على كل حال فإن هذه النهضة العظيمة التي قامت في المدن الإيطالية لم تلبث أن أخذت تخبو منذ نهاية القرن الخامس عشر. ثم انطفأت تماماً في سنة 1527م. وهناك عاملان أساسيان أديا إلى اقول النهضة في إيطاليا:
- العامل الأول: الحروب الإيطالية:
ففي عام 1494م غزا شارل الثاني ملك فرنسا إيطاليا عبر الألب، وكان ذلك فاتحة الحروب الإيطالية بين الدول الأوروبية الكبرى، التي كان ميدانها، إيطاليا، واشتركت فيها الإمارات الإيطالية نفسها، وكان تأثيرها فادحا على النهضة الإيطالية.
فقد طردت أسرة مديتشي من فلورنسا التي رأينا كيف أسهمت في حركة النهضة، وأخذت تتنازع الحكم أسرتا بيانونى Pianoni وأوتيماتى Ottimati. كما استولى فردناند ملك أراجونة Aragon على نابولي في سنة 1504م. وأما ميلان فقد خربت على يد الجيوش الفرنسية والألمانية والسويسرية.
وقد ظلت روما بمنأى عن التخريب حتى عام 1527م، فأصبحت مركز الإشعاع للنهضة الإيطالية، ومحور الحركة الإنسانية. وكان ليو العاشر شديد التحمس للدراسات الكلاسيكية حتى أصبحت روما في عهده مركزا أوسع وأكبر من فلورنسا في عهد لورنزو مديتشي، وإن كانت أقل منها في عمقها وعبقريتها. وقد تطورت علاقة البابوية بالحركة الإنسانية حتى أصبح الامتياز في الدراسات الإنسانية سبيلا للوصول إلى مناصب الكنيسة الكبرى. على أن نهب روما في مايو 1527م على يد جنود الإمبراطور شارل الخامس ملك أسبانيا، وهزيمة البابا وعقده الصلح مع الإمبراطور في كامبرى Cambri لم يلبث أن أدى إلى انهيار النهضة الإيطالية انهيارا تاما. فقد نهبت قوات الإمبراطور شارل الخامس كل الكنائس والأديرة، وقطعت روس رهبـــــانهــــا وقساوستها، واغتصب عدد من الراهبات، وتحولت كنيسة القديس بطرس إلى اسطبلات للخيول.
- العامل الثاني: حركة الإصلاح الديني
فإنه لما كانت هذه الحركة تحمل معنى التحرر الديني والتحرر من سيطرة الكنيسة الكاثوليكية، وكانت في الوقت نفسه ثمرة من ثمرات الحركة الإنسانية، فقد كان ذلك ما أدى إلى معارضة البابوية للحركة الإنسانية بقوة منذ ظهور حركة الإصلاح الديني في الربع الثاني من القرن السادس عشر، فتواطأت البابوية في عهد كليمنت السابع في سنة 1520م مع شارل الخامس ملك أسبانيا على تصفية الحركة الإنسانية في إيطاليا .
على أنه قبل انطفاء شعلة النهضة في إيطاليا، كانت قد عبر الألب إلى بقية أنحاء القارة الأوروبية، وعلى الأخص في غربها وشمالها على يد الطلاب الذين كانوا قد حصلوا المعارف الجديدة في المدن الايطالية. ثم عادوا إلى بلادهم لينشروا ما حصلوه على مواطنيهم، فقامت نهضة جديدة في كل بلد أخذت تتخذ لها سماتها وخصائصها المنفردة حسب الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحضارية.