمة لها، والظاهر أن كل الوظائف الكهنية كانت تؤدى في معبد «أرمنت»، وأنه لم يكن في البوخيوم أكثر من الحرس إلا الشيء اليسير. وتوجد بقايا ما يمكن أن يُطْلَقَ عليه مساكن الكهنة في قرية البقارية الرومانية. وكان الكهنة يُدْفَنُونَ على الأقل في خلال العهد المتأخر من حكم البطالمة في الجبانة رقم 400، وتقع في الجنوب الغربي للبوخيوم بالقرب من جدار حرم المعبد، وهذه الجبانة قد نُهِبَتْ نهبًا ذريعًا، ولكن بقي لنا قبر أو قبران لم تمسهما يد اللصوص. ويُرى في متاحف العالم المختلفة توابيت من الورق المقوى في المقابر المنهوبة. وكان الكهنة يُدْفَنُونَ مع أقاربهم في أضرحة أسرية. وكانت تُسْتَعْمَلُ وقتئذ توابيت مصنوعة من الفخار، وكانت تُغَطَّى كل مومية بكرتون ملون. ولم يوجد لقب كاهن «بوخيس» إلا على واحد من هذه الكرتونات، وهو محفوظ بالمتحف البريطاني برقم 6969. أما سائر الكرتونات التي كُشِفَ عنها فكانت إما قد أصابها التلف بصورة بالغة، فلم يكن من المستطاع معرفة صاحبها، أو أن القسم الذي فيه النقش الذي يحتوي على اسم صاحبه وألقابه قد ضاع.
والجزء الخاص بالتابوت رقم 6969 جاء فيه:
نطق: يا أوزير المحنط ﻟ «أوزير بوخيس»، و«حب إب رع» المبرأ. أن «أنوبيس» الذي في لفائفه. سيد «تاجسر» (الأرض العالية = الجبانة) يأتي إليك ليمنحك دفنة «طيبة» في غربي «طيبة». والكاهن الذي ذُكِرَ اسمه هنا قد جاء اسمه على مائدة قربان من البقارية. ويمكن تأريخ الورق المقوى الذي يغطي تابوته بحوالي 60ق.م.
ويُلْحَظُ أن البوخيوم في العصر الروماني المتأخر كان في تدهور مستمر يشبه ذلك التدهور الذي كان يحدث في معظم الفنون والعادات المصرية القديمة. وتوجد بعض الأدلة على أنه في هذا التاريخ كانت أم «بوخيس» قد أخذت تحتل مكانة أكثر أهمية بالنسبة ﻟ «بوخيس» عما كانت عليه من قبل. واللوحة الوحيدة المنقوشة لبقرة يرجع تاريخها للإمبراطور «كوموديوس». وكانت البقرات في خلال كل العصر الروماني تُدْفَنُ في مقابر مبنية بناء حسنًا؛ فكانت قبواتها تُقَامُ بالآجر، غير أن ذلك يمكن أن يكون سببه فقط للفرق بين الصخر عند الموقعين. وأول مقابر أقيمت في البقارية هما دفنتان لبقرتين في قبوتين من اللبنات، وكانت كل منهما تحتوي على تابوت من الحجر الرملي، في حين أن الدفنة الثانية في البوخيوم لم يكن لها تابوت، ويُفَسَّرُ ذلك بأنه إذا كانت أم الثور الذي عاش في عهد «الإسكندر الأكبر» قد ماتت في خلال عهد «نقطانب الثاني»، وأن قبرًا كان قد بُنِيَ وقتئذ لها يشبه القبر الذي كان قد أُقيم لسالفتها.
والدفنات المبكرة في بقارية كانت عمومًا أفقر من التي كانت في البوخيوم، وأم الثور الذي عاش في عهد «نقطانب الثاني» قد أقيم من اللبنات، وعلى ذلك لم يكن لها قبوة من الحجر كالتي كانت لابنها، يُضَافُ إلى ذلك أنه لم يكن لها قبوة للقربات.
والدفنات التي من عهد البطالمة لم يكن فيها توابيت، وكانت الثيران تُدْفَنُ في حجرات منحوتة في الصخر نحتًا رديئًا كما لم تكن منتظمة الشكل. هذا، وقد عُثِرَ على موائد قربان في البقارية، وكذلك عثر على مصابيح تشبه التي وُجِدَتْ في البوخيوم، ولم يُعْثَرْ على لوحات غير اللوحة التي تُنْسَبُ إلى عهد «كوموديوس» وهي التي ذكرناها فيما سبق، وكذلك لوحة محفورة غير أنها ليست منقوشة من عهد «دقلديانوس» عُثِرَ عليها في دفنة منفصلة خارج البقارية. وقد تعرض البوخيوم في خلال كل تاريخه إلى تصدعات في السقف، وفي جدران كل من المقابر والممرات، ولم تنج البقارية من نفس هذه الكوارث، ويرجع السبب في ذلك إلى رداءة الصخر؛ إذ لم يكن في كل من الموقعين صالحًا لمثل هذه الأضرحة؛ وكذلك يرجع السبب جزئيًّا للكهنة الذين لم يتركوا مسافات كبيرة كافية بين المقابر إلا في الدفنات الأولى القليلة العدد. وقد عُمِلَتْ محاولات مختلفة لإصلاح هذه التصدعات في العهد البطلمي غير أنها كانت تعمل دون عناية ودقة.
وفي العهد الروماني بُذِلَتْ مجهودات حقيقية لمعالجة هذه التصدعات؛ ففي البوخيوم أُقِيمَتْ جدران قوية من الآجر ودعامات في الممر الجنوبي، وفي مقبرتين كانتا آيلتين للسقوط، وفي البقارية عُمِلَتْ كذلك إصلاحات متقنة؛ فقد أقيمت قبوة من الآجر في طول الممرين الشمالي والجنوبي باستثناء النهاية القصوى.
وعلى أية حال فإن نهاية تاريخ البوخيوم ليس مؤكدًا؛ فالثور الذي كان في عهد «دقلديانوس» دُفِنَ في البوخيوم ومعه لوحة رسمية، وهي أحدث لوحة في الوجود نُقِشَتْ باللغة المصرية القديمة. أما أمه فقد دُفِنَتْ كما وصفنا ذلك من قبل. وتوجد لوحتان أخريان غير منقوشتين حُفِرَ على كل صورة بقرة بوجه كامل، وقد بِيعَتَا على أنهما مستخرجتين من «أرمنت». ومن الممكن تمامًا أنه إذا كان خلف الثور الذي عاش في عهد «دقلديانوس» قد أتلف فإن أمه لا بد كانت قد دُفِنَتْ بالطريقة الصحيحة قبل ذلك الوقت، غير أنه من المدهش تمامًا أن تكون عبادة هذا الثور قد قُضِيَ عليها في تاريخ مبكر كهذا، فالسرابيوم لم يكن قد قُضِيَ عليه حتى عهد «تيودوسيوس» (379–395 م) Teodosius، والمعتقد بوجه عام هو أن الديانات الوثنية قد عاشت زمنًا أطول في ذلك العهد في الوجه القبلي أكثر مما عاشت في الوجه البحري. ومن جهة أخرى كان للديانة المسيحية مركز هائل في إقليم «طيبة»، ومن الممكن أن أتباع «بوخيس» قد أصبح عددهم ضئيلًا لدرجة أن عبادته قد تلاشت، وبعبارة أخرى: قد صفى حسابها طوعًا بمقتضى الأحوال. ومهما كانت حقيقة نهاية أمر هذه العبادة، فإن السادس من شهر هتور (3 نوفمبر) من عام 295 بعد الميلاد كان يُعَدُّ آخر قبس للنشاط الديني في البوخيوم، وذلك بعد احتلال دام أكثر من 650 عامًا. وعلى الرغم من أن هذا العهد كان قصيرًا إذا ما قرن بتاريخ السرابيوم فإنه يجاري في طوله معظم الكاتدرئيات، وقد كان من الممكن أن يعيش بعد الانحطاط الذي كان يمر به في العهد الروماني المتأخر، كما عاش بعد الانحطاط الذي ألم به في العصر البطلمي المتأخر، ولكن كان هناك عدو أقوى من فساد نفس أعوانه أنفسهم، ومن أجل ذلك نجد أن هذه العبادة قد سقطت مع سائر الديانة الوطنية تحت سلطان انتشار المسيحية، وكان أثر هذا التغير على مدنية المصريين وأخلاقهم عميقًا وباقيًا إلى أن جاء الإسلام، فبدأ صفحة جديدة في حياة مصر قلبت كل الأوضاع في نفوس الشعب من حيث الدين واللغة، ومع ذلك لا تزال آثار العادات المصرية القديمة تلعب دورها في نفوس القوم حتى يومنا هذا على الرغم من محاربتها بكل الوسائل الممكنة؛ مما يدل على أن الشعب كان حريصًا على عاداته وأخلاقه أمام كل التقلبات السياسية والدينية والاجتماعية، والاقتصادية على السواء. والله الموفق لما فيه خير مصر الناهضة لإحياء تراثها المجيد في الشرق أجمع.
..............................................
1- راجع: E.R. Bevan History of Egypt, The Ptolemaic Dynasty p. 136 n. I
2- راجع: The Bucheum vol. II. P. 27.