وهناك جملة أسباب جعلت هذه الظروف تنضج في ألمانيا بالذات، وتفسر لمّ قامت حركة الإصلاح الديني في ألمانيا، بدلا من قيامها في إنجلترا أو السويد مثلا.
فمن ناحية، فقد أصبحت المدن الجديدة منذ نهاية القرن الرابع عشر ذات أثر واضح فى مقدرات الشعوب الألمانية، فإن المدن من أمثال فرانكفورت Frankfurt وستراسبورج Strassburg ونورمبورج Nuremberg وغيرها من مراكز النشاط التجاري والصناعي، قد أخذت تلعب دوراً مهماً في حياة ألمانيا، فقد ظهرت طبقة من الممولين الذين برز من بينهم بيت فوجر Fuggers، سيطرت على تجارة ألمانيا مع إيطاليا الشمالية والأراضي المنخفضة ومع الشرق أيضا، وكان المال هو أهم مصادر قوتهم. وقد أصبحت هذه الطبقة قبلة أنظار الأمراء والحكام يطلبون منها المال لسد احتياجاتهم، وبفضل هذا المركز الاقتصادي الممتاز، فرض البورجوازيون سيطرتهم الواسعة على كافة نواحي الحياة في زمنهم.
وإلى جانب هذه الطبقة كانت توجد طبقة الفرسان الساخطين. وكان انحلال هذه الطبقة من النبلاء الضعفاء، قد بدأ منذ القرن الثالث عشر عندما تضاءلت قيمة أراضيهم بسبب التطور الاقتصادي، فلم تصبح الأرض مصدر الثروة الوحيد وتغيرت أساليب القتال وأدواته وفنون الحرب، ففقدت هذه الطبقة أن قلائل منهم استطاعوا الاحتفاظ بشيء من امتيازاتهم، مثل فرسان الراين وسوابيا Swabia وفرانكونيا -Fran conia، فإن الأغلبية الكبرى خضعت لسيادة الأمراء الأقوياء، ولم
تحتفظ إلا بالقليل من امتيازاتها النوعية. ولهذا أصبح هؤلاء الفرسان متحفزين دائما للثورة ضد النظام الاجتماعي والسياسي القائم.
وإلى جانب هذه الطبقة الساخطة كانت توجد طبقة أخرى أشد سخطا هي طبقة الفلاحين. فقد كان هؤلاء يعيشون على هامش الحياة بمعزل عن التطورات العميقة التي شهدتها المدن الألمانية، حيث كان أفراد الطبقة البورجوازية قد قطعوا شوطا بعيداً في مجالات التقدم والرفاهية.
وكان هؤلاء الفلاحون الألمان يرسفون في اغلال «القنية» وقيود الإقطاع، وكانوا محل استغلال مشترك من الأمراء ورجال الكنيسة والفرسان، إذ كانوا نهبا لشتى أنواع الضرائب نقداً وعينا وسخرة، ويحرم عليهم ممارسة كثير من الحقوق، فقد كانوا يحرمون من ممارسة صيد الأسماك في الأنهار والقنوات وصيد الحيوانات في الغابات، في حين كانت تنتهك أراضيهم وبيوتهم وأعراضهم. وكان عداؤهم لرجال الدين شديدا، فقد نددوا بالأعباء المالية التي فرضها عليهم هؤلاء، وبإسرافهم في فرض ضريبة العشور وغيرها من ضرائب ورسوم مختلفة الأسماء والأنواع.
وبالإضافة إلى ذلك فهناك أسباب أخرى تفسر قيام حركة الإصلاح الديني في ألمانيا - وهي أن الألمان كانوا يحقدون منذ القدم على الكنيسة الكاثوليكية في روما، اذ كان النزاع المستمر بين
البابا والإمبراطور الألماني (إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة) سبباً فى أن كل فريق كان يشعر نحو الآخر بعداء شديد. وفضلا عن ذلك ففي الدول الأوروبية الأخرى كانت مقاليد الحكم في أيدي ملوك أقوياء استطاعوا حماية رعاياهم من جشع رجال الدين، ولكن في ألمانيا، حيث كان الإمبراطور يحكم مجموعة من الأمراء الأقوياء، وليس له إلا ظل من السلطة، فإن البورجوازيين كانوا تحت رحمة القساوسة والمطارنة مباشرة، الذين كانوا يحاولون جمع المال لصالح تلك الكنائس الضخمة، التي كان إنشاؤها هواية البابوات في عصر النهضة.
وهناك سبب مهم آخر، هو أن ألمانيا كانت موطن الطباعة، منذ اخترع جوتنبرج ) Gutenberg 1397 - 1468م) الطباعة بالحروف المصفوفة فى منتصف القرن الخامس عشر، فأزال العقبات في سبيل انتشار العلم وتوصيله إلى عامة الشعب.
وكان الكتاب المقدس أول كتاب طبع بهذه الطريقة في سنة 1455م، وبذلك لم يعد مخطوطاً محجبا بالأسرار في حوزة رجل الدين الذي يتولى وحده التفسير، بل أصبح كتابا من الكتب المتداولة في كثير من البيوت، التي كان ربها وأولاده يعرفون اللغة اللاتينية. فأخذت أسر بأجمعها تقرأ الكتاب المقدس - وكان ذلك مخالفا لقوانين الكنيسة - فتبين للناس أن القساوسة كانوا يقصون عليهم أشياء كثيرة تختلف عما هو موجود في النص الأصلي فأثار ذلك في نفوسهم الشك في رجال الدين، والحملة عليهم.
في ذلك الحين كانت الظروف تتجمع داخل الكنيسة وتدفع للثورة عليها. وتنقسم هذه الظروف إلى قسمين: القسم الأول ويتصل بفساد الكنيسة، والقسم الثاني ويتصل بمحاولات الإصلاح الفاشلة.
وفيما يختص بفساد الكنيسة، ففي النصف الثاني من القرن الخامس عشر كان عدد كبير من رجال الكنيسة، وعلى رأسهم البابا يعيشون عيشة الترف والمجون، وتحولت الولايات الباباوية إلى دول علمانية من الناحية الفعلية، استخدم فيها البابا كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتحقيق أغراضه السياسية، ومن هذه الوسائل التآمر والغدر والاغتيال بالسم، والحروب.
وفي الفترة التي سبقت حركة مارتن لوثر»، جلس على كرسي البابوية اثنان من البابوات يعتبران بحق مسئولين عن تدهور سمعة البابوية وانحدار مركزها هما اسكندر السادس (1492 - 1503م) ويوليوس الثاني (1503 - 1515م).
وبالنسبة لحياة إسكندر السادس، فقد كانت حياة مخزية فقد كرس حياته لإشباع ملذاته وتحقيق أطماعه، وإغداق مراتب الشرف على أبنائه، وتنمية ثرواتهم. وكان قد أقام علاقة بإحدى السيدات المتزوجات Vanozza، وأنجب منها بفضل هذه الصلة غير الشريفة أبناءه الأربعة دون جوان وشيزار وجوبی Jope، وابنته لوكريزيا Lucrezia. كما كان له أبناء آخرون من نساء أخريات. وقد أقام ابنه شيزار بورجيا Borgia قسيسا، ثم كاردينالا، فارتكب من الجرائم ما جعل روما ترتجف رعبا لاسمه، ولم يتورع عن قتل أخيه دون جوان عندما خشي أن يشاركه في سطوته ونفوذه. واستخدم البابا وابنه جميع الوسائل غير المشروعة لتحقيق أهدافهما، مثل الرشوة والاغتيال على أوسع نطاق، وسلاح الحرمان البابوي.
وأما البابا يوليوس الثانى، فلم يكن يقل في أطماعه الدنيوية عن اسكندر السادس، وإن سلك اليها طريقا مختلفا عن طريق آل بورجيا Borgia، هي طريق الحرب والسياسة. فقد وقف يوليوس الثاني Julius II موقف المحارب والسياسي، يقود الجيوش، ويقاتل المكائد، ويعقد المحالفات، وذلك لإعادة تأسيس ممتلكات الكنيسة، حتى ليعتبر بحق مؤسس أملاك البابوية في القرن السادس عشر.
وقد كان من الطبيعي أن تتأثر ميول كبار رجال الكنيسة بميول البابوات، فانكبوا بدورهم على الدنيويات، وطرحوا العناية بالشئون الدينية والروحانية جانبا، وصار من المألوف أن ينظر أصحاب هذه المراكز الدينية إلى وظائفهم باعتبارها مصدر إيراد فحسب، وأصبحت كافة الوظائف الكنسية تباع غالبا عن طريق المساومات مع البابوات، وصارت هذه الوظائف، بفضل تحايل رجال الإكليروس شبه وراثية ما داموا قادرين على دفع المال.
وقد ترتب على ذلك أن أهملت الواجبات الكنسية، وفقدت الكنيسة مكانتها العالية التي تبوأتها، واهتز الأساسي الروحي والاخلاقي الذي أقامت عليه نفوذها وهيمنتها في العصور الوسطى. ومن هنا بات المسيحيون في دول غرب أوروبا يدعون إلى إصلاح الكنيسة والقضاء على الانحرافات الخطيرة فيها، وتطوير نظمها وتنظيم علاقاتها مع أرجاء العالم المسيحي.
وقد أخذت هذه الدعوة تمر بعدة أدوار، وتتعرض لعدة تطورات، نقلتها من مجرد الدعوة إلى إصلاح الكنيسة، إلى الدعوة إلى إصلاح العقيدة ذاتها وهذه الدعوات جميعها، وهي التي تحولت إلى حركات هي التي يطلق عليها في مجموعها: «حركة الإصلاح الديني».